الأربعاء 19-09-2018 13:32:44 م : 9 - محرم - 1440 هـ
عن وجوب القطيعة بين الفوضى الخلاقة وثورة الياسمين
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 7 سنوات و 7 أشهر و 21 يوماً
الخميس 27 يناير-كانون الثاني 2011 09:31 ص
إذا كان من المبكر الحديث عن الخاتمة التي ستنتهي إليها التجربة التونسية ذلك أن الحراك التونسي مازال مستمرا وممتدا وبالتالي قابلا للتحول في كل الاتجاهات إذا كان من المبكر الحديث عن نهاية الحدث فان الصورة باتت واضحة حول بداياته ويمكن قراءة مكوناتها من خلال النقاط التالية:
أولا: عملت الدولة في تونس على إنشاء طبقة وسطى واسعة منذ عهد بورقيبة إلى عهد بن علي لكنها حرمت هذه الطبقة من حرية التعبير وبالتالي دفعتها لان تعبر عما تريد خارج الدولة وضدها حتى إذا ما تعذر الصمت يوم انتحر محمد البوعزيزي هبت النخبة التونسية بطريقة مفاجئة وغير متوقعة وأطاحت النظام القائم. بكلام آخر لقد ولدت الانتفاضة التونسية من رحم نظام بن علي وبمساهمة حمقاء من النظام نفسه.
ثانيا: لقد أوغل بن علي في حرمان الاقتصاد التونسي من صمامات الأمان وجعله على الصورة التي يريدها البنك الدولي فكان أن اهتزالاقتصاد المحلي جراء الأزمة العالمية وحرم النظام من هامش المناورة في تدارك آثار الأزمة وبما انه لا يملك بدائل فقد اعتمد سياسة الحرمان للضعفاء والفئات الدنيا وحافظ على مكاسب الأقوياء الذين لا يجرؤ التعرض لهم وقد أدت هذه السياسة إلى تلك الانتفاضة.
ثالثا: كان يمكن لبن علي أن يخاطب شعبه بتواضع ومحبة وان يطلب منه الصبر على الظروف الصعبة وان يطلق وعودا صادقة للمستقبل كما كان يفعل الزعيم الراحل جمال عبدالناصر. لكنه لم يفعل لأنه لا يقيم اعتبارا للفقراء ولان السلطة بنظره لا تستمد من الفقراء وإنما من الدول العظمى التي تستثمر في تونس وتحمي النظام من منتقديه جراء الدور الذي يلعبه في مكافحة الإسلاميين وتشتيتهم في أربع بقاع الأرض بل الإمعان في إهانتهم في السجون حيث طبعت المخابرات التونسية مئة ألف شريط مصور لقيادي أصولي تونسي وهو يضاجع في السجن فتى أرسله جهاز المخابرات التونسية لهذه الغاية. اغلب الظن أن الرئيس المخلوع اكتشف قبل ايام من رحيله ان الشعب هو مصدر السلطة في تونس وقال عباراته الشهيرة" لقد فهمت التونسيين " لكن الفهم جاء متأخرا جدا .
رابعا: في علاقاته الخارجية اعتمد بن علي سياسة إنتظارية فقد انتظر بناء المغرب العربي وخاب أمله وانتظر مشروع الشرق الأوسط الكبير وحاول في قمة تونس أن يكيف لغة القمة مع طموحات بوش ورامسفليد غير أن مساعيه باءت بالفشل وكانت علاقاته بالمغرب الاقصى سيئة للغاية ولم تكن علاقته بالجزائر على أفضل حال ولربما اعتقد ان المهم ليس الجيران وإنما الدول الغربية التي تحكم العالم فكان أن قدم لها ولاء الطاعة وأهمل الجيران فإذا به يسقط وحيدا الا من عبارات دعم مسكينة أطلقها القذافي بعد فوات الأوان.
خامسا: لقد لعبت زوجة الرئيس بن علي دورا مركزيا في البلاد لا نظير له في أية دولة عربية أخرى وقد بلغ اعتدادها بنفسها حدا خرافيا عندما طردت سهى عرفات من تونس وجردتها من الجنسية التونسية وأذاعت الخبر من خلال فقرة واحدة في الصحف . وعلى الرغم من أن السيدة سهى عرفات لا تحظى بإجماع في الساحة الفلسطينية فإنها تظل من اثر ياسر عرفات وأم ابنته الوحيدة وبالتالي من الصعب أن يرضى الفلسطينيون بان تهان بتلك الطريقة ولعل السيدة بن علي ارتكبت خطأ قاتلا بدت من خلاله ومن خلال غيره من الأمثلة رمزا مكروها لسلطة غائبة عن السمع.

سادسا: اغلب الظن أن بن علي سقط جراء مبالغة الغربيين بحمايته وثقتهم العمياء بقدرته على مكافحة التيار الإسلامي وهو ما يؤكده الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي اذ يقول" لقد دعمنا بن علي خلال 23 عاما لأنه كافح الإسلاميين"وذهب رئيس البنك الدولي دومينيك ستروس كان إلى حدالقول أن النظام التونسي نموذج جدير بالاتباع. وكانت وزيرة الخارجية الفرنسية اليو ماري قد امضت عطلة عيد الميلاد في تونس لزيادة الثقة بالرئيس بن علي خلال لانتفاضة بل عرضت مساعدته في قمع المتظاهرين قبل أيام من سقوطه في حين تملك النخبة السياسية الفرنسية مداخل عريضة في تونس وبعضهم يملك فيها منازل كرئيس بلدية باريس هذا فضلا عن انتشار أكثر من ألف شركة فرنسية في مختلف قطاعات الاقتصاد التونسي وذلك كله ربما جعل بن علي يظن أن لديه بوليصة تامين أبدية. ولعل الفصل الأخير في مأساة الرئيس التونسي يكمن في انه اكتشف في طائرته الخاصة عصر الرابع عشر من الشهر الجاري أن حماته الغربيين الذين رفضوا استقباله يفتقرون إلى الأخلاق بل ينافقون ويبيعون ويشترون في كل شيء وفي كل وقت.
سابعا: إذا كان صحيحا أن النظام التونسي قد سقط تحت ضغط التظاهرات فالأصح انه تلقى طعنة أمريكية قاتلة خلف الكواليس حيث تشير الانباء المنشورة في باريس أن عددا من الجنرالات الأمريكيين وفروا الحماية للجنرال التونسي رشيد بن عمار في التاسع من الشهر الجاري بعد أن أقاله بن علي جراء رفضه استخدام القوات البرية في قمع المتظاهرين وحملوا قادة أركان الجيش على التمسك به فاكتشف بن علي ان جيشه بات خارج اللعبة وان عليه ان يتنازل فكانت تنازلاته غير كافية ومتاخرة ورحل بعد خمسة أيام والملفت في هذا الصدد ان جيفري فيلتمان مساعد وزيرة الخارجية الامريكية هو أول مسؤل اجنبي يزور تونس بعد الانتفاضة ما يعني أن التطورات التونسية ليست محصنة ضد الفوضى الخلاقة.
تلك هي بعض ملامح التطورات التونسية الجديرة بالتقدير والاحترام والمثيرة للدهشة بيد ان ما لا يثير الدهشة هو الضغوط الامريكية والابتزاز الامريكي للحكومات والمعارضات في العالم العربي والتهديد الدائم بالفوضى الخلاقة وكأننا وجدنا في هذا العالم لنكون كما يريد الامريكيون. يقررون تغيير دولة فتتغير. ويقررون دفع حزب معارض إلى الامام فيندفع ويقررون فصل أجزاء من بلد فينفصل ويقررون ان تكون اسرائيل زعيمة الشرق الاوسط فتكون ويقررون تخريب العراق فيخرب ويجعلون بن لادن زعيما ثوريا ثم يهملونه ثم يحملوننا مسؤليته عندما يفجر البرجين . واذا نسعى لعمل عربي مشترك يشترطون عضوية الصهاينة في الجامعة العربية هي أو لا عمل عربي مشترك ويكون لهم ما يريدون... وفي كل الحالات علينا أن نرضى وان نسكت وان نصفق وان نشكرهم على خطبهم الديموقراطية.
تبقى كلمة إلى الأصدقاء اليمنيين الذين يدافعون عن بلادهم بالقول أنها لا تشبه تونس رجاء كفوا عن المقارنة. لا تضعوا أنفسكم في موقع المتهم . أما الذين يفترضون أن انتفاضة تونس جديرة بالانتشار في كل الدول العربية لأنها انتفاضة عربية فهم أنفسهم كانوا قبل سنوات قليلة يقولون أن نجاح تونس ناجم عن كونها فينيقية الأصل. مع التذكير بأنهم يريدون ثورات وانتفاضات علمانية مناهضة للتيار الإسلامي الذي يصفق بعض قادته مع الاسف نكاية بهذه الدولة العربية أو تلك وان كان الرابح أجنبي.
عندما تنتشر الفوضى الخلاقة كما هي الحال اليوم فالرابح ليس الشعوب بالضرورة وان بدا الأمر على هذا النحو. قبل عشرين عاما انتفض التونسيون تأييدا للزين ... بن علي ولكنهم بعد عشرين من حكمه لم يربحوا. مع الرجاء هذه المرة بان يربحوا مع خليفته بعيدا عن الفوضى الخلاقة وان يزدهر الياسمين ويدوم عبقه في تونس إلى الأبد.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
ﺧﻄﺎﺏ ﺍﻟﺴﻴﺪ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻭﺍﻟﺤﺎﺿﺮ
أمة الملك الخاشب
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
توفيق الشرعبي
معركة الحديدة!!
توفيق الشرعبي
مقالات
كاتب/نصر طه مصطفىحديث الانتخابات 5
كاتب/نصر طه مصطفى
صحيفة 26 سبتمبرقوة الشعب ...
صحيفة 26 سبتمبر
كاتب/خير الله خيراللهإلى أين ستأخذ الثورة تونس؟
كاتب/خير الله خيرالله
استاذ/عباس الديلميخواطر فضولي
استاذ/عباس الديلمي
مشاهدة المزيد