الإثنين 24-09-2018 22:45:49 م : 14 - محرم - 1440 هـ
نعم...التغيير بالأشخاص!
بقلم/ كاتب/نصر طه مصطفى
نشر منذ: 12 سنة و 6 أشهر و يوم واحد
الخميس 23 مارس - آذار 2006 09:34 م
يبدو أننا سنشهد خلال الشهور الستة المتبقية حتى الانتخابات الرئاسية والمحلية أنواعا شتى من المعارك الصحفية الساخنة بين الحزب الحاكم وأحزاب اللقاء المشترك والتي من الواضح جداً أنها ستخرج عن أخلاقيات المهنة – كما تبدو المؤشرات الحالية – والأكيد أن ذلك ناتج عن حالة فلتان أعصاب ربما بسبب اقتراب موعد الانتخابات وربما بسبب الخلافات حول برامج الإصلاح السياسي وربما وربما ... لكن ذلك لا يبرر بأي حال من الأحوال التهور والخروج عن اللياقة في خطاب الطرفين عن بعضهما، بل أجد أن اقتراب العملية الانتخابية فرصة لا تعوض ليتبارى الطرفان في تقديم الأسلوب الأمثل والأجمل والأرقى في عرض برامجهما ونقد برامج الطرف الآخر ... وأقول ذلك تعليقاً على كل ما قرأته وآلمني خلال الأسبوعين الماضيين قبل أن أخوض في مقالتي لهذا الأسبوع.
وفي ظني أن حالة فلتان الأعصاب تمنع المرء أو الحزب أو الدولة – في أي من بلاد الله – من التفكير السوي والحديث الموضوعي والقرار العقلاني ... وهذا جعلني أتأمل مستغرباً ردود فعل أحزاب المشترك على التعديل الحكومي الأخير الذي نال رضا غالبية الناس حيث قال العديد من قياداتها ومفكريها أنهم لا يرون فائدة منه لأنه عبارة عن تغيير في الأشخاص لم يصحبه تغيير في السياسات (!) وفي تصوري أن مثل هذا الكلام إما أنه يدل على قصور في الفهم وهذا أستبعده رغم أنه ممكن ، وإما أنه يدل على رغبة في إبداء السخط على كل شيء الجيد منه وغير الجيد وهذا يدخل في نطاق المكايدة السياسية التي هي النقيض المباشر للموضوعية والعقلانية السياسية!
لاشك أن السياسات هي مفتاح أي تغيير سواء إلى الأفضل أو إلى الأسوأ، فماذا يعمل المسؤول الجيد مع سياسات منحرفة سوى أن ينحرف أو يحاول إصلاحها إن كان ذلك بيده أو يتركها ويرحل إن وصل إلى طريق مسدود ... ولذلك يصبح من الضرورة بمكان أن تعيد الدول والحكومات النظر في السياسات التي يثبت خطأها وأن تراجعها وتستبدلها بما هو صحيح ... أما إذا كانت هذه السياسات من النوع الذي هو محل إجماع فمعنى ذلك أن الأصل فيها الصحة حتى يثبت الخطأ سواء من خلال التطبيق أو من خلال تطوير هذه السياسات ، فبعض الأمراض معروف أن علاجها واحد في كل مكان في العالم ، وكذلك مخلفات السياسات الاشتراكية علاجها واحد في كل مكان وهذا ما أجمعت عليه كل الدول التي كانت مصابة بذلك المرض العضال، ولم تخرج عنه الأحزاب السياسية في بلادنا التي تكاد تكون برامجها السياسية واحدة في الجانب الاقتصادي بما في ذلك الحزب الاشتراكي وتجمع الإصلاح ... فرئيس الوزراء الأسبق حيدر العطاس كان أول من تبنى برنامجاً شاملاً للإصلاح السياسي والاقتصادي أواخر عام 1991م هو في مضمونه نفس البرنامج الذي يتم تنفيذه حالياً ، وهو نفس البرنامج الذي اتفق عليه ائتلاف المؤتمر والإصلاح وبدءا في تطبيقه أوائل عام 1995م ... وباختصار فإن كل تلك البرامج ترتكز على إلغاء الدعم عن جميع السلع بالتدريج وعلى إجراء إصلاحات في السياسات الاقتصادية والإدارية وعلى الأخذ بنظام السوق والخروج من مخلفات سياسات الاقتصاد الاشتراكي ... فلماذا يتحدثون اليوم عن تغيير السياسات وهي هي في مضمونها وتوجهاتها لم يتغير فيها شيء على الإطلاق سوى أن أساليب التنفيذ والتطبيق قد تختلف لكنه – في النهاية – اختلاف شكلي وليس جوهرياً سواء في أولويات التنفيذ أو زمنه ومدته؟!
إن التقليل من شأن التغيير في الأشخاص لا يقول به إلا من يجهلون سنن الله سبحانه وتعالى في التغيير أو من عميت بصائرهم عن رؤية الحق بسبب من ضغينة أو كيد، فالإنسان هو دوما وسيلة التغيير وأداتها في هذه الدنيا ... وسيظل دوره محوريا في أي عملية تغيير، وامتدادا لذلك سنجد أن دور الأشخاص هو الأساس في رسم سياسات الدول واتجاهاتها ليس في الدول المستبدة أو ذات الديمقراطيات الناشئة فقط بل في الدول ذات الديمقراطيات العريقة التي تحكمها المؤسسات (!) ولا أظن أن أي مبتدئ في السياسة لا يستطيع التمييز – على سبيل المثال – بين سياستي الرئيس الأمريكي السابق (بيل كلينتون) والرئيس الأمريكي الحالي (جورج بوش) تجاه كلٍ من القضية الفلسطينية والعراق رغم كل ما يقال عن ثوابت السياسة الأمريكية ، فهذا الفارق الجلي بين سياستي الرجلين دليل ساطع على مدى تأثير الأشخاص في سياسات الدول الكبرى فما بالك عندما يكون الأمر في ما هو أقل شأنا من ذلك بكثير ... وعلى نفس الصعيد يمكن المقارنة بين وضع روسيا على عهد الرئيس السابق (بوريس يلتسين) ووضعها على عهد الرئيس الحالي (فلاديمير بوتين) وهكذا.
فهل يعقل بعد ذلك أن تحاول المعارضة أن تدفعنا لليأس من التعديل الوزاري الأخير الذي أجمع غالبية الناس على إيجابيته (ولا تجمع أمتي على ضلالة)؟! فمادامت السياسات الاقتصادية ليست محل خلاف بل هي محل اتفاق لدى الأحزاب السياسية الرئيسية والدول والمؤسسات المانحة فإن دور الوزراء الجدد هنا سيكون محوريا في إصلاح الكثير مما فسد خلال السنوات الماضية ... فإذا وقفنا مثلا أمام قضايا المناقصات الكبيرة منها والصغيرة سندرك أن نصوص القانون واضحة في ضبطها – على ما في هذه النصوص من ثغرات ونواقص – وأن الخلل والفساد ينبع من ضمائر الأشخاص وممارساتهم لأننا لا يمكن أن نوقف نظام المناقصات لنقضي على الفساد ، ولذا فمن له ضمير صاح ونفس نقية وقلب صالح فلن يقبل أن يمارس الفساد حتى لو مات جوعا وأمثال هذا كثير موجودون بين ظهرانينا فلا ندع لأحد الفرصة أن يملأ نفوسنا باليأس.
إن مقولة الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه-: (إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) تجسيد وتأكيد لدور الأشخاص، وأن التغيير الحقيقي من الأسوء للأفضل أو من الأفضل للأسوء هو انعكاس لدور الفرد وإرادته في التغيير، فالرئيس قادر بسلطانه أن يزع قادة دولته ، ورئيس الحكومة قادر بسلطانه أن يزع وزراءه ، والوزير قادر بسلطانه أن يزع وكلاءه وموظفيه وهكذا... فالسياسات ينفذها ويطبقها الأشخاص، وهم يحتاجون إلى رقابة على أدائهم مثلما يحتاجون إلى رقابة ضمائرهم ، أما الأولى فمهمة الدولة وأجهزتها المختصة بمثل هذا الأمر وأما الثانية فراجعة للشخص نفسه ... وكما أجزم فإن عددا كبيرا ممن دخلوا الحكومة في التعديل الأخير يحظون بسمعة ممتازة وسنرى منهم إنجازات طيبة ومشرفة كما هو حال كثير ممن بقوا في الحكومة ... فلنعطهم فرصتهم ولنثق أن الفرد دائما هو أداة التغيير للأفضل ، فإن كانوا صالحين في أنفسهم مصلحين لغيرهم سنكون في حال أفضل مع نهاية الأعوام الثلاثة القادمة إنشاء الله.
http://nasrt@hotmail.com
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
استاذ/ عباس الديلمي
من شواهد أنهم لا يقرأون (2)
استاذ/ عباس الديلمي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
أحمد الحسني
وحق لسلطنة عمان أيضاً
أحمد الحسني
مقالات
استاذ/عباس الديلميحكومة من بعثنا من مرقدنا
استاذ/عباس الديلمي
كاتب/زيد بن علي الفضيل:: لبنان... إلى أين ؟ وماذا بعد ؟
كاتب/زيد بن علي الفضيل:
مشاهدة المزيد