الخميس 20-09-2018 11:22:04 ص : 10 - محرم - 1440 هـ
التلبيس والتدليس بين الشريعة والقانون
بقلم/ كاتب/أحمد الحبيشي
نشر منذ: 7 سنوات و 11 شهراً و 26 يوماً
الخميس 23 سبتمبر-أيلول 2010 08:31 ص

تناولنا في الحلقات الماضية بعض الاتجاهات الرئيسة للخطاب السياسي والإعلامي الرجعي خلال سنوات الحرب التي شنتها بقايا القوى الملكية ضد الثورة ونظامها الجمهوري بهدف إسقاطها والقضاء على مبادئها وأهدافها، وعرقلة مشروع بناء الدولة الوطنية الحديثة بهدي المبادئ الستة للثورة اليمنية، حيث سعت القوى الامامية المعادية للثورة والجمهورية إلى إضفاء طابع ديني على خطابها السياسي والإعلامي الذي انطوى على تكفير النظام الجمهوري الجديد، واتهام المبادئ الستة للثورة بالانقلاب على (حاكمية الله) والسعي إلى تعطيل الشريعة الإسلامية واستبدالها بالدستور والقوانين الوضعية والمواثيق والاتفاقيات الدولية بحسب مزاعم ذلك الخطاب بعد ان أوضحنا جذوره في الفكر السلفي الذي تسابق كبار فقهاؤه وشيوخه على الإشادة بتجربة إمارة "طالبان" عندما أعلنت رفضها الالتزام بالقوانين والتشريعات والمواثيق الدولية، بدعوى أنها مخالفة للشريعة الإسلامية، وتساوي بين دولة الإسلام ودولة الكفر، وتُعطِّل الاجتهاد من أجل أن يكون الدين كله لله والحكم بما أنزل الله.
وما من شك في أن الحرب المعادية للثورة والجمهورية التي استمرت طوال الفترة 1962 – 1970م، ومهدت بعد ذلك لسنوات أخرى من الركود، أسهمت في عرقلة مسيرة بناء الدولة الوطنية الحديثة وتجويفها، على الرغم من المكاسب التي تحققت خلال تلك الفترة في مجال وضع أسس دستورية وقانونية واقتصادية واجتماعية وثقافية للدولة الجديدة، وإخراج اليمن من عزلته عن العالم، وتعزيز انتمائه إلى المجتمع الدولي الحديث من خلال توقيع الحكومات اليمنية المتعاقبة التي تشكلت بعد الثورة على عدد من المعاهدات والاتفاقيات والمواثيق الدولية، وتأكيد التزامها بها تنفيذا للهدف السادس للثورة اليمنية، فيما تميزت الحقبة الثورية الجديدة بعد وصول الرئيس علي عبدالله صالح إلى السلطة عام 1978م بتحولات جذرية وعميقة في السياسات الداخلية والخارجية لليمن الجديد، وبالفعالية والإنجاز في عملية بناء الدولة الوطنية الحديثة والمجتمع الديمقراطي تطبيقا لما تضمنته الأهداف الستة للثورة.
في هذا السياق دشن يوم الثاني والعشرين من مايو 1990 بداية عهد تاريخي جديد في مسار الحركة الوطنية المعاصرة للشعب اليمني، إذ جاء الإعلان عن قيام الجمهورية اليمنية في ذلك اليوم المجيد ليضفي على حقبة الرئيس علي عبدالله صالح ومشروعه الوطني الثوري أبعادا جديدة لجهة إزالة رواسب التجزئة والتشطير والتوترات والحروب الداخلية التي تركت ظلالا ثقيلة على شكل ومضمون الحراك السياسي والاقتصادي والفكري للثورة والدولة. وزاد من أهمية توحيد الوطن سلميا، ارتباطه بدستور دولة الوحدة الذي يعود إليه الفضل في ولادة أول نظام سياسي ديمقراطي تعددي يتيح ظروفا أفضل لتشكيل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وإطلاق الحريات السياسية والإعلامية وإقرار مبدأ سيادة الأمة وحقها في انتخاب هيئات السلطة بواسطة الاقتراع الحر والمباشر، على طريق تطبيق مبدأ التداول السلمي للحكم.
وقد تعرض دستور دولة الوحدة لهجوم مسعور من قبل الاخوان المسلمين والحركة الصحوية السلفية أعاد إنتاج مضامين الخطاب السياسي والإعلامي للقوى الرجعية التي شنت حربا ضروسا ضد النظام الجمهوري بعد قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م، بذريعة أنه يقوم على دستور مخالف للشريعة الاسلامية ولا يحكم بما أنزل الله. ومن نافل القول إن شيوخ الحرس الكهنوتي القديم في حزب التجمع اليمني للإصلاح الذي يقود حاليا أحزاب المعارضة المنضوية ضمن إطار تكتل (اللقاء المشترك) كانوا قد تصدروا الحملة على دستور دولة الوحدة ومقاطعة الاستفتاء عليه بعد أن لجأوا إلى التدليس من خلال رفع شعارات تتضمن آيات من القرآن الكريم لتبرير معارضتهم المسعورة لدستور دولة الوحدة ومقاطعة الاستفتاء عليه، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: «يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا»(النساء 60).. «وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ» (المائدة 44).
ومما له دلالة أن الحملة الرجعية المعادية لدستور دولة الوحدة في العام الأول من عمر الوحدة الوليدة، أعادت إنتاج مضامين الخطاب السياسي والإعلامي للحملة التي شنتها القوى الملكية المعادية للثورة اليمنية والنظام الجمهوري ضد الدستور المؤقت والدستور الدائم للنظام الجمهوري في العام الأول من عمر الثورة، حيث عادت من جديد الأصوات التي تصف الدستور والقوانين التي أعدتها لجان الوحدة بالطاغوت الذي يحكم بغير ما أنزل الله، ومنها من تجاوز ذلك إلى وصف الدستور بالكفر والمروق عن الدين والشريعة!!
وبوسعنا القول إن ثمة تجاذبات حدثت بين تيارين رئيسيين بعد حرب 1994م المشؤومة بشأن التعديلات الدستورية الواجب إدخالها على دستور دولة الوحدة بعد إنهاء الفترة الانتقالية، حيث حرص المؤتمر الشعبي العام بقيادة الرئيس علي عبدالله صالح على تحديد المضمون الرئيسي للتعديلات الدستورية باتجاه تحديد شكل الرئاسة، وتعريف ضمانات التعددية الحزبية والتداول السلمي للسلطة، وتأكيد الحرية الاقتصادية وحقوق الإنسان والالتزام بالمواثيق والتشريعات والنصوص القانونية الدولية التي تضمن حقوق الانسان والمواطنة المتساوية وتناهض مختلف أشكال التمييز ضد المرأة. وقياسا على معارضة الحرس القديم في حزب (الإصلاح) لدستور دولة الوحدة ومقاطعة الاستفتاء عليه، فقد تمكن هذا الحزب من تحقيق جزء بسيط من أهدافه الحزبية المعلنة في تعديل المادة الثالثة التي أصبحت تعتبر الشريعة الإسلامية مصدرا وحيدا للتشريعات، بالإضافة إلى نجاحه النسبي في تعويم النصوص الدستورية الخاصة بحقوق النساء المدنية والسياسية، بيد أنه لم يتمكن من تعديل معظم النصوص التي طالب بتعديلها أثناء مقاطعة الاستفتاء على دستور دولة الوحدة، وفي مقدمتها المادة السادسة التي تنص على الالتزام بالمواثيق الدولية وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يراه (الأخوان المسلمون) في حزب التجمع اليمني للإصلاح نزوعا للتغريب وتعطيلا للشريعة، بالإضافة إلى معارضتهم الأيديولوجية الدوغمائية لأي نص دستوري يؤكد على الالتزام بالقانون الدولي والتشريعات والمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي أقرها المجتمع الدولي، ووقعت عليها الدولتان الشطريتان قبل الوحدة، وتعد وفقا للقانون الدولي العام جزءا من التزامات الجمهورية اليمنية، وأساسا لشرعيتها الوطنية والدولية بعد ذوبان الشخصية الوطنية والدولية لكل من الدولتين الشطريتين السابقتين في دولة واحدة وموحدة اعترفت بها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1990م. وكانت الدولتان الشطريتان السابقتان للوحدة وقعتا بشكل متفاوت على (51) معاهدة واتفاقية ونصوصا تشريعية دولية حتى عام 1990م..
واللافت للنظر أن الحكومة اليمنية لم توقع على أيّة اتفاقيات وتشريعات دولية جديدة في ظل الائتلاف الثنائي بين المؤتمر والإصلاح في الفترة 1994 – 1997، على الرغم من أن المجتمع الدولي أقرها آنذاك، فيما وقعت حكومة المؤتمر الشعبي على خمس اتفاقيات دولية خلال الفترة 1998 – 2000م، ثلاث منها كان يفترض التوقيع عليها خلال فترة الائتلاف 1995 – 1997م بين المؤتمر الشعبي العام وحزب التجمع اليمني للاصلاح، حيث أدى وجود حزب (الإصلاح) في حكومة الائتلاف الثالث بعد الوحدة إلى عرقلة التصديق على هذه الاتفاقيات بسبب موقف الصحويين والأخوان المسلمين المناهض للاتفاقيات والقوانين الوضعية بذريعة مخالفتها للشريعة وأحتكامها للطاغوت!! والمعروف أن معارضة التيارات السلفية والجهادية والاخوانية للتشريعات والاتفاقيات الدولية تنطلق من فكرة (حاكمية الشريعة) التي لا تعترف بحق الشعوب والأمم والحكومات والهيئات المنتخبة في ممارسة سلطة التشريع من خلال نظام سياسي تتجسد فيه شورى أولي الأمر، حيث تحصر التيارات الاسلاموية هذا الحق على نخبة من الفقهاء المقلدين الذين يحق لهم وحدهم حراسة حاكمية الله وتقنينها في أحكام وفتاوى شرعية، على غرار ما كان يفعله رجال الدين في الأكليروس المسيحي قبل ظهور عصر النهضة والاكتشافات العلمية والثورة الصناعية استنادا إلى فكرة التفويض الإلهي التي قوضها المجتمع المدني الحديث وأحل محلها مبدأ سلطة الأمة المنتخبة. ويتوجب القول إن الإقرار الدستوري بمرجعية الشريعة الإسلامية للقوانين، لا يتعارض مع المنهج الفكري للمؤتمر الشعبي العام الذي يقوده الرئيس علي عبدالله صالح، ولا يشكل مكسبا سياسيا حقيقيا لجماعة الاخوان المسلمين وشيوخ الحركة الصحوية السلفية في حزب التجمع اليمني للإصلاح.. لأن المادة الدستورية الثالثة الجديدة لا تُلزم السلطة التشريعية بتأويل أيديولوجي أو مذهبي محدد للشريعة، على غرار ما تنادي به بعض التيارات المتشددة. فسماحة الإسلام وسعة أفقه وقدرته على مواكبة تحولات التاريخ والعصر والحضارة الإنسانية، تتيح للعقل الجماعي المسلم في الهيئات التشريعية الشوروية المنتخبة، استنباط ووضع التشريعات والقوانين بهدي الشريعة الإسلامية ومقاصدها النبيلة وقيمها الانسانية العليا، وبدون الانغلاق في أطر التأويلات المذهبية الملكية للنصوص الدينية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تمسك المؤتمر الشعبي العام بالنص الدستوري الخاص بالالتزام بميثاق الأمم المتحدة والمواثيق الدولية التي وقعت عليها بلادنا قبل الوحدة وبعدها وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يُعيد تعريف النصوص الدستورية الخاصة بالحقوق المدنية التي نجح التجمع اليمني للإصلاح في تعويمها أثناء التعديلات الدستورية والقانونية التي جرت أثناء مشاركته في السلطة بعد حرب صيف 1994 المشؤومة، ما يجعل نجاحه في تلك التعديلات الدستورية غير ذي معنى! والحال إن الفقه الملكي بشقيه السني والشيعي ينطوي على موضوعات مرتبكة وملتبسة تقوم على التمييز بين الشريعة والقانون، من خلال وصف (القانون) بالطاغوت الذي يحكم بغير ما أنزل الله، الأمر الذي يستدعي تحليل الاختلاف الموجود بين (القانون) وبين (الطاغوت)، وصولا إلى بيان ما قصده القرآن الكريم بغير ما أنزل الله، وهو ما يستوجب بالضرورة مقاربة الأسباب التي ساعدت على توصيف ثنائية (القانون والشريعة) بما هو منهي عنه في القرآن، وصولا إلى البحث عن الوسائل التي تساعد على فك الارتباط بين هذه الثنائية والفهم الصحيح لاصطلاح (القانون) واصطلاح (الشريعة).
وقد سبق لنا القول في حلقة سابقة أن الأصوليين اتفقوا باختلاف مذاهبهم السنية والشيعية على وصف الأحكام الاجتهادية للفقهاء بأنها ظنية، حيث من النادر جدا الاتفاق على تفسير واحد للنصوص الدينية، لكن ما حدث لاحقا هو تكييف وتوصيف آراء ووجهات نظر (بعض الفقهاء المجتهدين والمقلدين) وكأنها أحكام أنزلها الله في الأزل، وكل ما فعله المجتهدون والمقلدون هو الكشف عنها، وإعلانها بحسب ما تقوله طائفة المخطئة من الأصوليين، أو أن حكم الله تابع لحكم (الفقيه المجتهد) بحسب قول طائفة المُصوِّبة. ومما له دلالة أن معارضي (القانون الوضعي) من الاخوان المسلمين والصحويين السلفيين وبضمنهم الحرس الكهنوتي القديم لحزب التجمع اليمني للإصلاح يختزلون موقفهم منه في الزعم بأن أحكام الشريعة هي تنزيل من الله، أما القانون الوضعي فهو من صنع البشر. الأمر الذي يقود إلى فهم خاطئ لإصطلاح (أحكام الشريعة) التي تنقسم بين أحكام نصية قطعية وأحكام ظنية اجتهادية، حيث تتمثل أحكام النصوص القطعية في آيات قرآنية محدودة جدًا، وتتناول أحكاما تفصيلية بصيغة لا تحتمل إلا دلالة واحدة، كالآيات التي حددت أصول وقواعد الزواج والميراث والمحارم وموانع الزواج وإنهاء العلاقة الزوجية، أما الأحكام الاجتهادية، فهي التي تم استنباطها من نصوص ظنية الثبوت كأخبار وروايات الأحاد، أو متشابهات غير محكمات وظنية الدلالة وهي محدودة أيضا ولا تعتبر أم الكتاب الذي أنزله الله، أو نصوص إجمالية ومبادئ كلية، تأمر بالعدل والمعروف واليسر وأداء الأمانة والامتناع عن أكل أموال الناس بالباطل، أو تنهي عن أضدادها، وإلى هذه النصوص الإجمالية ترجع غالبية الأحكام والتشريعات المنظمة لحياة المجتمع ومصالح الناس والعَلاقات بين الأفراد.
والثابت ان الفقه الاسلامي يعتبر الروايات المنسوبة الى آراء وممارسات الصحابة بمختلف اتجاهاتهم المتناحرة والمتناقضة أحد مصادر الشريعة التي لا يجوز مخالفتها، بالاضافة الى آراء وأقوال ائمة المذاهب السنية والشيعية والأحكام الاجتهادية للفقهاء المقلدين، التي يعتبرها الفقه الملكي جزءا ً مما أنزل الله، وفي الحالين لا يصل الفقيه المجتهد إلى أكثر من الظن بصحة التفسير الذي قال به لأنه يستند إلى نصوص ظنية تحتمل أكثر من دلالة، أو إلى مقاصد ومبادئ الشريعة، وهو ما يؤكده تعدد آراء ووجهات نظر الفقهاء الأسلاف والمعاصرين واختلافها في غالبية الأحكام الاجتهادية الواردة في أبواب الفقه، ومنها على سبيل المثال لا الحصر العقود المختلفة والضمان والحضانة والرشد والنيابة الشرعية والإثبات بالشهادة، الأمر الذي يجعل من الصعب على العقل تصديق أن تكون هذه الآراء الفقهية على اختلافها وقصورها بل وتناقضها في بعض الأحيان هي مما أنزل الله، بينما يمكن القول إنها من (وضع البشر) أو (وضع الأمة) التي تناولتها بالقبول والرغبة في التغيير والتطوير وفق ظروف وخصائص المكان والزمان والمصالح المتغيرة والمتجددة.
ومن المفارقات المثيرة للتأمل أن الاجتهادات الفقهية لم تكن تعرف في أزمنة الفقهاء الأسلاف مفهوم (الشخص المعنوي) الذي ظهر حديثا، حيث تحدث الفقهاء آنذاك عن شركات المفاوضة والعنان والأبدان والوجوه بمعنى المشاركة أو الاشتراك. فقد أجاز الإمام أبو حنيفة كل هذه المشاركات بينما منعها الشافعي باستثناء شركة الضمان، أما مالك فقد منع شركة الوجوه وأجاز الباقي الذي أجازه أبو حنيفة ومنعه الشافعي (أنظر القوانين الفقهية لابن جزي ص 209).
وعليه فإن القول بأن الأحكام الاجتهادية التي وضعها الفقهاء الأسلاف وائمة مذاهب أهل السنة والشيعة هي الشريعة التي أنزلها الله وأمرنا بالاحتكام إليها، يبدو مرتبكا وهشَّا ً أمام التعارض الواضح في آراء أولئك الأئمة والفقهاء المجتهدين، كما يبدو هذا القول جامداً أمام حاجتنا المستمرة لتعديل تلك الآراء الاجتهادية وتغييرها بمقتضى التحديات والمتغيرات والضرورات الاقتصادية والاجتماعية والحضارية، وهو ما ينفي القول بأن تلك الآراء والأحكام الاجتهادية مما أنزل الله، لأن الإنسان لا يمكن أن يتطاول على تغيير حكم الله.
وحين يتعذر تغيير تشريعات الفقهاء الأسلاف والمقلدين، ووضع قوانين وتشريعات جديدة بذريعة عدم مخالفة ما أنزل الله، ستكون بلادنا وكل البلدان الاسلامية ملزمة بحصر نشاطها الاقتصادي في أنواع الاشتراك التي أجازها المذهب الذي ينتمي إليه كل بلد بحجة أنها مما أنزل الله، وعدم الأخذ بأي من قوانين تنظيم الشركات والمؤسسات الخاصة والعامة التي يُعمل بها اليوم في اليمن وكل العالم الإسلامي، وتشكل عصب الاقتصاد العالمي بذريعة أنها من القوانين الوضعية التي تخالف حكم الله وتحتكم الى الطاغوت، ولعل ذلك يفسر إصرار شيوخ الحرس الكهنوتي القديم في حزب (الإصلاح) على معارضة القوانين التي أقرتها السلطة التشريعية المنتخبة وأصدرها الرئيس علي عبدالله صالح، والمطالبة بالغائها على نحو ما جاء في بيان الداعين الى تأسيس (هيئة الأمر والنهي) سيئة الصيت عام 2008م،وبيان المعارضين لاصدار تشريعات قانونية تحدد سن الزواج وتمنع تزويج الصغيرة ومفاخذة الرضيعة، بذريعة أنها قوانين وتشريعات وضعية تخالف فهمهم الجامد والضيق والمتحجر للشريعة الإسلامية. وهو ما يشير الى أن أحكام الشريعة لم تأت مفصلة وموزعة بين قائمة للمباحات وأخرى للمحرمات وثالثة للممنوعات ورابعة للمكروهات، وإنما جاءت أحكامها في صيغ قابلة للتفسير بأكثر من دلالة واحدة وبمبادئ وقيم إنسانية عامة يهتدي بها المسلمون في تنظيم شؤون حياتهم، و تنطوي على الأمانة والمسؤولية في عمارة الأرض، وما يترتب على ذلك من تكليف دائم ومتجدد بوضع وصياغة التشريعات والأحكام اللازمة لتنظيم حياة الناس و مراجعتها باستمرار. مع مراعاة العمل بمبدأ تحقيق المصالح ودرء المفاسد وعدم التصادم مع مقاصد وقيم ومبادئ الشريعة الإسلامية، على نحو ما عبر عنه ابن عقيل الحنبلي بقوله: (ما كان فعلا أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد يكون معه الناس، وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به وحي) (راجع الطرق الحكمية لابن القيم ص 13)، وكذلك ما عبر عنه العز بن عبدالسلام في كتابه (قواعد الأحكام، الجزء الأول ص 4 و8) بقوله إن: «مصالح الدنيا ومفاسدها وتفاوتها تعرف بالعقل وتدرك بالضرورات والتجارب، فإن خفي شيء من ذلك طلب أدلته، ومن أراد أن يعرف المتناسبات والمصالح والمفاسد، راجحها ومرجوحها، فليعرض ذلك على عقله بتقدير أن الشرع لم يرد به ثم يبنى عليه الأحكام، فلا يكاد حكم منها يخرج عن ذلك إلا ما تعبد الله به عباده ولم يوفقهم على مصلحته أو مفسدته».
وتأسيسا على ما تقدم يمكن القول إن أحكام الشريعة وضعت لتحقيق مصالح العباد وإبعادهم عن الفساد، حيث يتوخى (الفقيه المجتهد) تحقيق هذا الهدف في أحكامه (الاجتهادية) التي يستنبطها سواء من تفسير النص الذي يحتمل أكثر من دلالة أو الترجيح بين النصوص، وهي الغاية ذاتها التي يتوخى تحقيقها المشرعون المجتهدون في الهيئات التشريعية المنتخبة تطبيقا لما أنزل الله في القرآن الكريم «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ» (الشورى 38).حيث يقترح هؤلاء المشرعون وضع مشاريع القوانين ويدافعون عمَّا في هذه المشاريع من مصالح عامة أو علاج لمشاكل يترتب على وجودها واستمرارها ضرر أو حيف، الأمر الذي يوضح حدود الاختلاف بين مفهوم الصلاح والفساد في الشريعة التي تعنى بالإنسان في حياته ومماته، وبين القانون الذي لا يهتم إلا بتنظيم علاقات التعايش والمعاملات التي يحتاجها الناس، ولا شأن له بالغيب والمصير بعد الموت. ولئن درج شيوخ الحرس القديم في حزب (الاصلاح) مؤخرا على إصدار بيانات سياسية تحت مسمى «العلماء»، يطالبون فيها الرئيس علي عبدالله صالح بالغاء القوانين الوضعية التي أصدرتها السلطة التشريعية المنتخبة في إطار تقنين أحكام الشريعة الاسلامية وتحويلها الى نصوص قانونية مدنية تنظم المعاملات الشرعية والبنوك والمصارف والشركات التجارية العامة والخاصة واالبريد والاتصالات والكهرباء والمياه والملاحة والموانئ والمطارات والجامعات والتعليم العام والعام والفني والطيران والأحوال المدنية والسجل المدني وصناعات النفط والغاز والمشروبات والمواد الغذائية والاستثمار والخدمات الصحية ومكافحة جرائم الفساد والارهاب، ومنع تزويج الطفلة الصغيرة وتجريم مفاخذة الطفلة الرضيعة، بحجة ان هذه القوانين الوضعية تخالف الشريعة التي يجهلها ولا يفهمها أعضاء مجلس النواب، فإن القول بعدم فهم الشريعة من قبل نواب الشعب المنتخبين يفتقر الى الموضوعية، لأن ما يميز القوانين الوضعية هو خضوعها لمناقشات ومداولات واسعة تستهدف تحقيق المصالح ودرء المفاسد، ويشارك فيها علماء وخبراء متخصصون في مختلف العلوم والتخصصات المعرفية بصورة علنية، وهو ما يجعل تعارض مقترحاتهم وتصوراتهم مع أحكام الشريعة أمرا مستبعدا ً.
وقد أنكر عدد كبير من المفكرين والفقهاء قديما حصر فهم أصول الدين وعلومه في نطاق فكرة الاجتهاد والتقليد، واستدلوا بنصوص القرآن الكريم التي تقرر المسؤولية الفردية عن السلوك الشخصي «وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا» (الإسراء 13 و 14)، كما يقرر القرآن الكريم اشتراك الجميع في تدبير وتقنين وتنظيم الشؤون العامة للمجتمع «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ» (الشورى 38).
وإذا كان تحقيق المصالح ودرء المفاسد يعد هدفا مشتركا لكل من الأحكام الاجتهادية التي يضعها (الفقهاء المجتهدون والمقلدون) أو القوانين الوضعية التي يقترحها المشرعون المختصون وتقرها الهيئات التشريعية المنتخبة، فإن الوسيلة المشتركة لتحقيق هذا الهدف هي العقل، حيث لا وجود في الشريعة لقائمة خاصة بالمصالح وأخرى بالمفاسد تشمل جميع وقائع الحياة ومتغيراتها في كل زمان ومكان، وإنما هناك نصوص تتضمن قيما عليا ومبادئ عامة لا سبيل لتطبيقها إلا باستعمال العقل والتجربة، فالله حين يأمر بالعدل وينهى عن الظلم ويُحرِّم أكل أموال الناس بالباطل، فإن تطبيق هذا الأمر والنهي والتحريم غير ممكن بدون استخدام العقل والتجربة لصياغة أنظمة الدولة وتنظيم القضاء وبناء المؤسسات الاقتصادية ووضع قوانين العمل والملكية والضرائب وتشريعات التجارة والمعاملات المالية التي تسهم في تحقيق العدل، وتمنع أكل أموال الناس بالباطل، ولا تجيز إجبار الناس على الطاعة والخضوع للحكام الظلمة الذين يجلدون ظهورهم وينتهكون حقوقهم وينهبون أموالهم، بذريعة ان الشريعة الاسلامية توجب هذه الطاعة بحسب مزاعم رجال الدين السلفيين الذين يسمون أنفسهم (أتباع مدرسة أهل الحديث)!!
ويبقى القول أن الآراء والأحكام الفقهية الاجتهادية تتأسس دائما على الظن الذي نهى الله في القرآن الكريم عن اتباعه، وتتأثر بملابسات وظروف الواقع حتى يتغير حال صاحب الرأي نفسه، لأن الأحكام تدور مع علتها وجودا وعدما، بحسب قول الإمام أبي حامد الغزالي في كتابه (المستصفى الجزء الثاني ص 376)، وهذا ما يستلزم مراجعتها باستمرار بحثا عن قوة السند في الواقع المتغير الذي تتأسس عليه الأحكام والقوانين والتشريعات، بدلا من نقل السند عن روايات الوضَّاعين الأحاد وآراء الفقهاء القدامى التي تم وضعها في واقع تجاوزته العصور والأزمنة والأمكنة.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
صحفي/ طاهر العبسي
مهما تآمرتم وصعدتم ستهزمون!!
صحفي/ طاهر العبسي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
حمير العزكي
غريفيتس و الحديدة
حمير العزكي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
استاذ/ عباس الديلمي
من شواهد أنهم لا يقرأون (2)
استاذ/ عباس الديلمي
مقالات
استاذ/عباس الديلميقبة الشبزي شاهد تسامح
استاذ/عباس الديلمي
كاتب/عبد العزيز الهياجمسبتمبر.. عقيدة وجهاد
كاتب/عبد العزيز الهياجم
مشاهدة المزيد