الثلاثاء 25-09-2018 22:03:05 م : 15 - محرم - 1440 هـ
حوار الشجعان وحوار الطرشان
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 7 سنوات و 6 أشهر و 9 أيام
الخميس 17 مارس - آذار 2011 09:32 ص

يبين التاريخ السياسي لليمن الجمهوري ان التغيير الناجح للسلطة كان يتم على الدوام عبر المساومة السياسية بين الاطراف الفاعلة في الحكم والمعارضة وكان التغيير يتحول الى مشكلة عويصة اوالى مأساة دموية احيانا عندما يتم بطريقة انتقامية اوبالقوة المسلحة او بالاكراه والقسر. ويلاحظ في الحالة الاولى ان المعارضة اليمنية المجتمعة في اطار ما عرف من بعد بحركة 5 نوفمبر تشرين الاول 1967 استطاعت ان تقنع المشير عبدالله السلال بالتخلي عن منصبه لانها كانت تمثل اكثر من ثلاثة ارباع الدولة والمجتمع الاهلي علما ان قادتها كانوا مسجونين في القاهرة وقد عادوا في اول نوفمبر تشرين الثاني الى الحديدة حيث كانت القوات المصرية المعين الابرز للسلال تتجمع للرحيل وفهم الرئيس اليمني الراحل ان بقاءه في الحكم بات مستحيلا مع عودة العائدين وانسحاب المنسحبين فقرر الاستقالة على طريقته.
ويروي العميد الراحل يحي المتوكل الذي كان شاهدا على تفاصيل تلك اللحظة ان السلال خاطبه هو ورفاقه بالقول: انتم عائدون للانتقام والاستيلاء على السلطة فقلنا له:نحن مجردون من السلاح والثورة في خطر ويجب ان نوحد كلمتنا. قال ستعودون الى اعمالكم ويجب ان نكرس جهودنا للدفاع عن الثورة "خصوصا ان المصريين يغادرون اليمن" وقال: انا مسافر الى روسيا والعراق.لكنه سافر ولم يعد وفهم المعارضون ان الامر صار لهم فتولوا السلطة بعد مضي اربعة ايام على تلك المحادثة.
وفي 13 حزيران يونيوعام 1977 اطلق القاضي عبدالرحمن الارياني اخر تهديد له بالاستقالة للضغط على المجتمع السياسي اليمني المتنازع وذلك ضمن سلسلة من التهديدات التي كانت تنتهي عموما لمصلحته لكن هذه المرة استقال بصورة قاطعة وتسلم الحكم المقدم ابراهيم الحمدي الرجل القوي في المؤسسة العسكرية اليمنية لكنه ما لبث ان تعرض للاغتيال بعد اقل من ثلاث سنوات على توليه الحكم ليخلفه المقدم احمد الغشمي الذي اغتيل بدوره بواسطة مفخخة ارسلت اليه مع مبعوث رسمي من عدن وذلك بعد مضي ستة اشهر على توليه السلطة ليتيبن ان التغيير بواسطة الاغتيال والتفجيرلا يدوم فضلا عن انه قد جلب الخراب الى اليمن فقد قيل حينذاك ان السلطة الرسمية لا تتعدى العاصمة واحيانا القصر الرئاسي وبالتالي لايمكن لهذه السلطة ان تتوسع وان تنتشر في كل انحاء البلاد الا بالابتعاد عن الاغتيالات وحل المشاكل السياسية بواسطة العنف والانتقام وهو ما حرص عليه الرئيس الجديد علي عبدالله صالح الذي تولى السلطةبتفويض من المجلس التمثيلي الشرعي الوحيد في صنعاء حينذاك.
وفي جنوب اليمن تولى السلطة الرئيس الراحل قحطان الشعبي بتفويض من القوى الاساسية في البلادبعد تحريرها من المستعمر البريطاني غير ان حكمه الذي استمر من العام 1967 حتى العام 1969 لم يستمر طويلا فقد ازاحه ائتلاف قوي يمثل الاكثرية الساحقة من الناشطين في عدن بزعامة سالم ربيع علي المعروف ب "سالمين" وعلى الرغم من شعبيته الكبيرة فقد رفض قحطان استخدام القوة ضد خصومه وخضع للعبةالسياسية في التيارالحزبي الذي حرر البلاد مع علمه التام ان النتيجة لن تكون لصالحه فكان ان غادر الحكم لكنه سرعان ما تعرض للاعتقال والاقامة الجبرية الى ان توفي معتقلا. 
وقد استمر حكم "سالمين" خليفته في عدن حتى العام 1978الى ان اتهم بتدبير انفجار الغشمي في صنعاء وتمت ازاحته من طرف ائتلاف حزبي جديد بزعامة عبدالفتاح اسماعيل وكان ان دفع انصار سالمين ثمنا باهظا لاعدام زعيمهم الذي يروى انه قال لجلاديه "اليوم نحن وغدا انتم." وهو ما سيقع بعد فترة حكم الرئيس الراحل عبدالفتاح اسماعيل الذي حكم لسنتين ازيح بعدها بهدؤ من طرف الرئيس الاسبق على ناصر محمد الذي ازيح بدوره بعد مجزرة يناير عام 1986 الدموية ليتبين في جنوب البلاد ايضا ان الشعب اليمني لا يحكم بقوة السلاح ولا بقوة الايديولوجيا وان التغيير في اليمن لا يتم بواسطة الاكراه والاجبار والانتقام وانما بالتراضي والمساومة والاعتراف بميزان القوى الفعلي على الارض.
ما من شك في ان المجتمع اليمني يختلف عن غيره من المجتمعات العربية ليس فقط بسبب غلبة الفئات الريفية التي تعيش على اقتصاد ما قبل راسمالي وليس فقط بسبب تماسك البنى القبلية اليمنية او بسبب مخاطر الفتن المذهبية وانماايضا بسبب ثقافته السياسية التقليدية التي تتيح الجمع بين الحسم والمساومة. فقد انتصر النظام الجمهوري بقوة السلاح وبالمصالحة الوطنية مع ملكيي الشمال وانتصرت حركة نوفمبر بالمساومة مع الناصرية التي كانت لتوها قد احتجزت زعامات الحركة في السجن ودام حكم الرئيس علي عبدالله صالح لانه تصالح مع القسم الاكبر من خصومه اوالمنقلبين عليه.
لا نريد القول من خلال التذكير بهذا الدرس ان المجتمع اليمني ليس قابلا للتغييربل هوبحاجةماسة له لكن بالوسائل الملائمة التي تحمل التغيير دون انحراف البلاد نحو الحرب الاهلية او الفتن المذهبية. واذ نعترف جميعا ان لا تغيير في اليمن بالقهر والعنف والارغام فهذا يعني ان الحوار هو الطريق الاقصر للتغيير خصوصا عندما يكون ميزان القوى ملائما وهو اليوم ملائم اكثر من اي يوم مضى...فهيا اذن الى حوار الشجعان بدلا من حوار الطرشان الذي سئم منه الجميع غاية السأم.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
استاذ/ عباس الديلمي
من شواهد أنهم لا يقرأون (2)
استاذ/ عباس الديلمي
مقالات
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةتنبهوا للفتنة!!
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
صحيفة 26 سبتمبرإلى أين..؟!
صحيفة 26 سبتمبر
مشاهدة المزيد