الثلاثاء 25-09-2018 21:34:42 م : 15 - محرم - 1440 هـ
في ذكرى باكثير
بقلم/ دكتور/عبدالعزيز بن حبتور
نشر منذ: 7 سنوات و 8 أشهر و 20 يوماً
الثلاثاء 04 يناير-كانون الثاني 2011 11:15 م
أحتفلت الأوساط العلمية والثقافية في العالمين العربي والإسلامي في شهر ديسمبر الماضي من العام المنصرم 2010م بالذكرى المئوية لميلاد المفكر والأديب اليمني الكبير/ علي أحمد باكثير (1910 ـ 1969)، وقد عقدت في الآونة الأخيرة بعض العواصم العربية سلسلة من المؤتمرات والندوات التي أكدت دور باكثير ومكانته الأدبية والفكرية، وهو بحق جدير بهذا الاحتفاء، بوصفه علماً من أعلام الأدب والثقافة العربية في العصر الحديث، ورائداً مجدداً من رواد الشعر العربي.
وقد دأبت جامعة عدن منذ السنوات المنصرمة على عقد عدد من الندوات العلمية حول رواد الثقافة والفكر اليمني، من أمثال رائد النهضة الثقافية والفكرية اليمنية/ محمد علي لقمان، والشيخ المصلح الاجتماعي/ محمد بن سالم البيحاني، والمناضل الوطني/ أحمد محمد نعمان، غير أن احتفاء جامعة عدن العام الماضي بـ /علي أحمد باكثير له دلالة خاصة، لأننا احتفينا بشخصية ثقافية كبيرة، تجاوز تأثيرها الأدبي والفكري حدود البيئة اليمنية المحلية إلى المستوى القومي والعالمي، ولأن احتفاء جامعة عدن بباكثير في ذكراه المئوية متزامناً مع الاحتفاء بالذكرى الأربعين لتأسيس جامعة عدن (1970م/2010م)، وفي إطار سلسلة من النشاطات العلمية والثقافية التي شهدتها الجامعة العام المنصرم.
كما أن احتفاء جامعة عدن بباكثير له طابع خاص كذلك، وغني عن البيان ما بين عدن المدينة الساحرة والأديب الشاعر باكثير من الحب المتبادل، منذ مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، عندما ترددت في جنبات أنديتها الأدبية والثقافية أصداء كلماته وقصائده المجلجلة.
وليس المقام الآن للحديث عن مراحل حياة باكثير، ومسيرته الفكرية الحافلة بالإنجازات والتحولات الكبيرة، والأدوار الوطنية والقومية التي شهد له بها الجميع، فهذه أضحت معلومة للقاصي والداني، ولكن يكفي أن نذكر أن باكثير منذ البداية كان أكثر الكتّاب المهمومين بقضايا أمتهم، يخوض بقلمه وكلماته الشجاعة حروبها وكفاحها ضد الاستعمار والاستبداد، وقد استأثر كل قطر عربي بعمل أو أكثر من إبداعه الأدبي، فقد كتب عن اليمن، العراق، مصر، ليبيا، بلاد المغرب العربي، وفلسطين، جرح الأمة الدامي وقضيتها المركزية، التي خصها بعدد وافر من أعماله المسرحية، وكان بذلك أول أديب عربي مقاوم نذر جُلَّ كتاباته لقضايا أمته العربية، مؤمناً بوحدة الأمة العربية قاطبة، ووحدة اليمن أرضاً وإنساناً، وقد دعا في إحدى قصائده عقب استقلال جنوب اليمن من الاحتلال البريطاني إلى وحدة شطري اليمن حين قال:
يا دولة الجنوب عيشي مع اليمن
في دارة الشرف والوحدة الثمــن
لواؤك الجديد يُمنٌ على العــرب
فاليمـن السعيــد ميلاده اقتــــرب
هكذا فكر الأديب المفكر باكثير في مضمون ومدلول الوحدة اليمنية منذ فجر استقلال الشطر الجنوبي من الوطن ولأنه عالم استشرف واقع حال التجزئة ورثاها تمنى أن يتحقق للوطن وحدته، وهكذا تحققت نبوءة علي أحمد باكثير في الوحدة اليمنية المباركة وتحققت بفعل جهد ونضال الشرفاء من أبناء الوطن من أقصاه إلى أقصاه, وها نحن اليوم نحتفل به في الذكرى المائة لميلاده والذكرى العشرين لإعادة وحدة الأرض اليمنية أرضاً وإنساناً.
وقد كُرمَ علي أحمد باكثير في حياته من قبل أهم رجالات عصره، فمنحه المناضل المصري الوفدي مصطفى النحّاس رئيس وزراء مصر وقتئذ الجنسية المصرية عام 1951م اعترافاً بأهمية كتاباته في مقاومة الاحتلال الأجنبي لمصر، وتقديراً لروحه القومية العروبية، وكان الرئيس الراحل جمال عبدالناصر من أشد المعجبين المتأثرين بكتاباته، فمنحه وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1963م، وجائزة الدولة التشجيعية، ومنحته اليمن بعد وفاته وسام الآداب والفنون عام 1985م، ووسام الاستحقاق عام 1990م.
وكما صحب باكثير أهم رجالات العصر من السياسيين والقادة الوطنيين، كان مجايلاً لأهم الشخصيات الثقافية والفكرية في التاريخ العربي الحديث، من أمثال عباس محمود العقاد، وإبراهيم عبدالقادر المازني، ويحيى حقي، وغيرهم من أعلام الأدب العربي الذين نال محبتهم وتقديرهم، وكان رفيقاً ومنافساً شرساً لأشهر كتّاب عصره من الروائيين، من أمثال عبدالحميد جودة السحار ونجيب محفوظ، الذي ظل يتشاطر معه الجوائز الأدبية مناصفة، مثل جائزتي (قوت القلوب الدمرداشية)، و (وزارة المعارف المصرية). وكان عملاقاً في فن المسرح، إلى جوار توفيق الحكيم، ولذلك كان المسرح المصري يفتتح مواسمه المسرحية بأعمال باكثير، ويؤدي أدوارها أشهر الممثلين آنذاك، وقد تحول بعض أعماله إلى دراما تلفزيونية وسينمائية مثل رواية (سلاّمة القس) التي تحولت إلى فلم سينمائي من بطولة أم كلثوم ويحيى شاهين، أمّا رائعته الروائية (واإسلاماه) التي تحولت إلى فلم سينمائي بالعنوان نفسه، فقد جاءت درة قلائد السينما المصرية، ويعاد عرضها حتى اليوم محتفظة بألقها القديم.
هكذا هم الكبار فكراً وثقافةً أمثال باكثير الذي أُتي هذا الحضور الطاغي في أرض الكنانة, وبين عمالقة الفكر والثقافة والسياسة واستطاع بجهده ومثابرته وإبداعه أن يكون واحداً ممن يشار إليهم بالبنان حتى يومنا هذا, وأتذكر أنني كنت قد قرأت روايته المشهور "واإسلاماه" عندما كنت طالباً بالجامعة واستحوذت على كل اهتمامي أثناء قراءتها ولم أتركها إلاّ بعد أن فرغت من قراءتها لسلاسة عرضها وعمق فكرتها ما يدل على تأثير الكاتب المفكر على من يقرأ أعماله.
ما من شك في أن القيمة الأدبية والفكرية التي يمثلها باكثير قيمة عظيمة، وشخصيته العصامية أنموذج للأجيال، تُلتمس منها العظة والأسوة في تمثل هموم الأمة والدفاع عن حاضرها ومستقبلها، ومحاربة أشكال الجمود والتطرف والتخلف الفكري كافة، ولايختلف اثنان في قيمة إبداعاته المتعددة، في المسرح السياسي، والرواية التاريخية، التي وظف فيها أحداث التاريخ وشخصياته المؤثرة وأساطيره، مستلهماً الماضي المجيد في قراءة الواقع العربي ومحاكمته، باحثاً عن إجابة لسؤال نهضة الأمة. ولعلّ صرخته الشعرية التي جاءت في قصيدة (إما نكون أو لانكون) التي كتبها عقب هزيمة يونيو 1967م من أهم الإبداعات المعبرة آنذاك عن روح جديدة في مواجهة النكبة وتجاوز مأزق الهزيمة، ورسالة حافلة بالدلالات إلى كل الشعوب العربية، يقول فيها:
أن تتلاشى بدداً
أمتنا.. أو من جديدٍ تُولدُ
إما نكون أبداً
أو لانكون أبداً
غداً وما أدنى غداً .. لوتعلمون
إما نكون أبداً أو لانكون
رحم الله علي أحمد باكثير الذي اجتمع على محبته ومحبة أدبه وفكره الأصيل كُتَّاب ونُقَّاد ومريدون من أطراف العالم العربي والإسلامي كافة، فمنذ عقود لم يتوقف الدارسون عن تناول مؤلفاته بالقراءة والتحليل، وفي كل مرة يقرأ ما لم يقرأ من قبل، ما يدل على حيوية مؤلفات باكثير وملامستها لأهم قضايا الواقع المعاصر حساسية.
وقد عقدت جامعة عدن خلال المدة من 22 -23 ديسمبر الماضي ندوتها العلمية الخاصة بالذكرى المئوية لميلاد باكثير، في مدينة سيئون، بلدة باكثير، وفي يوم ميلاده الذي يصادف 22 ديسمبر من كل عام، لتسهم بدورها في تخليد ذاكراه العطرة، وتعيد قراءة فكره وأدبه، من خلال الأبحاث والدراسات التي قدمت للندوة ونشرت في مجلة "التواصل" العلمية المحكمة التي تصدرها جامعة عدن كمساهمة علمية واعية من الجامعة لتبيان أهمية باكثير في تاريخ الثقافة العربية، وتواصلاً مستمراً مع أدبه وفكره الأصيل، إذ تضمَّنت المجلة مجموعة من البحوث العلمية الرصينة في قراءة نص علي أحمد باكثير، ولعلّ ما يميز هذه البحوث مجتمعة، أنها أخذت في قراءة باكثير بمناهج نقدية متعددة، ورؤى جمالية متظافرة، وتناولت محاور متعددة. منها ما يقرأ أدب السيرة الذاتية أو خطاب الذات عند باكثير، ومنها ما اتجه إلى نقد النقد المكتوب حول أدبه، وتوقف بعضها عند شعره، فتناولت قصائد مفردة بعينها، وأخضعها للتحليل النقدي، وتناولت أخرى الظاهرة الشعرية عامة، ومنها ما تعرض لمساءلة ريادة باكثير الشعرية، وبعض البحوث تناولت أدبه الروائي، لاسيما رواية (الثائر الأحمر) المثيرة للجدل حتى اليوم، وأخرى أبحرت في فكره وتوقفت عند ثنائية السياسة والتاريخ.
إننا في رئاسة الجامعة نقدر تقديراً عالياً لفخامة الرئيس/ علي عبدالله صالح - حفظه الله, رعايته الكريمة لجامعة عدن وهذه الندوة بالذات ونشكره على كل ما قدمه من دعم مادي ومعنوي لجامعتنا، والشكر موصول للجنة التحضيرية للندوة, وللجنة العلمية والمنظمة, كما نشكر الشيخ المهندس/ عبدالله احمد بقشان رئيس مجلس الأمناء وزميله الشيخ/ محمد بن حسين العمودي على دعمهما المادي للجامعة ولهذه الندوة.
كما أشكر السلطة المحلية بمحافظتي عدن وحضرموت, ووزارة الثقافة على تقديم الدعم والإسناد لإنجاح فعالية ندوة الذكرى المئوية لميلاد الأديب المفكر علي أحمد باكثير التي تتزامن مع فعاليات مدينة تريم عاصمةً للثقافة الإسلامية, والذكرى الأربعين لتأسيس جامعة عدن. ونأمل أننا قد وفقنا في تقديم مساهمة فكرية وإثرائية لحياة أديبنا ومفكرنا الجليل علي أحمد باكثير رحمة الله عليه.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
استاذ/ عباس الديلمي
من شواهد أنهم لا يقرأون (2)
استاذ/ عباس الديلمي
مقالات
كاتب/نصر طه مصطفىحديث الانتخابات 2
كاتب/نصر طه مصطفى
استاذ/عباس الديلميليلة بكاء الامهات
استاذ/عباس الديلمي
دكتور/محمد حسين النظاريالمنقلبون الحقيقيون
دكتور/محمد حسين النظاري
رئيس التحرير/علي حسن الشاطرخليجي20 والتفاعل التبادلي 2-2
رئيس التحرير/علي حسن الشاطر
دكتور/عبدالعزيز المقالحالأحداث الإيجابية لعام 2010م
دكتور/عبدالعزيز المقالح
مشاهدة المزيد