الثلاثاء 18-09-2018 19:08:02 م : 8 - محرم - 1440 هـ
الأيديولوجيات الضيقة.. (عصبية مدمرة)
بقلم/ دكتور/غيلان الشرجبي
نشر منذ: 12 سنة و 4 أشهر و 21 يوماً
الخميس 27 إبريل-نيسان 2006 05:45 م
 يخلط التعريف الاصطلاحي الشائع بين «عقيدة» و«ايديولوجية» أو «نظرية»، فيقال: «العقيدة الماركسية»«الايديولوجية الماركسية»، «النظرية الماركسية» -مثلاً- وهذا الخلط يفقد المصطلحات العلمية حدودها الموضوعية، مع أن العقائد ثوابت مهما كان مدى انحرافاتها.. لذلك نقول: «الديانة: البوذية، الهندوسية لنشير الى عقائد لها طقوس: يؤمن بها أقوام من البشر يعتقدون بصحة تعاليمها»، بينما نقول: «النظرية التحليلية، السلوكية، الرأسمالية، النسبية... إلخ» لنشير الى فرضيات فلسفية لمعالجة مشكلات «نفسية، اقتصادية، علمية» يعتمد صحتها من عدمه -كلياً أو جزئياً- على مدى نجاح هذه الفرضيات بتغيير الواقع الذي جُربت فيه -أي: مدى مصداقية الاحتمالات النظرية في الواقع التطبيقي.ولسنا -هنا- بصدد المقارنة بين «المعتقدات الدينية: السماوية والوضعية» ولابين «النظريات المختلفة وخلفياتها الفلسفية» بقدر ما نحاول الاجتهاد لدراسة ظاهرة تاريخية -كانت ومازالت تثير الكثير من الجدل- للاجابة على التساؤل: لماذا تفسد القيم الدينية والاخلاقيات الانسانية التي هي «قاسم مشترك» لكافة المعتقدات -بفروقها النسبية- بخلاف ما نعرفه بأن «محور الديانة اليهودية» أمره تعالى لسيدنا موسى عليه السلام: «وقولا له قولاً ليِّنا» والمعادل الموضوعي لهذه الدعوة «معجزة اليد البيضاء رمزية السلام» او ما نعرفه عن رسالة السيد المسيح عليه السلام كنموذج لـ«دعوة سلام مثالية» خلاصتها: «من لطمك على خدك الأيمن فلقِ له الأيسر ايضاً» وان الإسلام «دين تسامح ورحمة وهداية، ودعوة بالتي هي أحسن» وتأسيس علاقة انسانية تؤمن بـ«حرية الاعتقاد والانفتاح على الآخر على أساس التعاون وتبادل المصالح» ليأتي محاسبة النفس وحسن الظن بالآخر لتعزيز هذه الروح المتحررة من «عقدة الأنا».
ليس ذلك فحسب، بل أن الاطلاع الموضوعي على مجمل المعتقدات -بما فيها العقائد الوضعية والنظريات الفلسفية- يؤكد أنها (تدور في فلك النفس البشرية، وعلاقتها بالكون والحياة)، اتفاقاً واختلافاً، إخفاقاً ونجاحاً. ونظراً لتعقيدات الظاهرة الكونية، وتشعب علاقة الانسان بمحيطه، ومحدودية القدرات العقلية، فقد تعددت الفلسفات وتنوعت الحركات الاصلاحية، ليتوقف كل منها عند زاوية محددة تمثل جزءاً من كل؛ بحكم القدرة الادراكية للانسان، والذي مهما امتلك من العبقرية، ومهما بذل من جهد للبحث عن الحقيقة، فانها تظل (نسبية).. والقراءة التحليلية لهذه الاجتهادات تبرهن على نسبيتها.. والتي تعزز وجهة النظر العلمية بادلتها (العقلية والنقلية) انه لا يوجد اجتهاد يمكن ان يوصف بانه (باطل محض)، كما لا يجوز لمجتهد أن يدعي (امتلاك الحقيقة المطلقة).. إذ أنه حتى الحقائق العلمية -او ما يسمى بالحقائق العلمية- تمتلك (ثباتاً نسبياً) مادامت قابلة للنقض والتعديل، وخاضعة للتحولات الذاتية، والمتغيرات الزمانية والمكانية التي تنفي ثباتها المطلق، فـ(الحق المطلق هو الخالق سبحانه وحده).. كحقيقة يؤمن بها الجميع، وان تفرقت بهم السبل، فظل البعض عن سبيله.
انه الفارق بين الفطرة البشرية، التواقة للمعرفة، التي تظل استنتاجاتها قاصرة، وبين (الرسالات السماوية) لترشيد وتقويم هذه الفطرة، وتصويب اجتهاداتها، ولا فرق في ذلك سواء اعتمدت هذه الاجتهادات على (حيثيات روحية او مادية).. والقرآن الكريم يضع بين أيدينا نماذج لهذا الاجتهاد الخاطئ الذي يستند الى عقل قاصر -بتصوير أولئك الذين عبدوا الاصنام بانهم كانوا يمتلكون جزءاً من الحقيقة- إذ «قالوا ما نعبدها إلاّ لتقربنا الى الله زلفى»، فـ«الوسطية خاطئة وان كانت الغاية سليمة» ويتكرر ذلك بمواقف أخرى، طوعت فيها حتى الرسالات السماوية لاحكام العقل فانحرفت، فـ«قالت اليهود عزيز ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله».. ونخلص من هذا الى:
1- إن الجهود البشرية قد قدمت حلولاً إبداعية للمشكلات الانسانية، لكنها ركزت على الزاوية التي انطلقت منها رؤيتها الخاصة المتأثرة بالنظرة الفلسفية او الاعتقادية التي تؤمن بها والتي قد تتعارض مع رؤية مغايرة تتعامل مع نفس المشكلة، ولكن من منطلق فلسفي آخر.. فمثلما «اهتمت النظرية الماركسية بالانسان» واستخلصت استحالة الانتصار لارادته الحرة في ظل هيمنة «اقطاعية او رأسمالية بشعة» تستحوذ فيها الاقلية على «مصادر القوة والثروة» كمظهر من مظاهر «ظلم الانسان لأخيه الانسان» وان تصحيح هذه المعادلة المقلوبة يقتضي: ان يصبح الانتاج معياراً للمفاضلة، ومن يعمل يملك وليس العكس، فان «النظرية الرأسمالية رأت ان الطبيعة الانسانية تحكمها (الفروق الفردية) وان تعطيل حرية التنافس يلغي حيوية الفروق، ويؤدي الى تعطيل حركة الانتاج، والعكس صحيح).
وبالمقارنة بين الموقفين نستنتج: ان لكل منهما عدماً تشخيصاً مغايراً رغم وحدة الموضوع لتبقى الجزئيات الاجتهادية سيدة الموقف.
2- ان معظم المعتقدات والفلسفات قد قدم آليات أو أحكاماً عامة، يتوقع منظروها صلاحيتها كوصفة علاجية (سياسية، اقتصادية، اخلاقية) لاي مجتمع انساني يعاني من نفس الاوضاع الحياتية -عبر الزمان والمكان- لذلك رفعت النظرية الماركسية شعاراً (أُممياً) ويرفع النظام الرأسمالي -اليوم- شعار (العولمة).. كما توجه الرسالات السماوية -غالباً- دعوتها الى الناس كافة، بل (للعالمين).. ولا ضير في ذلك، مادامت حرية الرفض والقبول مشروعة. والشواهد التاريخية المتواترة تبرز أمثلة حية لـ«تعايش الأمم والشعوب»، وتواصلها الحضاري القادر على التمييز بين الخاص والعام»، فلكل خصوصياته الاعتقادية التي لا تحول دون البحث عن التكامل الذي يستمد من التنوع عوامل إثراء وتبادل خبرات وتجارب، وتلاقح أفكار.
وتلك سنة الحياة، وهي مشيئة إلهية، تتجلى عنها حكمة «عدم قولبة الناس على ملة واحدة» فارادة التعدد تغذي التفاعل الانساني، الذي لولاه لما مرت التجارب الحضارية المختلفة بحراك ثقافي، لتمثل نماذج الأمم الأخرى، ومحاكاة انجازاتها التراكمية، وصولاً لابداع النموذج الخاص بكل منها، وهذا ما فعله المسلمون حينما توافرت لهم هذه الشروط، لنقف أمام عظمة هذا الدين الذي أعاد صياغة سلوك أتباعه.. لتصبح للانتماء للعقيدة أولوية إنصهرت فيها الولاءات الضيقة -وبتلقائية نادرة- ليخلد التاريخ قائمة طويلة لاعلام هذه الأمة في (العصر العباسي) ومعظمهم من جنسيات غير عربية، لكنهم تحمسوا للغة العربية وآدابها وعلومها باعتبارها (لغة القرآن الكريم)، فأحبوها وابدعوا فيها. لذلك قال الجاحظ: «من أحب الله، أحب رسوله، ومن أحب رسوله أحب القرآن الذي نزل على لسانه، ومن أحب القرآن أحب لغته العربية..»، وبهذه العاطفة الجياشة التي تلاشت معها العصبيات، إندمج الجميع في حركة دؤوبة لترجمة تراث الحضارات القديمة، وطورها، للخروج بتجربة فذة متميزة، تحمل طابعاً اسلامياً خاصاً، استحق أن يطلق عليه (العصر الذهبي) لخلافة إسلامية: احتضنت كافة رعاياها، فتداخلت ألوان الطيف لتشكيل نسيج تلك التجربة الحضارية التي لم تستثن أحداً، فكان لـ«شخصيات مسيحية» ولغيرها حضور فاعل في «الترجمة لكتب الطب والفلسفة» والمشاركة في الوظائف الرسمية المختلفة... إلخ، حتى أن «الحركات الشعوبية» و«العقائد المنحرفة عبدة النار، عبدة الشيطان، الزرادشتية، وغيرها» احتفظت بوجودها طالما قبلت بخصوصيات التنوع وبمشروعية التوجه العام الذي يحتكم فيه الجميع لخيار الاغلبية.. فكيف نستطيع استيعاب الفارق بين تلك النماذج المثالية التي قد تصدق على كافة المعتقدات الأخرى بصيغها الانسانية العامة، وبين الوجه الآخر لكل منها، والتي شوهت هذه الصورة الوردية للتكامل الابداعي والتواصل الحضاري بين البشر؟.. وللاجابة على هذا التساؤل ينبغي العودة الى تلك المصطلحات التي ناقشناها في بداية هذا الموضوع، واشرنا الى: الخلط الذي تعرضت له تعريفاتها، لاستخلاص المصطلح الملائم لتوصيف «ظاهرة اضطراب المفاهيم العقائدية» ونقصد بذلك «ظاهرة الادلجة» والتي فرضت أنواعاً من الصراعات بين جماعات تنتمي الى هذا الاعتقاد او ذاك.. وكل ينتصر لمذهبه السياسي او الديني على حساب الآخر، لنسمع عن «صراع طبقي»، «صراع حضارات»، و«حروب صليبية» و«حركات يهودية عنصرية» و«فرق وجماعات اسلامية يكفر بعضها بعضاً» و«نزعات اصولية استئصالية تمارس التخوين والارهاب ضد كل من يخالفها الرأي، وان لم تتجاوز اجتهاداته أصول الدين الواحد، ومشروعية الاجتهاد».. وبهذا تعطلت المشروعية الاجتهادية، وتجمدت حيوية التكامل الابداعي، وفرض التقيد قسراً -افراطاً وتفريطاً- فالغيت كل بادرة للتطور، فالشخصية التقليدية -الفردية والجماعية- تظل تجرّ انماطاً جاهزة، وتكرر قوالب فكرية مغلقة -لاتنسجم مع الانفتاح الواعي على الآخر- أخذاً وعطاءً- لاحداث حراك نوعي تتلاقح فيه الافكار، لتوليد تجارب حية، تنتقل من (التقليد) ثم (المحاكاة) الى (الابداع).. فالانغلاق على الذات، او التماهي مع الآخر، لا يمكن إلاّ أن يؤديا الى (تبعية مطلقة للايديولوجيات المتناقضة بمصادرها المحلية والاجنبية) ومن ثم (الدخول في حلبات صراع، في دوري تصفيات متوالية).. والأمثلة السائدة في العالم اليوم تكرس هذه الصراعات الايديولوجية المدمرة، التي وظفت امكانات التعمير لاشاعة مشاهد التدمير.. انتصاراً لايديولوجيات سياسية تعتسف الفكر، وتلغي عقلانية التفكير، وتطوع العقائد لتمرير وتبرير تلك الايديولوجيات الضيقة.
وبالمقارنة التحليلية المجردة عن الأهواء الذاتية نستطيع استشفاف «ان ما يحدث في الساحة اليمنية اليوم جزء من مسرحية عبثية لا تختلف فصولها الدرامية عن (مأساة العراق) و(تجاذبات لبنان)، أو (مخاصمات سوريا) او (تداعيات دارفور).. بفارق بسيط يدعونا للتفاؤل بان (الحكمة اليمانية لابد أن تنتصر).. مع ثقتنا بان (التعدية الحزبية في هذا البلد) أقدر على تغليب المصلحة العليا، والانتماء الاشمل للدين والوطن لاثبات جدوى التعددية التكاملية.. أما كيف؟ فهو سؤال أحيل الرد عليه الى مقولة للاخ العزيز الاستاذ القدير عبده علي قباطي، والذي اصطحبني معه لحضور مبادرات فردية لقيادات من مختلف ألوان الطيف السياسي، وكانت تتحاور للاتفاق على قواسم مشتركة، فاذا بالخلفيات السياسية لكل طرف فيها تفرض نفسها، وكل يجتهد لاقناع الآخر بصوابية خياراته.. وخروجاً من هذه (الحلقة المفرغة) أراد الاستاذ القباطي حسم الخلاف، فقال: «ما رأيكم أن يحتفظ كل بقناعاته، ونتعامل مع الساحة السياسية كـ(بائعي العسل) وكل يقبل بحق الآخر بعرض سلعة.. «وللناس أن تتذوق بحرية لتختار الأفضلية».. فهل نستطيع تمثل هذا الطرح.. وبروح أخوية مسؤولية.. هل تنتصر لوسطية هذا الدين، ولارادة هذا الشعب، ولمصير هذا الوطن.. أم لعصبية مذهبية ولأدلجة حزبية تحركها «عقليات شمولية» لتظل «تزكية الذات» هي السائدة؟؟؟
تلك مفاضلة جدلية لخيارات صعبة.. تضاف لحركة التاريخ ليسجل أين نقف منها.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
انفجار الوضع الشعبي في المحافظات الواقعة تحت الاحتلال
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
بومبيو يشهد زوراً أمام الكونغرس
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
حمير العزكي
غريفيتس و الحديدة
حمير العزكي
مقالات
لااحد غيرنا يبني بلدنا
حسن العديني
كاتب/خير الله خيراللهبحثاً عن رجال دولة في العراق
كاتب/خير الله خيرالله
صحيفة 26 سبتمبرالحوار الفلسطيني
صحيفة 26 سبتمبر
مشاهدة المزيد