الجمعة 16-11-2018 03:50:36 ص : 8 - ربيع الأول - 1440 هـ
التفرقة بين المعارضة والزندقة
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 12 سنة و 6 أشهر و 24 يوماً
الجمعة 21 إبريل-نيسان 2006 11:49 م
ازدادت في الآونة الأخيرة شهية بعض المعارضين العرب للتعامل مع الأجنبي بحجة أن دولهم تتعامل معه وأن لا أحد أفضل من أحد في هذا المجال.لنتخيل سيناريو التعامل المفترض بالقياس إلى تعامل الدولة: تتعاون الدولة مع الأجانب في المجالات الاقتصادية والتجارية وفي التمثيل الدبلوماسي وفي شراء الأسلحة وتدريب الجيوش والتنسيق الإستخباراتي وفي التبادل الثقافي وفي توقيع المعاهدات والمواثيق وفي التنظيم المديني..الخ.
إذن يمكن للمعارض -بحسب المنطق المذكور- أن يتعامل مع الأجنبي في المجالات نفسها لكن من سوء حظه أن الأمر لا يخضع لرغباته حتى لو أراد الارتماء في أحضان الأجانب دون قيد أو شرط ذلك، أن القانون الدولي المعمول به حتى إشعار آخر لا يسمح للمعارض بالتوقيع ـ نيابة عن دولة لا يحكمها ـ على اتفاقات اقتصادية أو الحصول على صفقات أسلحة شرعية أو التشارك في مشروع للتخطيط المدني أو بناء متحف ..الخ ولعل أقصى ما يمكن للمعارض عمله مع الأجنبي هو التخابر معه سرّا أي التحول إلى عميل جاهز لتنفيذ طلبات الغازي لقاء إيصاله إلى "السلطة" عبر اجتياح أراضي البلد والسيطرة عليها، علما أن هذا الشرط ليس مضمونا تماما خصوصا بعد اجتياح العراق الذي يكاد يودي بموازين القوى الدولية الناشئة بعد الحرب الباردة ويتسبب بضعف متزايد في مكانة القوة الأعظم في العالم.
بعد وصوله إلى السلطة إذا ـ نجح الغزو المفترض ـ يصبح المعارض السابق عميلا بدرجة حاكم وبما أنه وصل إلى السلطة على ظهر الدبابة الأجنبية فإن معارضيه المقبلين سيسيرون على الرسم نفسه ضمن سيرورة حقيرة لا وطن فيها ولا دولة محترمة ولا ارض ذات سيادة ولا هم يحزنون، بل ارض ممزقة على غرار المشيخات والسلطنات اليمنية في عهد الاستعمار البريطاني حيث كانت وطنية الحكام تقاس بحجم "الروبيات الهندية" التي تأتيهم من صاحبة الجلالة البريطانية فإن كثرت تراجعت الوطنية وإن قلت ارتفع الشعور الوطني.
ولعل أصوات المعارضين الطامحين للتعامل مع الأجنبي بدرجة عميل ارتفعت عن ذي قبل بعد سقوط بغداد وتنافس المتعاملين مع الأمريكان على الحصول على درجات حكومية من جنرالات الغزو، وبما أن هؤلاء كانوا ينتمون إلى تيارات ماركسية خلفتها الحرب الباردة على قارعة الطريق وبقايا تيارات قومية مهزومة وأكراد لم يكفوا يوما عن طلب الغزو الأجنبي و تنظيمات إسلامية تحلل لنفسها ما تريد وتحرم ما تريد دون قيد أو شرط أو شريعة ورجال عهود قديمة استدعاهم الغزاة من كهوف الماضي فضلا عن لصوص معروفين في الأسواق الدولية، بما أن هؤلاء كانوا يحتفظون بعلاقات وثيقة مع نظراء عرب ويجتمعون معهم في الرفقة والزمالة والايديولوجيات المشتركة فقد زينوا للبعض منهم فكرة التعامل من أجل مناصب مشابهة لتلك التي سقطت بأيدي "الرفاق" العراقيين وبالتالي الحصول على الدرجات الحكومية نفسها: شيوعي سابق برتبة وزير دولة وقومي سابق برتبة وكيل وزارة وليبرالي سابق برتبة وزير اقتصاد وكردي برتبة وزير خارجية (وانفصالي غب الطلب في الآن معا) وبعثي سابق أو مطرود من حزبه برتبة رئيس وزارة وهكذا دواليك وبما أن هؤلاء صاروا يجلسون على كراسي اللقاءات الدولية والإقليمية مع غيرهم دون اعتراض فقد صار زملاؤهم السابقون يسيل لعابهم وترتفع شهيتهم ويقبلون على التعامل مع الأجنبي بيسر دون عسر وطني أو كرامة وطنية أو حرص على ذكرى من سقط من قبل في سياق تحرير هذا البلد العربي أو ذاك من الاستعمار الأجنبي.
والملفت في الأمر أن اندفاع بعض المعارضين نحو التعامل الوقع مع السفارات الأجنبية دون حياء أو خجل قد أوحى لبعض البلدان الاستعمارية السابقة بضرورة إعادة النظر في تاريخها الاستعماري عبر القول أن هذا التاريخ ينطوي على التنوير والتحديث والديموقراطية إلى غير ذلك من دعاوى الدجل والكذب والرياء. فلماذا يخجل الأجنبي من هذا التاريخ طالما أن عددا من المعارضين العرب الأشاوس يطلبون الاستعمار مجددا ويطلبون الغزو الأجنبي مجددا خصوصا أن بين الطالبين أحزاب أو شطائر من منظمات بنت مجدها السياسي على إرث تحرير الوطن من مستعمريه. كيف نلوم المستعمر السابق إن أعاد النظر بحقبة الاستعمار طالما أن من يدعي أنه طرده يتحرق شوقا لعودته؟ هل يخجل المستعمر من استعماره السابق عندما يتلقى طلبات لإعادة الكرة ممن يدعي انه كان شخصيا أو كانت أسرته من طلائع النضال ضد الأجنبي؟
والملفت في الأمر أيضا أن طلب التعامل مع الأجانب يصدر عن بعض المعارضين علنا وفي وسائل إعلام محلية في هذا البلد العربي أو ذاك في سياق التعبير الحر والهامش الديموقراطي المفتوح فكأن الديموقراطية مطية لطلب الغزو وفرصة لتمريغ انف الوطن بالوحل وفسحة للتخابر مع الأجنبي عبر السفارات أو المنظمات المتنكرة بصفات " غير حكومية".
من حسن الحظ أن ساحة المعارضة العربية لا يحتلها دعاة التعامل مع الأجنبي بل يمكن القول أن المعارضين الحقيقيين والذين دفعوا ثمنا غاليا لمواقفهم وقناعاتهم السياسية هم الأكثر تشددا في أخلاقيات العمل السياسي وبالتالي الأكثر رفضا للتغيير الداخلي بواسطة الغزو الأجنبي والأكثر ابتعادا عن التعامل مع الأجانب ومن بين هؤلاء حزبيين سابقين أمضوا سنوات طويلة في السجون وتعرضوا للتعذيب لكنهم رغم الظلم ورغم العسف لم يتاجروا بأوطانهم ولم ينتقموا من حكوماتهم بالتخابر مع الأجانب معتبرين أن الظلم قضية وطنية تعالج في إطار وطني عبر إقصاء الظالم أو مساءلته أو طلب الاعتذار منه وليس باستدعاء الغزاة إلى أرض الوطن أو نصرتهم سياسيا على الوطن.
ما من شك أن المعارضين الذين ارتضوا الالتحاق بالسفارات الأجنبية ويطلبون العون منها ضد دولهم بحجة الديموقراطية أو التعبير الحر يفقدون بفعلتهم الشنيعة صفة المعارضة فالمعارض لأبناء بلده في الوطن ويفقد بالضرورة هذه الشراكة عندما يتحول إلى أداة يستخدمها الأجنبي كما يريد وللغايات التي يريد.
أن يكون المرء معارضا فهذا يعني أنه مقيد بقيود وطنية تتحدد بالضرورة بالقياس إلى الأجنبي.عندما يجيز المعارض لنفسه التعامل مع السفارات الأجنبية كي تمتطيه للتدخل في الشؤون الوطنية فإنه يفقد تلقائيا صفة المعارض ليحمل منطقيا صفة المتعامل مع الأجنبي وهذه الصفة لا يتمناها المرء حتى لزملاء لا تربطه بهم جملة سياسية واحدة .
mfjalloul|@hotmail.com
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
كلمة 26 سبتمبر: الحديدة غراد
صحيفة 26 سبتمبر الاسبوعية
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
كاتب/ احمد ناصر الشريف
نافذة على الأحداث:العيب فينا وليس في سوانا
كاتب/ احمد ناصر الشريف
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
توفيق الشرعبي
أدوات المطامع الخليجية
توفيق الشرعبي
مقالات
لااحد غيرنا يبني بلدنا
حسن العديني
للمتحزبين بالوهم.. كفـايـة
حنان احمد
كلمة  26 سبتمبرشراكة للمستقبل
كلمة 26 سبتمبر
مشاهدة المزيد