السبت 17-11-2018 05:34:27 ص : 9 - ربيع الأول - 1440 هـ
من لا يزال يتذكر القضية الفلسطينية؟
بقلم/ كاتب/خير الله خيرالله
نشر منذ: 7 سنوات و 8 أشهر و 21 يوماً
الخميس 24 فبراير-شباط 2011 10:31 ص

من لا يزال يتذكّر وجود القضية الفلسطينية في ضوء ما شهدته مصر أخيراً وما تبدو منطقة الشرق الاوسط كلها مقبلة عليه من تحولات مصيرية؟ الثابت أن القضية الفلسطينية تواجه منذ ما يزيد على عشر سنوات تحديات من نوع جديد حولتها الى قضية من قضايا المنطقة بعدما اصرّ العرب، بصدق احياناً وخبث في احيان اخرى، طوال عقود على أنها قضيتهم الاساسية، بل المركزية. في الوقت الراهن، لم يعد من اهتمام دولي واقليمي سوى بمصر وتداعيات ثورتها على الداخل والمحيط. أي شرق أوسط بعد الذي حصل في مصر؟ نسي العالم، وحتى العرب، ما شهدته تونس التي فاجأ شعبها كثيرين كانوا يظنون ان هناك أنظمة لا يمكن ان تتزحزح. نسوا ان هناك بلداً عربياً تعرض للتقسيم هو السودان، وان دولة جديدة، لا تزال تبحث عن اسم، ولدت من رحمه. ربما وجدت الدولة الجديدة الاسم اخيراً ويبدو انه سيكون "السودان الجنوبي" وليس "السودان الجديد" كما كان متوقعاً.
تتسارع الاحداث الى درجة أنه بعد مضي أقل من شهرين على بداية العام 2011، بتنا أمام شرق أوسط جديد يبحث لنفسه عن خريطة جديدة لا علاقة لها بتلك التي عرفناها في السنوات الخمسين الماضية...
بدأ التدهور يزداد على الصعيد الفلسطيني صيف العام 2000 نتيجة فشل قمة كامب ديفيد الني ضمت الرئيس كلينتون والزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني ياسر عرفات، رحمه الله، ورئيس الوزراء الاسرائيلي وقتذاك ايهود باراك، تبين نتيجة القمة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، وهو في موقع وزير الدفاع الآن، لا يريد تسوية، وإنما سعى عملياً الى جرّ "ابو عمّار" الى فخ ووضعه في موقع الرافض لعرض "سخي" قدمه له الجانب الاسرائيلي. في الواقع، لم يكن هناك عرض إسرائيلي واضح، بمقدار ما كانت هناك أفكار عامة كان على ياسر عرفات الموافقة عليها من دون ضمانات، لم يحسن "ابو عمّار" التصرف في تلك المرحلة، فكان قراره الكارثي المتمثل في عسكرة الانتفاضة والذي عاد على الفلسطينيين وقضيتهم بالويلات، خصوصاً مع وصول ارييل شارون الى السلطة في الشهر الثاني من السنة 2001...
لم يكن القرار القاضي بعسكرة الانتفاضة الوحيد الذي ساهم في الاساءة الى القضية الفلسطينية، خصوصاً ان المطلوب اسرائيلياً في تلك المرحلة كان قطع طريق واشنطن على ياسر عرفات. جاءت أحداث الحادي عشر من أيلول- سبتمبر 2001 لتزيد من التقارب الاميركي- الاسرائيلي من جهة، وتمكين شارون من وضع ياسر عرفات في الاقامة الجبرية في رام الله من جهة أخرى.
لكن نقطة التحول كانت الاجتياح الاميركي للعراق في آذار- مارس من العام 2003، الذي قلب التوازنات الاقليمية رأساً على عقب. نقلت الخطوة الاميركية في اتجاه العراق كل الاهتمام الى هذا البلد الذي كان ركيزة من ركائز النظام الاقليمي القائم منذ نحو تسعة عقود، والذي تشكل الشرق الاوسط، الذي كنا نعرفه، انطلاقاً منه ابتداءً من مطلع الخمسينات وصولاً الى قيام الكيانات الخليجية التي نعرفها الآن في الستينات والسبعينات.
إننا الآن في مرحلة يعاد النظر فيها بكل شيء في الشرق الاوسط. من الطبيعي إن يكون الفلسطينيون معنيين بما يجري على حدودهم المباشرة، خصوصاً في مصر، كيف سيتصرفون في هذه المرحلة؟ هذا هو السؤال البديهي، من حسن الحظ أنهم لم يستسلموا للاحتلال الاسرائيلي، بل يبدو رد فعلهم سليماً الى حد كبير، هناك دعوة الى انتخابات عامة ورئاسية قريباً، وهناك استقالة لحكومة الدكتور سلام فيّاض، على ان يعود الرجل الى الموقع ذاته على رأس حكومة جديدة. اليوم، أكثر من أي وقت لم تعد هناك اوهام فلسطينية.
لم يعد هناك حتى وهم اسمه المصالحة الوطنية الفلسطينية. لا تزال الوثيقة المصرية التي صاغها نائب رئيس الجمهورية لفترة أيام السيد عمر سليمان والذي يبدو أنه خرج من السلطة مع الرئيس حسني مبارك، حية ترزق، ولكن ما قيمة الوثيقة ما دامت "حماس" مكتفية بالسيطرة على غزة بعدما توصلت الى هدنة طويلة مع اسرائيل تضمن بقاءها في السلطة الى ان يقضي الله امراً...
للمرة الاولى في تاريخهم الحديث، يعتمد الفلسطينيون استراتيجية جديدة قائمة على العمل من أجل بناء مؤسسات لدولة مستقلة في ظل الاحتلال. نعم، هناك مؤسسات تقوم غصباً عن الاحتلال. هناك أمن فلسطيني يعمل للمحافظة على المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية. انتقل الفلسطينيون، ربما بسبب ما تشهده المنطقة من تطورات مصيرية، من مرحلة النحيب والشكوى من غياب الاهتمام العربي الحقيقي بقضيتهم الى مرحلة السعي الى طرد الاحتلال بفضل قدرة مجتمعهم على الانتماء الى ثقافة الحياة بديلاً من ثقافة العمليات الانتحارية التي استخدمتها "حماس" للقضاء على كل امل في مستقبل افضل من جهة، وخدمة كل نوع من انواع التطرف داخل المجتمع الاسرائيلي المريض من جهة اخرى، لم يعد هناك اهتمام بالانقسام بين "فتح" و "حماس" وحتى بالتجاذبات التي تشهدها "فتح" حيث يحاول رجال الحرس القديم القضاء على أي محاولة لتطوير الحركة، انتقلت القضية الفلسطينية الى مكان آخر. انتقلت الى الفلسطينيين الذين لم يعد امامهم سوى خيار واحد وحيد يتمثل في جعل الارض الفلسطينية مرحبة باهلها بدل ان تكون ارضاً طاردة لهم، كما يتمنى بيبي نتانياهو من علامات الزمن ان عدد الذين عادوا الى الضفة الغربية في 2010يزيد على عدد الفلسطينيين الذين خرجوا منها، انها مجرد بداية في زمن مختلف، وفي منطقة تتغيّر باسرع مما يمكن للمرء تخيّله.