الأحد 18-11-2018 02:22:36 ص : 10 - ربيع الأول - 1440 هـ
ماذا يجري في غزة ؟
بقلم/ كاتب/أحمد الحبيشي
نشر منذ: 6 سنوات و 7 أشهر و 25 يوماً
الجمعة 23 مارس - آذار 2012 09:22 م
لم يعد خافياً على أحدٍ ، بروز تباينات واختلافات في مواقف وتصورات مختلف أطراف النظام العربي الرسمي ، بشأن أسلوب التعامل مع تطورات الأحداث في الأراضي الفلسطينية المحتلة ، على إثر قيام الحكومة الإسرائيلية بإعادة قصف قطاع غزة مجددا ومضاعفة وتائر العدوان عليه خلال الأسابيع الماضية ، وسط صمت عربي ، يقابله صراخ غير مسبوق لاستدعاء التدخل الأجنبي في سوريا ، وما أسفر عن ذلك من تدمير للبنى التحتية وتعطيل معظم شبكات إنتاج المياه والطاقة الكهربائية وارتكاب مجازر جماعية بحق المدنيين من النساء والأطفال والشيوخ والشباب في غزة !!.
فجّرت مشاهد القتل والتدمير والتنكيل والحرائق، مشاعر الغضب في الشارع العربي ، وحركت الضمير الإنساني الحي لدى شعوب البلدان الإسلامية والأجنبية ، فيما وقف النظام الرسمي العربي مشلولاً وعاجزاً عن الاتفاق على صيغة واضحة لمواجهة هذا التصعيد غير المسبوق ، وما يترتب عنه من تحدياتٍ خطيرة تهدد السلم والاستقرار في المنطقة بأسرها ، وما من شك في أنّ الأحداث الدامية في قطاع غزة مؤخراً، وجهت ضربة قوية لمبادرة السلام العربية التي أطلقتها قمة الرؤساء والملوك العرب التي انعقدت في العاصمة اللبنانية بيروت عام 2002م ، الأمر الذي يفرض على النظام العربي الرسمي ضرورة البحث عن خيارات أخرى للتعامل مع هذا الوضع الخطير بكل أبعاده الخطيرة وانعكاساته على الأمن القومي العربي .
ثمة عاملان أساسيان لعبا دوراً كبيراً في تطويق حالة العجز والإحباط التي يعيشها النظام العربي الرسمي .. أولهما الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني وفصائله المقاتلة في مقاومة العدوان والاحتلال ورفض الركوع والاستسلام.. أما العامل الثاني فهو غضب الشارع العربي إن صح التعبير في وجه كل مظاهر العجز والإحباط التي اتسم بها سلوك معظم الحكومات العربية إزاء هذه التطورات.
وبفضل تلاحم هذين العاملين في عصر يلعب فيه الإعلام دوراً ضاغطاً في تشكيل الرأي العام العالمي وتكوين المواقف والاستعدادات، والتأثير على صانعي السياسات ، دخلت الفضائيات العربية ـــ باستثناء قناتي الجزيرة والعربية المشغولتين بالتحريض ضد سوريا ـــ ساحة المواجهة الساخنة ونقلت إشارات ذات مغزى عميق إلى مراكز صنع القرار في واشنطن والعواصم الأوروبية ، تنذر بما قد يترتب عن هذه الأحداث الدامية من أخطار تحدق بهذه المناطق التي يطوقها حزام المصالح الحيوية للدول الصناعية الكبرى.
أثبت الشارع العربي قدرته على أن يلعب دوراً طليعياً في مواجهة التحديات ، وكشفت غضبته الهادرة عن وجود احتياطات كبيرة من خيارات المواجهة بعد أن ظهر النظام العربي الرسمي مرتبكاً في تصرفاته ، وعاجزاً عن إدراك وجهة سير الأحداث ، وهو ما أسهم في التأثير النسبي على جدار الصمت العربي والدولي لجهة ارتفاع بعض الأصوات العربية والدولية التي تدعو إلى الوقف الفوري لإطلاق النار ودعوة مجلس الأمن الدولي ـــ المشغول هو الاخر بسوريا ـــ لإصدار قرار عاجل يقضي بذلك. الأمر الذي يستلزم إطلاق طاقات الشارع العربي وتفعيل دور منظمات المجتمع المدني في التواصل مع المنظمات غير الحكومية ودوائر الرأي العام في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وصولاً إلى استخدام المزيد من أدوات الضغط العربي على الموقف الأمريكي والإسرائيلي.
أمام انسحاب النظام العربي الرسمي عن أداء أي دور فاعلٍ في مواجهة تحديات الوضع الدامي في الأراضي الفلسطينية المحتلة برزت ثلاثية الصمود الفلسطيني ، والغضب الجماهيري العربي والفاعلية الإعلامية للفضائيات العربية كقوةٍ سياسية ديناميكية مؤثرة في مشهد المواجهة. ولعل الدرس الذي قدمته هذه القوة ثلاثية الأبعاد ، يشير إلى أنّ الدور الطليعي والمقدام للرأي العام الذي اعتاد النظام العربي الرسمي على تجاهله والتقليل من شأنه هو جزء أصيل من وظيفة السياسة نفسها!!
من نافل القول إنّ الوظيفة الأساسية للسياسة هي اكتشاف الممكنات ، ومراكمة عدد من الإنجازات الممكنة وصولاً إلى إحداث التحول النوعي المطلوب لتحريك الواقع أو تغييره في سياق أهداف محددة. ولا ريب في أنّ العجز عن اكتشاف الممكنات القادرة على الفعل والتغيير، هو عجز عن أداء الوظيفة الأساسية للسياسة التي تدخل في صميم واجبات القيادات السياسية للنظام العربي الرسمي.
وبوسع هذا النظام المأزوم أن يستثمر الإنجازات السياسية والمعنوية التي حققها صمود الشعب الفلسطيني بما في ذلك صمود سوريا في وجه المؤامرات الخارجية رغم التضحيات الجسيمة ، وتعظيم مفاعيل غضب الشارع العربي رغم الإحباطات الكبيرة ، وتطوير إبداع الفضائيات العربية رغم الكوابح والتحديات .. وبإمكانه أيضاً دعم وتوسيع نطاق هذه الفاعليات بصورةٍ مستمرة، واستخلاص أدوات الضغط القادرة على توسيع دائرة الخيارات والممكنات لمواجهة التحديات ، وصولاً إلى الخلاص من الشعور بالعجز والإحباط والارتباك الذي تميز به سلوك النظام العربي الرسمي منذ بدء اجتياح الجيش الإسرائيلي لقطاع غزة وعدوانه المسعور على لبنان .
ولئن كان النظام الرسمي العربي ـــ في ظل الوضع الحالي للجامعة العربية ــــ غائباً عن المشهد بسبب عجزه وصمته وهوانه ، فقد كان للشارع العربي والإعلام العربي وخاصة الفضائيات دور فاعل ــ وان لم يكن حاسما ً ــ في بلورة عدد من أدوات الضغط والخيارات الفاعلة التي لم يكن النظام العربي الرسمي قادراً على اكتشافها!!
توحد الشارع والإعلام مع صمود الشعب الفلسطيني في المعركة ضد الحكومة الإسرائيلية وحلفائها في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا.. وبفضل هذا التوحد تحولت الحرب الجهنمية في فلسطين إلى مواجهة مباشرة وساخنة مع الضمير الإنساني للعالم المعاصر والقواعد الأخلاقية للمجتمع الدولي المتحضر، و برزت لحظة الحقيقة التي تمكن فيها الضمير العالمي الحر من محاصرة إسرائيل والإدارة الأميركية ، بدلاً من محاصرتهما لسوريا وفلسطين، فيما تحوّلت قضية الصراع العربي الإسرائيلي من قضية عربية تهم العرب ، فقط إلى قضية إنسانية تهم العالم الحديث والحضارة المعاصرة والامن والسلم الدوليين .
لم يعد الشارع العربي هو الذي يضغط على حكوماته من أجل التدخل لوقف حرب الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني ، فقد أصبحت ضرورة إيقاف هذه الحرب القذرة قضية الرأي العام العالمي بأسره. حيث لم تكتفِ شعوب أوروبا وحكوماتها وكنائسها برفع صوت الإدانة لهذه الحرب والمطالبة بوقفها ، بل إنّ الضمير الحي للعالم الإنساني دفع المئات من نشطاء حركات أنصار السلام ، إلى تنظيم مسيرات تضامنية مع الشعب الفلسطيني في مختلف انحاء العالم . وقد أثبت هؤلاء النشطاء للعالم كله أنّ قضية فلسطين تخص الضمير الإنساني الحي للحضارة الحديثة والعالم المعاصر. وبوسع النظام العربي الرسمي أن يتأمل المشهد جيداً ، كي يتحرر من عجزه وصمته وهو أنه .. الأمر الذي لا يمكن تحقيقه تفعيل قوى الرأي العام والمجتمع المدني ، وتنشيط مفاعيل حرية التعبير ، وتوظيف الإعلام والعَلاقات العامة ووسائل الاتصالات الحديثة وكل الخيارات الممكنة في المعركة ، و رفع الحصار والقيود عن المسيرات والتظاهرات الاحتجاجية السلمية في البلدان العربية التي لا زالت أنظمتها وقوانينها تمنع خروج الناس في مظاهرات سلمية للتعبير عن آرائهم ومواقفهم ومطالبهم وتعتبر ذلك خروجاً عن ولي الامر لا تجيزه الشريعة الاسلامية ، خصوصاً وأنّ عالمنا اليوم أصبح قرية كونية يعتمد بعضها على البعض الآخر ويتأثر بعضها بالبعض الآخر أيضاً.
          
   
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
أدوات المطامع الخليجية
توفيق الشرعبي
مقالات
كاتب/خير الله خيراللهغزّة خرجت خاسرة مرّة اخرى..
كاتب/خير الله خيرالله
استاذ/عباس الديلميالأمل الأخير
استاذ/عباس الديلمي
كاتب/عبد العزيز الهياجمعبده بورجي....
كاتب/عبد العزيز الهياجم
الثورات العربيةتنتقل على متن رحلة قطرية
غسان سالم عبدون
دكتور/محمد حسين النظاريكلنا مع الأحمر.. وليكن ما يكون
دكتور/محمد حسين النظاري
مشاهدة المزيد