الأربعاء 19-09-2018 21:44:20 م : 9 - محرم - 1440 هـ
الاستثمار في الإعلام أكثر فائدة...من القمع
بقلم/ كاتب/خير الله خيرالله
نشر منذ: 7 سنوات و 5 أشهر و 19 يوماً
الخميس 31 مارس - آذار 2011 09:59 ص

تجمع الشكوى من الاعلام بين زين العابدين بن علي، وحسني مبارك، ومعمّر القذافي. راح الثلاثة في الايام الاخيرة من وجودهم على رأس هرم السلطة يشكون من الإعلام ومما تعرضوا له، او على الاصح مما يدعون أنهم تعرضوا له عن غير وجه حق من حملات إعلامية. ادرك الثلاثة متأخرين أهمية الاعلام ونفوذه، علماً أنه كان في استطاعته كل منهم امتلاك آلة إعلامية تفوق في فعاليتها كل الأجهزة الامنية والقمعية. غاب عن بال الثلاثة وعن كثيرين غيرهم أن الإعلام اكثر فعالية من القمع، وأن الاستثمار في الإعلام والتنمية، في الوقت ذاته، يبقى اقل كلفة واكثر فائدة من الاستثمار في الدبابات والطائرات والمدافع واسلحة الدمار الشامل التي كانت تستهوي شخصاً مثل معمر القذافي...
لم يستفق نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي على اهمية الاعلام الجيّد، الذي يتمتع بمستوى معيّن، يوماً. اعتقد هذا النظام ان مجرد انشاء هيئة، تمتلك امكانات محدودة جداً، تهتم بالترويج للنظام وتنشر له بيانات في صحف ومجلات لا قيمة تذكر لها، في معظم الأحيان، كفيل بإعطاء صورة وردية عن الرئيس والتغطية على ممارسات معينة. لم تكن للنظام التونسي السابق علاقة بالاعلام المؤثر لا من قريب ولا من بعيد، علماً بأنه كانت هناك انجازات كثيرة في الامكان إبرازها بطريقة حضارية بعيداً عن التزمت والاتكال على مجموعة من الإعلاميين يكتفون بنشر إعلانات رسمية مقابل ثمن بخس.
كانت المشكلة في بن علي نفسه الذي رفض دائماً فكرة الانفتاح على الإعلام أو على أي صحافي يستطيع ان يقول كلمة لا او ان يوجه اليه سؤالا حقيقياً ولذلك، كان الدفاع عن الرئيس التونسي المخلوع صعباً، على الرغم من انه حقق، بلغة الارقام الكثير من اجل تونس، ومن أجل المرأة فيها وحماها من الحركات الدينية المتطرفة في ظروف إقليمية صعبة، خصوصاً عندما كان الجار الجزائري يعاني من الارهاب والارهابيين المتسترين بالدين الحنيف الذي هو براء منهم...
ليس صحيحاً ان تونس لم تكن تمتلك ثروة تسمح لها بامتلاك إعلام فعال. الصحيح أنه لم يكن هناك عقل سياسي متطور قادر على فهم اهمية الاعلام وكيفية التعاطي معه واستخدامه. كانت تونس في عهد بن علي دولة في حاجة الى سلاح اسمه الإعلام. فضل الرئيس المخلوع صرف المال على مسائل اخرى. وحتى عندما استحوذ احد الاقارب على وسائل إعلامية، كان الهدف من ذلك ممارسة التعتيم الإعلامي والتعمية على الواقع أكثر من أي شيء آخر.
ما ينطبق على تونس- بن علي، ينسحب الى حد كبير على مصر- حسني مبارك. هنا، لا تقع المسؤولية على الرئيس السابق وحده بمقدار ما انها تقع على نظام لم يستطع منذ قيامه في العام 1952 التكيف مع المتغيرات الدولية، اقله إعلاميا، على الرغم من انتقال مصر من معسكر الى آخر على الصعيد الدولي. بعد 1952، في العام 1954 تحديداً، بدأت الصحف المصرية تتحول الى صحف القارئ الواحد بعدما قرر جمال عبدالناصر والضباط الذين كانوا الى جانبه تأميم وسائل الإعلام. لم يعد مهمّا على سبيل المثال ان يكون ل"الاهرام" أي تأثير على المواطنين المصريين، بمقدار ما أن المطلوب ان يقرأها عبد الناصر في الصباح ثم يبدي ارتياحه الى مادة الصفحة الاولى. مثل هذا الاعلام الاقرب الى الاعلان هو الذي قاد الى هزيمة 1967. مثل هذا الاعلام الموجه الذي لا علاقة له بما يدور في العالم، وحتى داخل مصر نفسها، بقي متحكماً بذهنية كبار المسؤولين في القاهرة ولم يسمح لهم بالانتقال الى مرحلة مختلفة ذات علاقة بالثورة التكنولوجية التي حولت الكرة الارضية الى قرية كبيرة...
بقي مبارك أسيراً لإعلام معين، لم ينتج سوى من هم على شاكلة احمد سعيد، وأن باسماء اخرى. ولكن مع فارق أساسي يتمثل في ان جمال عبدالناصر عرف باكراً خطورة الإعلام وكيفية استخدامه في مواجهة اعدائه ومنتقديه في العالم العربي، فانشأ مؤسسات إعلامية خارج مصر،في بيروت تحديداً، واستعان بأقلام معينة كانت محسوبة على خطه بقي يموّلها سنوات طويلة.
بالنسبة الى حسني مبارك،بخلاف ناصر، لم يكن لديه ادراك يذكر لاهمية الإعلام، وأنه في مستوى السياسة في اقلّ تقدير. في عهد مبارك، لم يعد لمصر أي وجود اعلامي خارجي، فيما لم يعد لاعلامها الرسمي أي تأثير في الخارج وحتى في الداخل. فكان ما كان... وكانت الشكوى من الاعلام!
تنبه معمّر القذافي باكراً الى اهمية الإعلام. كان لدى الزعيم الليبي، الذي بات في طريقه الى الخروج من السلطة، حس إعلامي مرهف، وذلك عندما كان لا يزال شاباً. اسس القذّافي مطلع السبعينات من القرن الماضي صحفاً ومراكز دراسات في الخارج. في مرحلة معينة، كان هو وزير الاعلام الحقيقي في ليبيا. لكن قدرته على متابعة مؤسساته هذه بقيت محدودة. الاهمّ من ذلك كله، أنه لم يدرك ان الاستثمار في الاعلام مسألة مرتبطة بالاستمرارية وليس قضية موسمية. لم يفهم القذافي إلاًّ متأخراًً جداً ان الاموال التي صرفها على السلاح ستعود عليه بنتائج افضل لو عرف كيف يصرف الجزء اليسير منها على الاعلام. من دون إعلام، بدا الزعيم الليبي قبل ايام قليلة عارياً. لم يسمح حتى لنجله سيف الاسلام بان تكون لديه صحيفة أو وسيلة إعلامية جدّية قابلة للحياة وذلك بغض النظر عما اذا كان سيف يعرف شيئاً عن الاعلام أم لا...
إذا كان من درس يمكن استخلاصه من الثورات التي يشهدها العالم العربي، فان هذا الدرس يتمثل في ان لعبة الإعلام خطرة الى درجة لا يمكن تركها للمحيطين بالزعماء والملوك والرؤساء والامراء. هؤلاء المساعدون الذين هم على استعداد للقول في كل دقيقة للحاكم:((كل شيء تمام يا ريّس))
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
ﺧﻄﺎﺏ ﺍﻟﺴﻴﺪ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻭﺍﻟﺤﺎﺿﺮ
أمة الملك الخاشب
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
حمير العزكي
غريفيتس و الحديدة
حمير العزكي
مقالات
صحيفة 26 سبتمبرالولاء والقسم
صحيفة 26 سبتمبر
استاذ/عباس الديلميما اشبه اليوم بالبارحة
استاذ/عباس الديلمي
استاذ/عبده محمد الجنديجمعة الزحف بعد جمعة الرحيل!!
استاذ/عبده محمد الجندي
مشاهدة المزيد