السبت 15-12-2018 11:11:08 ص : 7 - ربيع الثاني - 1440 هـ
من أجل السلام في القرن الواحد والعشرين:لا بد من احترام ارادة الشعوب..!
بقلم/ بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
نشر منذ: 8 سنوات و أسبوعين و 5 أيام
الخميس 25 نوفمبر-تشرين الثاني 2010 09:19 ص

ان اهم ما ميز القرن العشرين من وجهة نظري كان نجاح الانسانية في تحقيق الاستقرار والسلام. فالاعتراف بحق المجتمعات والامم في تقرير مصيرها بنفسها بعيدا عن تدخل الدول المستعمرة لم يؤد الى تحقيق ذلك لسوء الحظ. ذلك ان مفهوم وتطبيقات حق تقرير المصير قد تجاهلا مكونات اخرى من مكونات السلم والاستقرار. ويأتي في مقدمة ذلك عملية تكوين الارادة العامة للشعوب والضمانات الضرورية لاحترامها. وفي اعتقادي ان تحقيق ذلك في القرن الواحد والعشرين يتطلب التركيز والاهتمام بذلك.
فعلى الرغم من حصول العديد من المجتمعات على استقلالها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية الا ان هذا الاستقلال كان ناقصا بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى. فمن ناحية فان الاستبداد الخارجي حل محله الاستبداد الداخلي والذي كان في حالات كثيرة اشد بشاعة منه. ونتيجة لذلك فان معاير الانسانية وحقوق الانسان ظلت متعددة ومتفاوتة. ولا شك ان ذلك يفسر ما يطلق عليه الان ظاهرة الارهاب العالمي والذي يهدد السلم والاستقرار في العالم.
ولقد ترتب على تفوق كبت وظلم النخب الحاكمة الوطنية كبت وظلم ادارات الحكم الاستعمارية الى تسلل اليأس والاحباط الى العديد من المكونات الاجتماعية سواء في الدول المتقدمة اوالدول المتخلفة. ففي ما يخص الدول المتخلفة فان عدم الاهتمام بتكوين الارادة العامة للشعوب ظهور وتوسع ممارسات من قبل النخب السياسية لا تنبع من الشعوب ولا تحظى بقبولها. ولعل من اهمها في المجال السياسي ممارسة التعذيب والقتل لأهداف سياسية وخارج نطاق القانون وتقلص مساحة المشاركة السياسية والتضييق على التعبير عن الآراء وتجريم النقد واحتكار السلطة. اما الممارسات الاقتصادية المصادرة لإرادة الشعوب فهي ايضا كثيرة. ولعل من اهمها في المجال الاقتصادي احتكار النخب الوطنية الحاكمة للثروة واهدار الموارد النادرة والتساهل في الحقوق الاقتصادية الوطنية لصالح الشركات عابرات القارات وامتصاص اي فائض في النشاطات الاقتصادية الوطنية عن طريق تهريبها للخارج وعدم الاكتراث بحقوق الاجيال القادمة وغير ذلك من الممارسات الظالمة والمضرة بحاضر ومستقبل الشعوب.
اما ما يخص الممارسات الاجتماعية فقد تمثلت في الوصول بممارسات الاقصاء على اساس عرقي اوقبلي اوسلالي اوديني اومذهبي اوثقافي الى حد الاجتثاث الكامل. فبدلا من مبدأ فرق تسد التي اتبعته الدول الاستعمارية للسيطرة على الشعوب المستعمرة فان النخب الوطنية الحاكمة قد استبدلته بمبدأ من يخالفك يخل لك المكان.
وقد ترافق ذلك مع تخلي الدول المستعمرة عن واجباتها القانونية والاخلاقية تجاه الشعوب التي استعمرتها بحجة ان ما يجري فيها هو شأن داخلي. لكن ذلك لم يكن الا كذبة كبرى. فهذه الدول هي التي سلمت مقاليد السلطة في هذه الشعوب للنخب التي قبلت ان تستمر في حماية مصالحها حتى ولوكان ذلك على حساب المصالح الوطنية. ان الدول المستعمرة لم تبذل اي جهود تذكر في عملية ازالة الاثار البغيضة للاستعمار ومن ضمن ذلك العمل بصدق واخلاص على مساعدة هذه الشعوب على تكوين ارادة شعبية وتوفير الوسائل الضرورية لاحترامها. فقد تجاهلت عمدا ما سوف يترتب على ذلك من صراعات وحروب اهلية وقمع وكل ما يتبع ذلك من فقر ومرض وتخلف.
والاكثر بشاعة من ذلك هو تورط العديد من هذه الدول في اعمال العنف والتصفيات العرقية والدينية والطائفية بل حتى العشائرية بحجة حماية مصالحها الوطنية. فبدلا من ان تخوض الدول الكبرى صراعاتها في بلادها فقد خاضتها في هذه الدول تحت ما سمي بالحرب الباردة. فالنسبة لهم فقد كانت بالفعل باردة واقل كلفة. اما بالنسبة لدول العالم الثالث فقد كانت حارقة جدا الى درجة تفوق حرارة الحرب العالمية الاولى والثانية.
ان ذلك يمثل من وجهة نظري البيئة التي خلقت ما يطلق عليه الارهاب العالمي وهي التي تغذيه. ولذلك فانه من المستحيل القضاء على هذه الظاهرة التي اصبحت تهدد السلم والاستقرار العالمي الا من خلال العمل على خلق إرادة شعبية والحرص الشديد على احترامها. لكن وللأسف الشديد حتى وبعد انتهاء هذه الحرب القذرة ( الحرب الباردة!) لم تبذل أية مساع حقيقية في هذا الاتجاه. فلم يعد هناك اي مبرر اخلاقي لاستمرار تجاهل ارادة الشعوب حتى ولولم تتكون ظاهرة الارهاب الدولي. ومن المستغرب ان هذا الموضوع لم يحظ بالأهمية المطلوبة حتى بعد تفاقم ظاهرة الارهاب.
صحيح ان هناك صحوة في ضمير العديد من ابناء الدول الكبرى تجاه مسؤولية دولهم ونخبهم تجاه ما يجري من مآسي في العديد من دول العالم الثالث. لكن الصحيح ايضا ان هذه الصحوة ليست كافية. فتعدد المنظمات المدافعة عن حقوق الانسان في هذه الدول وتكثيف نشاطاتها في دول العالم الثالث لم يحدث التغيير المطلوب. فعلى الرغم من تصاعد شعبية هذه المنظمات بشكل كبير فان ما تمارسه من ضغوط سياسية واخلاقية على النخب الحاكمة فيها محدود للغاية.
فما تقوم به هذه النخب السياسية في هذه الدول في الوقت الحاضر لإرضاء هذه المنظمات والفئات الواسعة التي تتفق معها لم يتجاوز تبني قوانين عابرة للقارات وللدول تجرم ممارسات انتهاك حقوق الانسان. لكن هذه القوانين يعوزها الاجراءات التنفيذية والتطبيقية مما جعلها مجرد حبر على ورق ليس الا. وما تدعيه العديد من هذه الدول من اخذها بعين الاعتبار احترام حقوق الانسان اوانتهاكها عند تحديد استراتيجيتها وطرق تعاملها مع دول العالم الثالث ليس صادقا. وحتى ما ذهبت اليه البعض منها في هذا المجال مثل الاتفاقيات المنظمة لإنشاء محاكم اقليمية اوحتى دولية تختص بملاحقة ومحاكمة كل من يرتكب جرائم ضد الانسانية بما في ذلك رؤساء الدول والقيادات العليا فيها لم يطبق الا بصورة انتقائية.
وعلى الرغم من اهمية وايجابية مثل هذه الخطوات الا انها من وجهة نظري ليست كافية ولا يمكن ان تكون كافية. فقد تشعر المنظمات المهتمة بحقوق الانسان والفئات التي تتعاطف معها براحة الضمير. لكن ذلك ربما يكون مؤقتا.
ان القضاء على ظاهرة الارهاب وتجفيف منابعه يتطلب مساعدة دول العالم الثالث على تكوين ارادة شعبية فيها وعلى احترام هذه الارادة. في هذه الحالة يمكن توقع تراجع اواختفاء كل الممارسات التي تصادر حقوق الافراد في التعبير عن انفسهم وعن رغباتهم في جميع انحاء العالم.اذ انه لا يمكن ان يكون نصف العالم مستقراً ونصفه الاخر ليس كذلك. فالقيم الايجابية يجب ان تنتشر في كل مكان والا انحسرت وطغت عليها القيم السلبية.
ومن وجهة نظري فان ذلك لن يتحقق الا اذا تم الاعتراف بحق الافراد في تقرير مصيرهم على غرار الاعتراف بحق الشعوب والامم في تقرير مصيرهم. وبما ان الافراد لا يمكن ان يعيشوا في جزر منعزلة فانه لا بد من العمل معا على المواءمة بين حق الافراد في تقرير مصيرهم وحق مجتمعاتهم في تقرر مصيرها في وقت واحد. ان ذلك يتطلب مساعدة كل من الافراد والمجتمعات على الاعتراف المتبادل في حقوق كل منهما في وقت واحد. فلا معنى لحق الفرد في تقرير مصيره خارج اطاره الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وفي نفس الوقت فانه لا معنى لوطن حر بدون مواطنين احرار.
صحيح ان تحقيق ذلك يعد مسؤولية وطنية في المقام الأول ولكنها كذلك مسؤولية عالمية. فقد اثبتت الاحداث الاخيرة ان أية اضطرابات في اي مكان في العالم ستنعكس سلبا على بقية العالم. فالإرهاب لم تقتصر اثاره على دول معينة وانما امتدت بشكل أو باخري لتشمل كل دول العالم.
ان نقطة البداية في هذا الطريقة هي الاعتراف ان هذا العالم هوملك للإنسانية بأسرها بغض النظر عن ثقافتها اودينها اوعرقيتها اوالوانها. ان ذلك يعني ان عليها ان تتقاسم خيراتها ومسؤولية الحفاظ عليها بشكل مستدام وفقا لقواعد ومعاير عادلة. ومن اجل ذلك فان عليها ان تقبل التعايش مع بعضها. ومن اجل ذلك فان عليها ان تتحاور بحرية وعقلانية. ولا شك ان التحاور الحر سيفضي الى اتفاق مرض بين الجميع. وفي هذه الحالة فان الشرعية الدولية التي ستتولد عن اتفاق كهذا ستكون مختلفة عن الشرعية التي تتولد من خلال القوة. فالشرعية الاولى عادلة ومفيدة للجميع وسيكون من مصلحة الجميع احترامها. وبذلك فستكون قابلة للاستمرار اي ان تكون مستدامة. ولا شك ان ذلك افضل بكثير من الشرعية الدولية الحالية والتي تعبر فقط عن مقدار القوة. انها ليست عادلة لأنها تحابي بعض البشر على حساب البعض الآخر. انها غير قابلة للاستمرار لأنها مرتبطة بتوازن القوى المتغير باستمرار. انها غير مفيدة لان تكاليف الحفاظ عليها اوتغييرها مكلف جدا للعالم اجمع.
من المهم التنبيه ان ذلك يتطلب المواءمة بين دساتير الدول كلها. في هذه الحالة سيكون من الممكن تحقيق النوع الاول من الشرعية. ففي هذه الحالة يمكن الحديث عن امكانية انجاز دستور عالمي يساوي بين جميع البشر وفقا لمعاير طبيعية ومقبولة يدعم ويقوي ويحمي هذه الشرعية.فالدستور هومجموعة من القواعد القانونية التي يتوافق عليها الافراد المكونين لأي مجتمع لتحديد طريقة حكمهم. وبذلك فانه يمثل القواعد التي تحد من صلاحيات النخب السياسية الحاكمة وتوسع من حقوق المحكومين. تتركز هذه القواعد في المبادئ المقبولة في ممارسة السلطة وفي الهياكل المناسبة لممارسة السلطة وكذلك في واجبات الحاكمين والحقوق الاساسية للمحكومين.
لقد أثبتت التجارب الانسانية ان كل مجتمع من المجتمعات يحتاج الى مثل هذه القواعد اي الى دستور يحتويها ويحظى برضاء الافراد المكونين له. وقد أثبتت التجارب ان القواعد الاساسية المكونة لأي دستور هي قواعد عالمية اي انها لا تتأثر بالتنوع البشري سواء البيولوجي اوالاجتماعي اوالسياسي اوالاقتصادي اوالديني اوالقيمي. فقيمتا الحرية والعدل هما قيم انسانية.
ان احترام ارادة الشعوب سيفضي من وجهة نظري الى اتفاقها على كل من قيمة الحرية والعدل، واذا كان ذلك صحيحا فانه لا حاجة بل انه لا فائدة من السعي لا جبار الشعوب على تقبل كل من الحرية والعدل، لان ذلك ببساطة يتناقض مع حقيقة كل من الحرية والعدل، فالحرية في الاساس هوالقبول الطوعي والعدل في الاساس هوالتراضي ولا شك ان الاجبار يتناقض مع كل من القبول والتراضي.
هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فان فرض كل من الحرية والعدل مكلف، واذا كان من الممكن تخفيض الكلفة فان تحملها في هذه الحالة غير مبرر ويتناقض مع التصرفات العقلانية، فتحمل الكلفة غير الضرورية سيعمل حتماً على تشويه كل من الحرية والعدل حتى يتم تبرير تحمل الكلفة اصلاً، الا ترى ان الحروب تبرر لأن الذين يشنونونها يبررون ذلك بحماية المصالح الوطنية اوحماية الدين اوالحفاظ على السلم العالمي، ولا شك ان ذلك التبرير يحتوي على كذبة كبرى، الاسباب الحقيقية للحروب ليست كذلك وانما هي التكبر والظلم والتأهل والاستحواذ.
فتعدد الدين مفيد لا نه يؤدي للتنافس على الخير، لأنه لا يمكن القبول باي دين لا يحتوي على مقدار من الخير، فالدين الخير قد يتحول الى شر مطلق في حال عدم وجود منافس له، لكل منكم جعلنا وجهة هوموليها فاستبقوا الخير الى الله جميعاً، ان فرض دين حتى لوكان كاملا في الخيرة هوشر مطلق, ولذلك فانه لا مبرر للحروب من اجل فرض دين واقصاء آخر، فالتعايش الديني ضرورة من اجل الحفاظ على قيمتي الحرية والعدل.
التنوع الاجتماعي مفيد لأنه يوسع معنى العلاقات الاجتماعية وبالتالي الابعاد الانسانية، فما الجمال الا تنوع, فاذا كان الناس كلهم على نوع واحد فان الجمال سيفقد معناه حتى لوكان الناس على اجمل صورة انسانية ممكنة, فالتنوع الاجتماعي يعطي للإنسانية آفاقاً واسعة في الفن والثقافة والمتعة. فلا معنى للحرية ولا للعدل اذا ما تم اجبار المجتمعات على تبني علاقات محدودة واشكال واحدة, اذن فكراهية المختلف فقط لأنه كذلك سيؤدي الى كراهية الذات لأنها كذلك, وفي هذه الحالة فان الكراهية ستطغى. ولا يوجد انسان يحب العيش في ظل الكراهية أيا كان اسبابها ومبرراتها.
التنوع والتنافس الاقتصادي هوالمحرك الاول لتقليل التكاليف وتوسيع الخيارات, ولا شك انه لا معنى للرفاه الاقتصادي في ظل محدودية السلع وانحصار الخيارات, فالانفتاح الاقتصادي مفيد للجميع, وفي ظل قيمتي الحرية والعدل فلن يطغى اقتصاد على اقتصاد ولن تكون هناك مجتمعات فقيرة ومجتمعات غنية. فقط سيكون الكل اغنياء.
ان الالتزام بإرادة الشعوب يعني تمكين كل من قيمتي الحرية والعدل, فالشعوب ليس من مصلحتها ظلم بعضها البعض. والشعوب تدرك ان الحصول على كل من الحرية والعدل يعني بالضرورة احترام حق الآخرين بالحصول على الشيء ذاته, الشعوب دائما تعارض الحروب ولا تقبل بها حتى تأثير التضليل والتخويف, ففي حقيقة الامر لا توجد حروب مقدسة على الاطلاق, كتب عليكم القتال وهوكره لكم, فالحروب المقدسة هي كذلك لأنها كانت نتيجة لردع العدوان, فإذا ما انتهى العدوان فإن الحروب تصبح رجساً وجريمة وغير اخلاقية وغير مبررة.
في ظل اتساع دائرة الحرية ودائرة العدل لتشمل الناس جميعا والاماكن جميعا فلن يكون هناك مكان للإرهاب ولا تبرير له ولا بيئة حاضنه له, بل انه سيكون من المستحيل استغلال عواطف الناس البسطاء مثل منع الظلم وحماية الأمة والثروة والسيادة والاستقلالية وغيرها لتغرير به لارتكاب أية اعمال ارهابية لأن كل هذه الامور وغيرها ستكون متوفرة للجميع ومحمية من قبل الجميع.