الجمعة 21-09-2018 15:25:36 م : 11 - محرم - 1440 هـ
مقارنة ظالمة
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 6 سنوات و 11 شهراً و يوم واحد
الخميس 20 أكتوبر-تشرين الأول 2011 09:35 ص

أسيران يحملان الجنسية الفرنسية: أولهما جلعاد شاليط وهو جندي صهيوني يحمل أيضاً الجنسية الإسرائيلية أسرته مجموعة فلسطينية في دبابة «ميركافا» كانت تطلق النار على الفلسطينيين في غزة وظل في الأسر خمس سنوات إلى حين توقيع صفقة إطلاقه مقابل تحرير أكثر من ألف سجين فلسطيني. والثاني هو صلاح حموري فلسطيني الأصل وفرنسي الجنسية ايضاً اعتقلته إسرائيل في العام 2005.. أي في الفترة نفسها تقريباً إثر تهمة ملفقة بالتخطيط لاغتيال رجل دين صهيوني .ان تعمد إسرائيل إلى التمييز بين الرجلين فهذا ديدنها ولا أحد يعول على أخلاقها وقيمها في هذا المجال وفي غيره. بالمقابل أن يعمد الرئيس الفرنسي إلى التمييز بين مواطنين يحملان الجنسية الفرنسيةوكلاهما من أصول أجنبية فهذا ما يدعو إلى الاستغراب.والخلاصة ان الرئيس ساركوزي حيا خروج شاليط من الأسر وتوقع أن يعود إلى فرنسا قريباً.. وعندما سئل عن حموري قال انه يتوقع إطلاقه ضمن القسم الثاني من الصفقة بعد شهرين..والواضح أن سيد الإليزيه لا يعلم أن حموري لن يحتاج إلى جهود رئيس ليصبح حراً فهو يكمل مدة عقوبته في السجن في 28 نوفمبر «تشرين الثاني» المقبل اي قبل شهر من توقع ساركوزي بوجوب إطلاقه. ثمة من يقول إن هذه المقارنة تنطوي على ازدواجية معايير وأقول أنها تنطوي على معيار واحد هو معيار الضعيف والقوي أو الغالب والمغلوب، ومن سوء حظ الحموري انه مصنف في خانة المغلوب. لكن ماذا عن دلالات صفقة شاليط وبخاصة تلك المعادلة اللعينة واحد مقابل ألف سجين؟
يردد البعض على هامش كل صفقة لتحرير أسرى فلسطينيين وعرب من السجون الصهيونية العبارة نفسها: أيعقل مبادلة مئات الأسرى العرب مقابل أسير صهيوني؟.ألا يدفع الصهاينة ثمناً باهظاً لإنقاذ جندي واحد؟ ويعلق بعض آخر: قيمة الإنسان عندهم عالية وعندنا رخيصة. قيمته عندهم نوعية وعندنا قيمته كمية. وتختم المقارنة أحياناً بعبارة: متى نصبح مثلهم؟ فنقدر إنساننا حق قدره ولا نستخف به.؟؟
تنطوي هذه المقارنة على قدر كبير من السذاجة والظلم وتعكس مدى تسلل صورة "مثالية" للعدو إلى أذهاننا رغم أوصافه الشنيعة في خطابنا السياسي. فهو "إنساني وخلوق وشجاع وفارس شهم" يضحي غالياً من أجل جنوده في ساحات المجابهة والمواجهة وهو في الخطاب السياسي عنصري ووحشي ومغتصب وصهيوني يستحق اللعنة. وتنطوي المقارنة بالمقابل على تنزيل للذات العربية في منزلة محتقرة أو دونية . إنها ذات عربية كمية لا قيمة لها...وأخيراًتنطوي المقارنة على خارطة طريق سيئةللصيرورة التي ينبغي أن يكون عليها حال العرب في مواجهة عدوهم.
في الوجه الأول للمقارنة نلاحظ إهمال عناصر أساسية بيننا وبين العدو أبرزها البعد الديموغرافي ذلك أن مجموع الإسرائيليين في فلسطين المحتلة لا يتعدى ال 5 ملايين نسمة يعيشون في محيط عربي يفوق عدد سكانه ال300 مليون نسمة وبالتالي من الطبيعي أن يكون تفوقنا كمياً على الصهاينة وأن يظهر هذا التفوق في الصراع بيننا وبينهم بصورة كمية.. لكن الثابت أن الفارق الديموغرافي الكمي بات يشكل فزاعة للصهاينة الذين يحسبون ذلك جيداً في تصوراتهم الإستراتيجية لمستقبل المجابهة بيننا وبينهم, بكلام آخر هم يعتبرون أن حجمنا عموماً وحجم الفلسطينيين بخاصة يشكل خطراً وجودياً عليهم.
أما عن الفارق الكمي الكبير في عدد السجناء فانه يرجع إلى كون الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال وأن المحتل يتعمد الزج بالعدد الأكبر من المناضلين الفلسطينيين في السجون وأحيانا لأتفه الأسباب ما يؤدي إلى ذلك الفارق الملحوظ في عدد الأسرى بين الطرفين.
والجدير ذكره في هذا الباب أن "الكيان" الإسرائيلي يعيش في إطار قلعة محصنة ومحمية بمختلف أنواع الأسلحة الدفاعية والهجومية والرادعة فضلاً عن المظلة الأمنية الشاملةالتي يوفرها له كبار هذا العالم،ما يعني أن الوصول إلى جنوده وأسرهم يحتاج إلى شجاعة نادرة وتدبير عملاني في غاية السرية والذكاء. أضف إلى ذلك أن الجيش الصهيوني اعتمد استراتيجية سيئة بالنسبة لجنوده فهو يجيز قتلهم أثناء المعركة إذا ما احتجزوا كرهائن ولعل مجمل هذه الأسباب تحول دون احتجاز الكثير من العسكريين الصهاينة. بالمقابل فان العدو يتمتع بأفضل الشروط لاحتجاز فلسطينيين وبالحجم الذي يريد تحسباً لتبادل أسرى أولاستباق أعمال نضالية مختلفة ضد الاحتلال.
والوجه الثاني من وجوه المقارنة يتصل بالذات العربية والفلسطينية فهي أي المقارنة توحي أن الطرف العربي ليس أكثر من جماعة كمية لا قيمة لها في حين يمثل الطرف الصهيوني أقلية نوعية قميته بدحر العرب وربما المسلمين. والحق أن هذه الخلاصة تضمر ظلماً كبيراً للعرب والمسلمين وتبجيلاً للصهاينة لا يستحقونه والسبب في ذلك أن اسر جندي ينتمي إلى قلعة معزولة عن محيطها هو أشبه بالصاعقة التي تصيب سكان القلعة وتقض مضاجعهم وتضعف معنوياتهم وبالتالي تحتم عودة الأسيرللحفاظ على السلامةالنفسية للسكان المعزولين والمعتقدين أن تضامنهم هو السلاح الأمضى في الدفاع عن أنفسهم ما يعني أن الأمر لا يتصل بالكمية والنوعية بقدر اتصاله بشروط الحياة الصعبة في القلعة الصهيونية.
إن الحديث عن مواصفات أخلاقية وشجاعة استثنائية للعدوالصهيوني على هامش مبادلة أسير واحد بمئات الأسرى العرب لا يتفق مع الروايات المتداولة حول هرب الجنود الصهاينة من مواقعهم القتالية عندما يصمد عرب وفلسطينيون في مواجهتهم ولا ينسجم أيضاً مع روايات بعض الأسرى المحررين من الذين احتجزوا خلال معارك مع الصهاينة وتفيد شهادات كثيرة من بينها شهادة أدلى بها الأسير اللبناني المحرر سمير القنطار الذي أكد أن خوف الجنود الصهاينة وتجردهم من القيم الأخلاقية حملهم على قتل طفلة اصطحبها والدها الأسير اليهودي معه إلى الشاطيء إذعانا لطلب القنطار ورفاقه ومن ثم نشروا أكاذيب عن أن المجموعة الفلسطينية قد اغتالت الطفلة دون وازع من ضمير.
يبقى الوجه الأخير في هذه المقارنة وهو ينطوي على اعتبار ضمني مفاده أن العربي ينتصر إذا وصل إلى مرتبة الإسرائيلي "الذي يبادل جندياً واحداً بمئات الأسرى " ويبقى حيث هو إن اخفق في الوصول إلى تلك المرتبة. وبما أن العربي خاضع لميزان قوى عالمي وإقليمي يضمن للصهيوني أسباب وشروط التفوق ومن بينها الحفاظ على ضعف العربي.
فإن على هذا الأخير أن ينتزع هذه المعادلة من وعيه وان يعتمد نهج المقاومة التي بينت للإسرائيلي ولمن يرغب إنه أوهن من" بيت العنكبوت" وان الطريق الأقصر للوصول إلى الحقوق الفلسطينية والعربية يكمن في الانتصار على ثقافة التابع والمهزوم .
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
بومبيو يشهد زوراً أمام الكونغرس
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
استاذ/ عباس الديلمي
من شواهد أنهم لا يقرأون (2)
استاذ/ عباس الديلمي
مقالات
استاذ/عباس الديلمياستحالة الجلوس على الرماح
استاذ/عباس الديلمي
صحيفة 26 سبتمبرلا خيار إلا الحوار
صحيفة 26 سبتمبر
كاتب/نبيل حيدردعونا بسلام
كاتب/نبيل حيدر
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةأحزاب أضاعت نفسها..!!
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
مشاهدة المزيد