السبت 17-11-2018 06:17:27 ص : 9 - ربيع الأول - 1440 هـ
الجزائر والقلق المشروع على الرئيـس
بقلم/ كاتب/نصر طه مصطفى
نشر منذ: 12 سنة و 5 أشهر و 15 يوماً
الخميس 01 يونيو-حزيران 2006 08:07 ص
رغم أنه كان قرارا مفاجئا إلا أن استقالة رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى الأسبوع الماضي لم يكن مستغربا في ظل الترتيبات التي يديرها بهدوئه المعتاد الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقه خاصة أن رئيس الوزراء الجديد هو عبدالعزيز بلخادم أحد أقرب المقربين له ورفيق دربه النضالي الطويل الذي يدرك جيدا قيمة ومعنى الإنجازات الاستراتيجية الهامة التي حققها في الفترة الماضية ، ولأن التغيير اقتصر على رئيس الحكومة ووزير واحد فقط، فقد أكد أن الهدف هو مجيء شخصية يمكنها تحقيق الاندماج الكامل مع سياسات الرئيس بوتفليقه ومشاركته في تحمل الكثير من الأعباء الخاصة بمهام المرحلة القادمة.
فقد أثار مرض الرئيس عبدالعزيز بوتفليقه خلال الفترة الماضية – رغم استعادته لعافيته – الكثير من القلق داخليا وخارجيا على مستقبل الأوضاع في الجزائر خاصة بعد نجاح الرجل خلال سبع سنوات من حكمه في تحقيق الكثير من الاستقرار وتحسين الأوضاع الاقتصادية وإعادة المسار الديمقراطي إلى مساره الصحيح والتخفيف من قبضة العسكر وامتصاص حالة الاحتقان السياسي على الساحة الداخلية ... ولذلك لم يكن غريبا أن يتدافع الجزائريون إلى الشوارع للترحيب بالرئيس بوتفليقه عند عودته من رحلته العلاجية الأولى والطويلة في باريس أوائل هذا العام ، فذلك كان تعبيرا تلقائيا عن حبهم للرجل وقلقهم على مصير البلاد من بعده ليس بالطبع لعدم وجود رجال بمستواه لكن لأن ما تحقق على يديه جاء بعد سنوات مريرة من الصراع الدموي والعنف السياسي الذي لم يعرفوا له مثيلا منذ الاستقلال!
بوتفليقه الذي جاء إلى قمة السلطة عام 1999م من صفوف المدنيين بخبرة أربعين عاما من العمل السياسي الوطني مع الرئيسين بن بله وبومدين وعلاقات خارجية ممتازة عربيا ودوليا جاء ومعه رؤية وطنية لتجفيف نهر الدماء الذي يسيل منذ عام 1992م ، وقد نجح في الانتخابات حينها بأغلبية واضحة قيل ان: أحد أسبابها دعم الجيش له خاصة في ظل رفض سلفه الرئيس (اليمين زروال) الترشح مجددا لولاية أخرى ، إلا أن مسار العلاقة بين بوتفليقه وقادة الجيش الأقوياء حينها لم يوحِ بذلك إذ سرعان ما تمكن الرجل من الترويج لمشروع الوئام الذي تبناه وحقق حالة من الالتفاف الشعبي حوله وجرت تغييرات في قيادة الجيش أتت بقيادات عقلانية مدركة أن أية مغامرة انقلابية جديدة ستزيد الأوضاع الداخلية سوءا، وستدمر ما تبقى للبلاد من علاقات خارجية أو تعاطف معها ... ولذلك فقد مضى بوتفليقه في مشروعه الأول من خلال قانون الوئام الوطني الذي جرى عليه استفتاء حاز على أكثر من 90% من أصوات المواطنين وأخذت الأمور بعده تتجه شيئا فشيئا إلى التهدئة مع العناصر المسلحة لجبهة الإنقاذ الإسلامية حيث استفاد من ذلك القانون أكثر من ستة آلاف مسلح ... وبعد انتخابه لدورة ثانية عام 2004م شرع الرئيس بوتفليقه بالمضي في مشروعه الثاني المتمثل في وثيقة السلم والمصالحة الوطنية التي قضت بإبطال الملاحقات القضائية في حق كل من أوقف نشاطه المسلح وسلم نفسه للسلطات منذ عام 2000م تاريخ انتهاء مفعول قانون الوئام الوطني شرط ألا يكون متورطا في ارتكاب مجازر جماعية أو عمليات اغتصاب أو اعتداءات بالمتفجرات في أماكن عامة ، كما تضمنت الوثيقة إبطال الأحكام الصادرة على الأشخاص الذين حوكموا نهائيا أو الملاحقين من غير المشمولين بإجراءات عفو وغير ذلك من النصوص التي تهدف لطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة مع العناصر المسلحة وإتاحة الفرصة لها للاندماج مجددا في المجتمع ... وبسبب كل تلك البنود فقد حظيت وثيقة السلم والمصالحة الوطنية على موافقة 98% من المواطنين الذين أدلوا بأصواتهم في الاستفتاء عليها مما اعتبره الكثيرون تفويضا شعبيا لبوتفليقة لطي صفحة الصراع الدموي مع جبهة الإنقاذ نهائيا ... وقد لقيت الوثيقة ترحيبا واضحا وصريحا من معظم القيادات المعتدلة لجبهة الإنقاذ في الداخل والخارج وسلم العشرات من عناصرها المسلحة أنفسهم تجاوبا مع اجراءات تنفيذ الوثيقة ليحظوا بالعفو العام ويستأنفوا حياتهم الطبيعية.
وفيما ساندت جبهة التحرير وحزب التجمع الوطني وحركة مجتمع السلم (الإخوان المسلمون) وحركة النهضة الإسلامية خطوات الرئيس بوتفليقه ومبادراته للمصالحة فإن الحزبين العلمانيين الرئيسيين (التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية) و(جبهة القوى الاشتراكية) دعيا لمقاطعة الاستفتاء الأول على قانون الوئام الوطني والاستفتاء الثاني على وثيقة السلم والمصالحة الوطنية انطلاقا من موقف مبدئي لا يتزحزح ضد التيارات الإسلامية بمختلف اتجاهاتها وتحديدا الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي أيد العلمانيون الانقلاب العسكري عام 1992م نكاية بها وبحصولها على الأغلبية منذ الدورة الأولى للانتخابات النيابية في ذلك الحين ... إلا أن نتائج الاستفتاءين أكدت ضعف الثقل الجماهيري للتيار العلماني وذكاء الرئيس بوتفليقة الذي تمكن من استيعاب أحزاب التيار الوطني والإسلامي ذات الثقل الشعبي في ائتلاف حكومي مستمر منذ وصوله إلى الحكم حتى الآن.
نجح بوتفليقه فيما لم ينجح فيه أسلافه رغم وجود الكثير من العناصر المسلحة لجبهة الإنقاذ لم تسلم نفسها حتى الآن إلا أنها توقفت نهائيا عن أعمال العنف ، وهذا ما يجعل المواطنين الجزائريين يشعرون بالقلق على صحة الرئيس لأنهم يعلمون أن هناك من لا يريد هذه الخطوات سواء من داخل الحكم أو من خارجه الأمر الذي يجعل آمالهم معلقة بشخص الرئيس بوتفليقه في استكمال تنفيذ الوثيقة وإغلاق ملف الصراع نهائيا ، خاصة في ظل رفض الأحزاب العلمانية للوثيقة ... والمشكلة أنه ليس هناك في الأفق أي بديل لتحقيق الاستقرار سوى عودة الصراع من باب تطبيق الأسلوب الثاني في الحل الذي تتبناه بعض القوى وهو الاستئصال الأمر الذي يعني دخول البلاد في دوامة جديدة في وقت بدأت فيه الأوضاع المعيشية والاقتصادية بالتحسن بسبب الاستقرار السياسي والأمني الذي تحقق خلال السنوات الأخيرة في بلد تزيد نسبة الشباب فيه عن 70% ويعاني من مشكلات اجتماعية واقتصادية كبيرة ناتجة عن مخلفات العهد الاشتراكي التي لم يتم تجاوزها بعد.
nasrt@hotmail.com
مشاهدة المزيد