الأحد 18-11-2018 09:21:32 ص : 10 - ربيع الأول - 1440 هـ
عن سقف الثورات العربية ومصائرها
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 7 سنوات و 5 أشهر و يومين
الخميس 16 يونيو-حزيران 2011 09:07 ص
تعاني الحركات الاحتجاجية أو الانتفاضات أو ما بات يعرف بالثورات العربية من مشكلة عويصة تجهلها غالبية المعنيين بهذه الحركات أولا تقدر أثرها حق قدره أو على الأقل يهملونها معتبرين أنها لا تستحق العناية : أما المشكلة فتختصر بطبيعة وتكوين الدول والسلطات المستهدفة بتلك الحركات، وينجم عن هذه المشكلة وتتداخل معها مشكلة أخرى هي أن الحركات المعنية سمت نفسها أو سميت( لا فرق ) بالثورات وصار بالتالي لزاماً عليها أن تنطلق من هذا الموقع للتحرك ضد خصم يليق بالتسمية أي بالثورة، وبما أن هذا الخصم ليس على صورة الأعداء التي استهدفتها ثورات معروفة في التاريخ من قبل فقد وقعت الثورات اما في مأزق " الثورة الدائمة" وبالتالي حرمت نفسها من هامش المناورة التفاوضي أو أنها انتصرت بخلع رمز السلطة وأخفقت في تطهير عناصرها الأخرى لان هذه العناصر كانت أدوات تنفيذية، وبالتالي ليست مؤهلة لان تلعب دوراً في إعادة إنتاج السلطة القديمة بل هي مرشحة للعب دور في تركيب السلطة الجديدة كما لاحظنا في مصر وفي تونس.
وفي السياق لا بد من الإشارة إلى ثورات معروفة اندلعت ضد أنظمة ملكية ومن اجل إقامة أنظمة جمهورية أو ديمقراطية وحتى اللحظة لا توجد ثورة عربية واحدة ضد الملوك بل تنحصر كلها في بلدان جمهورية. وقامت ثورات في أواخر القرن الماضي ضد الأنظمة الشيوعية، ومن اجل سيادة أنظمة رأسمالية وحتى اللحظة لا يوجد في العالم العربي نظام شيوعي واحد والأنظمة العربية كلها تعمل وفق قواعد السوق الرأسمالية، واستهدفت ثورات أخرى بعض الديكتاتوريات العسكرية كما هي الحال على سبيل المثال في تشيلي الجنرال أغوستينو بينوشيه، واندلعت ثورات شعبية ضد أنظمة رأسمالية بهدف بناء أنظمة شيوعية مكانها كما هي الحال في كوبا..الخ وحتى الآن لا توجد ثورة عربية تريد إقامة الشيوعية على الطريقة الكوبية في هذا البلد العربي أو ذاك، علماً أننا نحصر حديثنا في الثورات التي اندلعت في إطار نموذج الدولة الأمة ولا نتحدث عن تلك التي تفجرت في ظل النظام العالمي القديم.
يتضح مما سبق أن الثورات المعروفة كانت مسلحة بايديولوجية محددة ومناهضة للسلطات القائمة التي تعتنق بدورها ايديولوجية محددة أيضاً، وكانت التعبئة تتم من اجل غلبة ايديولوجية على أخرى ونظام على آخر بطريقة راديكالية، ويشمل هذا الوصف الأنظمة الشيوعية التي سقطت مع انهيار الحرب الباردة فهل يمكن قياس "الثورات" العربية الراهنة على مثال الثورات الآنفة الذكر؟
يصعب القياس وذلك للأسباب التالية:
أولاً: لان الدول العربية المستهدفة تشترك مع "الثوريين" في فضاء إيديولوجي واحد، وبالتالي لا يمكن لانتصار الثورة أو هزيمتها أن يفضي إلى انتصار إيديولوجية على أخرى، وبالتالي بناء دولة مختلفة.
ثانياً: لان الطرف الايديولوجي الوحيد المشترك في كل "الثورات" العربية هو "الإسلام السياسي" الذي لا يملك ايديولوجية اقتصادية وقد تعهد للقوى الكبرى بالعمل تحت سقف النظام الدولي القائم واحترام اقتصاد السوق ما يعني انه لا يضطلع بمهمة ثورية راديكالية وإنما إصلاحية.
ثالثاً: لان منظمات المجتمع المدني بمختلف اطرافها هي مواليد شرعية لاقتصاد السوق، وما تريده من مشاركتها في "الثورات" هو المزيد من الانخراط في السوق وسيادة منظومتها الحقوقية.
رابعاً: لقد استفادت "الثورات العربية" من نقطة ضعف مركزية مفادها أن معظم الدول المستهدفة طال بها الحكم ووصلت إلى طريق مسدود بدا معه أن التوريث هو الحل الذي تعرضه علناً أو ضمناً على شعوبها وان الوارث سيواصل السير في الطريق المقفل نفسه، وقد بدا ذلك جلياً تماماً في تونس ومصر، فكانت الانتفاضة الشاملة التي عبرت عن رفض الناس للخضوع لهذه الحلقة المفرغة.
خامساً: لان مصير "الثورات" المنتصرة يفصح عن مصير الثورات الأخرى المشتعلة إذا ما انتصرت، وهنا نرى بوضوح أن مصر وتونس تعهدت عبر المؤسسة العسكرية في البلدين باحترام كافة التزاماتها الدولية، وبالتالي مواصلة الحكم ضمن شروط التبعية نفسها الأمر الذي يحرم البلدين من هامش المناورة في التغيير الجذري على الصعيدين الداخلي والخارجي، بعبارة أخرى سيكون على الحكومة المصرية والتونسية في عهد الثورة أن تحترم شروط اقتصاد السوق، وان تحترم تعهدات البلدين الخارجية، وقد لا حظنا تطبيقاً لهذا الالتزام عبر عودة تصدير الغاز إلى إسرائيل، واحترام الملاحة في قناة السويس بالشروط القديمة مع فارق مهم في الموقف من قطاع غزة، ومن عبور البواخر الإيرانية للقناة، وفتح النظام السياسي أمام مشاركة التيارات السياسية القائمة الامر الذي يوحي بمنطق إصلاحي هو ابعد ما يكون عن منطق الثورة.
و تجدر الإشارة في هذا المجال إلى المثال السوري الذي ربما يختلف كثيراً عن الانظمة الاخرى. فالثورة تريد لسوريا ان تنخرط تماماً في اقتصاد السوق، وان تتخلى عن ايديولوجية البعث في حين توصلت دمشق إلى الاكتفاء الذاتي اقتصادياً، ولعل انخراطها غير المشروط في اقتصاد السوق يعني التخلي عن البنية التحتية الوطنية والخضوع التام للاملاءات الأجنبية.
يفصح ما تقدم عن أن "المشاركة في الحكم " ربما تكون العنوان الأكبر للانجازات الثورية في تونس ومصر فضلاً عن رفض التوريث والسعي لصياغة دساتير تحترم المباديء الليبرالية الديموقراطية، فهل يحسن بالثورات الأخرى اختصار المعاناة، وبالتالي البحث عن تسويات تؤدي الى التغيير بالتراضي والمشاركة الفعالة في الحكم وتجنب خطر الحرب الأهلية ؟
هذا السؤال لا بد أن يطرح على طاولة التيارات الثورية التي ربما عليها أن تتحلى بأقصى درجات اليقظة حتى لا تدفع بلدانها إلى الهاوية فتخسر الثورة والدولة بدلاً من ان تربح الثورة والمشاركة الفعالة في إدارة الدولة.
خلاصة القول إن منطق "المشاركة" يجب أن يتقدم على منطق الثورة الراديكالية خصوصاً في البلدان التي تعتبر السلطة فيها هي الطرف الوحيد القادر على تأمين التداول السلمي للحكم بل السلطة بصيغتها المحلية هي الوحيدة القابلة للتداول، وان رحيلها أو ضربها يعني حرمان البلاد من سلطتها الوحيدة وتشريع أبوابها أمام مخاطر الحرب والانقراض.
بعد اشهر من "الثورات" المستمرة ربما حان الوقت للقول هيا إلى التفاوض حول المشاركة في الحكم أي السير على خطى الثورة في مصر وتونس ذلك أن الثورة ليست شعلة من العواطف والحماس والمنطق الراديكالي انها أيضاً وفي بعض الحالات رافعة أساسية للاستقرار و حماية الوحدة الوطنية من الهلاك.
 
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
أدوات المطامع الخليجية
توفيق الشرعبي
مقالات
استاذ/عباس الديلميحرام مانفعله ببلادنا
استاذ/عباس الديلمي
كلمة  26 سبتمبرمواقف صادقة
كلمة 26 سبتمبر
كاتب/نبيل حيدرهل سنتغير؟؟
كاتب/نبيل حيدر
استاذ/عبد الجبار  سعدمذكرات شاب في الستين
استاذ/عبد الجبار سعد
مشاهدة المزيد