الأربعاء 14-11-2018 04:11:04 ص : 6 - ربيع الأول - 1440 هـ
الدولة الحديثة رافعة حضارية لحقوق الانسان في أوقات الحرب والسلم
بقلم/ كاتب/أحمد الحبيشي
نشر منذ: 8 سنوات و شهرين و 25 يوماً
الخميس 19 أغسطس-آب 2010 11:56 ص
أوضحنا في الحلقة الماضية جانباً من المصاعب التي تعرضت لها تجربة الرئيس علي عبدالله صالح في مجال بناء دولة وطنية حديثة على أسس دستورية وقانونية بسبب مقاومة القوى التقليدية التي تمثل بقايا أشكال ما قبل الدولة بالتحالف الوثيق مع الجماعات الدينية التي تتوق الى إحياء الدور الكهنوتي لرجال الدين، على نحو ماجاء في بيان الداعين الى تأسيس (هيئة الأمر والنهي) سيئة الصيت في عام 2008م، والبيان الصادر عن بعض رجال الدين الذين يطالبون بإباحة تزويج الصغيرة ومفاخذة الرضيعة في عام 2010م.  ويشير تشابه عناوين الخطاب السلفي العام في اليمن مع (خطاب المطالب) و(مذكرة النصيحة) وغيرها من المذكرات المتوالية التي دأب شيوخ الحركة الصحوية السلفية وتنظيم «القاعدة» في اليمن والسعودية على رفعها إلى حكومتي هذين البلدين الشقيقين، الى إسراف الخطاب الصحوي السلفي في الحديث عن انتشار الرذيلة والفجور في اليمن والسعودية بسبب عمل المرأة وتزايد عدد الكفار الأجانب الذين يزورون اليمن وجزيرة العرب لنشرالفسوق والتبشير بالمسيحية تحت مسمى السياحة، كما تحذر مذكرات الفقهاء السياسيين في الوقت نفسه من (إقامة المهرجانات الغنائية والموسيقية والسياحية) في اليمن والسعودية، وتدعو أيضا إلى (منع المرأة من الخروج للعمل و التسوق)، كما أنها تطالب أيضا بوقف بث الأغاني والموسيقى ومنع ظهور المذيعات في التلفزيون اليمني والسعودي وحظر عرض الأفلام التي يظهر فيها رجال ونساء، ومعاقبة الصحف والمجلات والكتابات التي تخالف من يسمونهم (العلماء) وتستهزئ بأفكار (ورثة الأنبياء)، كما تشدد تلك المذكرات على ضرورة وقف العمل بما تسميه القوانين الوضعية والقانون الدولي والمعاهدات الدولية،وخضوع الحكام لرأي رجال الدين في كل مشكلة، وعرض كافة القوانين والسياسات عليهم للحصول على موافقتهم قبل إصدارها وتطبيقها!!!. وبوسع كل من يقرأ الفتوى التي أصدرها الشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي وهو واحد من كبار الآباء الروحيين لشيوخ لحركة الصحوية السلفية في اليمن والجزيرة العربية والخليج، بتاريخ 2/9/1421ه الموافق 28 نوفمبر 2000م، أن يتعرف على الموقف الحقيقي للسلفيين من خطر التطرف والارهاب اللذين يمهدان التربة لتطبيق المشروع السياسي والايديولوجي لتنظيم (القاعدة) وحاكمية (طالبان)، حيث يقول الشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي الذي توفاه الله قبل خمس سنوات إن تقييم الدول والحكم عليها بالشرعية وعدمها يتوقف على (شروط شرعية) حددها في فتوى شهيرة أصدرها الشيخ الشعيبي رحمه الله في عام 2002 م قبل عام واحد من سقوط نظام حكم (طالبان) على النحو التالي: (أولاً: تحكيمها لكتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في جميع المرافق، وفي القضاء وفي غيره من مجالات الحياة. ثانياً: كما أن من أهم مقومات الامارة الاسلامية وجود الأرض التي يتم عليها اقامة حكم الله وتطبيق الشريعة الاسلامية ومعلوم أن حكومة طالبان تسيطر على 95% من أراضي الأفغان. ثالثاً: أن تكون علاقاتها وارتباطاتها بالدول الأخرى قائمة على تعاليم الدين الحنيف، ودولة طالبان في أفغانستان متحققة فيها هذه الأمور، فهي الدولة الوحيدة في العالم التي لا تلتزم بالقوانين الوضعية ولا يوجد فيها محاكم قانونية وإنما حكمها قائم على شرع الله ورسوله في المساجد ومجالس العلماء (يقصد رجال الدين) والوزارات وفي الدوائر وفي المؤسسات، أما ما عداها من الدول الإسلامية فمنها من تحكم بالقوانين الوضعية الصرفة ومنها من تدعي تطبيق حكم الله ورسوله مع ما يوجد فيها من محاكم قانونية صرفة، وحتى المحاكم الشرعية في مثل هذه الدول يكون معظم أحكامها قائما على التنظيمات والتعليمات التي من وضع البشر، فلا فرق بينها وبين القوانين الوضعية إلا بالاسم، ومن الأدلة على أن حكومة طالبان حكومة شرعية كون الدول الكافرة عدوة الإسلام والمسلمين تعاديها وتفرض عليها الحصار الاقتصادي وتقاطعها وتضيق عليها الخناق بسبب انتمائها الديني الإسلامي ليس إلا، ولا يقدح في شرعية حكومة طالبان كون الدول الكافرة لم تعترف بها كدولة وحكومة (يقصد كافة الدول العربية والاسلامية وبقية الدول الاعضاء في الأمم المتحدة). ويمضي الشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي في فتواه قائلاً: (حيث قد علم أن حكومة طالبان حكومة شرعية قد توافرت لها مقومات الدولة كما سبق غير أنها تحتاج إلى الدعم المالي لقلة مواردها المالية فنهيب بإخواننا المسلمين أن يقوموا بدعمها ماديا وتأييدها إعلاميا لأن أعداء الإسلام وعملاءهم لبسوا على كثير من الناس وضللوهم فالتبس عليهم الأمر فيما يتعلق بحقيقة هذه الدولة المسلمة، وهي ما دامت في حرب مع معارضيها فإن الجهاد معها مشروع لأن الجهاد معها ضد معارضيها الذين تدعمهم قوى الكفر كأمريكا وبريطانيا وروسيا والذين ينادون بان تكون الدولة في أفغانستان قائمة على نظام الحكم في الغرب، فإذا كان الأمر كذلك فإنه يجب دعم دولة طالبان والجهاد معها من باب نصرة الإسلام والتعاون على البر والتقوى، قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه)، ومن اعظم ما امتازت به حكومة طالبان المسلمة: 1 - اهتمامها بمناصرة المجاهدين في سبيل الله ومن أجل أن يكون الدين كله لله في كل ديار الأرض، والذب عنهم وهذا مشهود لهذه الدولة. 2 - أنه لا يوجد فيها إعلام محرم مخالف للشريعة. 3 - أنها جادة وصادقة في إقامة الشعائر الإسلامية من إقامة الحدود وتتبع المنكرات الظاهرة والمعاقبة عليها وأسلمة التعليم والإعلام. 4 - أنها الدولة الوحيدة التي تسير في قضايا المرأة على مقتضى الشريعة الاسلامية، لا على نهج العلمانيين الذين يدفعون المرأة إلى التبرج والسفور والعمل والتعليم خارج البيت ومخالطة الرجال وقيادة السيارة ونحو ذلك. 5 - أنها الدولة الوحيدة التي بها وزارة مستقلة باسم وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 6 انها الدولة الوحيدة التي لاتعترف بما يسمى القانون الدولي وغيره من المواثيق الدولية التي تتساوى فيها دولة الاسلام مع دول الكفر. وفي الختام.. ندعو لحكومة طالبان بالتوفيق والهداية ونهيب بهم الثبات على هذه الميزات الإسلامية العظيمة وعلى التمسك بالكتاب والسنة ونهج السلف الصالح.. وألا يكترثوا لضغوط الدول الكافرة وغيرها، قال تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب)،وقال تعالى (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرى) وقال تعالى (والعاقبة للمتقين)، ولهم أسوة بالرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه حيث حاصرهم الكفار في الشعب في محاولة لصدهم عن هذا الدين وكانت العاقبة للمتقين .كما نهيب بالدول الإسلامية حذو طريقة طالبان في تحكيم الشريعة بجميع مناحي الحياة في القضاء والإعلام والاقتصاد والسياسة الداخلية والخارجية وقضايا المرأة والتعليم وألا يقلدوا الغرب في انحرافاته وضلالاته).. انتهت الفتوى. مما له دلالة أن يحظى موقف إمارة (طالبان) الرافض للإعتراف بالقانون الدولي العام والانساني بمباركة الشيخ حمود الشعيبي وشيوخ الحركة الصحوية السلفية في اليمن والسعودية، وهو ما يتسق مع الخطاب السلفي العام لجهة رفضه الاعتراف بالقانون الدولي والمعاهدات الدولية واتهام الدول والحكومات الاسلامية التي تلتزم بميثاق الامم المتحدة والمعاهدات والاتفاقيات الدولية بالخروج عن الشريعة الاسلامية، الأمر الذي يفسر عزلة نظام (طالبان) عن المجتمع الدولي نتيجة عدم اعترافه بميثاق الامم المتحدة ورفضه الالتزام بالقانون الدولي وغير ذلك من المعاهدات والاتفاقيات الدولية، بذريعة انها تشريعات وضعية تخالف الشريعة الاسلامية، متجاهلا حقيقة ان القانون الدولي العام يتكون من مجموعة قواعد تنظم العلاقات بين الدول المختلفة وبينها وبين المنظمات الدولية والإقليمية التي ينظم هذا القانون علاقاتها، ويحدد حقوق وواجبات الدول في السلم والحرب والحياد. من نافل القول ان المعاهدات والاتفاقيات الدولية تعد من أبرزمصادر القانون الدولي، وقد وقعّت الدول منذ القدم على اتفاقيات تنظم علاقاتها وتحمي مصالحها المشتركة،وتبنت خطط عمل لتنظيم العلاقات فيما بينها، وعلى مدار السنوات، تطوّرت مدوّنات قانونيّة نظمت العلاقات بين الدول، وسميت لاحقاً بالقانون الدولي الذي يتضمن فروعا عديدة منها القانون الدولي العام والقانون الدولي الانساني، فيما يشير البعد الدولي للقانون إلى ارتباط القضايا التي يعالجها هذا القانون بالخارج (أي خارج الدولة أو دول أخرى)، ويعالج هذا الفرع من القانون الدولي قضيّة سريان أو عدم سريان هذه القوانين على قضية معينة وإذا ما كانت قرارات حكم صدرت في الخارج سارية المفعول أم لا في سياق المحاكم المحليّة، وفي المقابل يعالج القانون الدولي العام العلاقات بين الدول والواجبات القانونية الملقاة على كل دولة ودولة تجّاه الدول الأخرى والأفراد الخاضعين لسيطرتها. والثابت ان القانون الدولي في العصور الوسطى انشغل بمسألة قانونية وشرعيّة الحروب والهجمات المسلحّة التي تشنها الدول، وبعد الحرب العالميّة الثانيّة، والويلات التي شهدتها الشعوب، تركزّ القانون الدولي في حقوق الإنسان والواجبات الإنسانية تجاه الأفراد. الى ذلك يسري القانون الدولي العرفي على كل دول العالم ويلزمها، سواء كان مكتوباً أو غير مكتوب، وهذا على عكس القانون الدولي التقليدي، الذي يستند على معاهدات دولية لا تلزم إلا الدول التي تقبل طوعاً الالتزام بها (أي المصادقة على هذه المعاهدات)، وللقانون الدولي العام خمسة مصادر، حددها ميثاق المحكمة الدوليّة وهي: الاتفاقيات الدولية والأعراف الدولية ومبادئ القانون العامة وقرارات المحكمة الدولية والأدبيّات التي يكتبها الخبراء من جميع أنحاء العالم. في هذا السياق تقرر كل دولة ما هي علاقتها بالقانون الدولي التقليدي ومدى التزامها بالمعاهدات الدولية التي يعتمدها القانون الدولي التقليدي، وقد منح تأسيس الأمم المتحدة، بعد الحرب العالمية الثانية، فرصة للمجتمع الدولي لفرض القانون الدولي على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والتي انتهكت ميثاق الأمم المتحدة، فيما تعتبر المحكمة الدولية التي تتخذ من (هولندا) مقراً لها جهازاً قضائياً تابعاً للأمم المتحدة.  وتقوم المحكمة الدوليّة بدورين أساسيين: أولاً: اتخاذ القرارات في النزاعات بين الدول التي وافقت على المثول أمام المحكمة. ثانياً: تحديد موقفها في المسائل القانونية التي يوجهها المجلس العام للأمم المتحدة أو مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وفي حال تجاهلت دولة معينة القرار التي صدر في قضية تخصها، يحق لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة اتخاذ إجراءات بحق هذه الدولة. ولا يُعتبر الرأي المختص الذي تصدره المحكمة الدولية ملزماً, وفي عام 2002 أقيمت المحكمة الجنائية الدولية التي تستمد صلاحياتها من موافقة الدول على الانضمام الى معاهدة روما بشأن هذه المحكمة التي تمتلك الحق في مقاضاة مواطني أية دولة صادقت على معاهدة روما، التي أقيمت بحسبها المحكمة الجنائية، في كل ما يتعلق بالأعمال التي قامت بها الدولة العضو في مناطقها. ويبقى القول ان القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان هما مجموعتان من القوانين المتميزة ولكنها متكاملة, ويسعى كل من القانونين إلى حماية الأفراد من الأعمال التعسفية والإساءة, فحقوق الإنسان ملازمة للطبيعة البشرية وتحمي الفرد في أوقات الحرب والسلم, أما القانون الدولي الإنساني فيطبق في حالات النزاع المسلح فقط, ومن ثم فإن قانون حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني يطبقان بطريقة متكاملة في حالات النزاع المسلح. ولاريب في أن فكرة حماية الإنسان من ويلات الحرب ظلت عالقة لدى جميع الشعوب منذ العصور القديمة, إلا أن إضفاء طابع الإنسانية على النزاعات المسلحة شهد تطوراً هائلاً في القرن التاسع عشر, وكان الحدث الحاسم في ذلك هو تأسيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر عام 1863 وتوقيع اتفاقية (تحسين مصير العسكريين الجرحى في القوات المسلحة في الميدان) في أغسطس/آب 1864، ومن هنا نشأ القانون الدولي الإنساني, حيث تقع اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية في صلب القانون الدولي الإنساني، وهي عصب القانون الدولي الذي ينظم السلوك أثناء النزاعات المسلحة ويسعى إلى الحد من تأثيرات جرائم الحروب على حقوق الانسان وحياة المدنيين. وتحمي هذه الاتفاقيات على وجه التحديد الأشخاص الذين لا يشاركون في الأعمال العدائية (المدنيون، وعمال الصحة، وعمال الإغاثة) والأشخاص الذين توقفوا عن المشاركة في الأعمال العدائية من قبيل الجرحى، والمرضى، والجنود الناجين من السفن الغارقة، وأسرى الحرب، كما تدعو البروتوكولات الملحقة بهذه الاتفاقيات إلى الإجراءات التي يتعين اتخاذها منعاً لحدوث كافة الانتهاكات أو وضع حد لها، وتشمل قواعد صارمة للتصدي لما يُعرف ب(الانتهاكات الخطيرة)، إذ يتعين البحث عن الأشخاص المسؤولين عن(الانتهاكات الخطيرة)، وتقديمهم إلى العدالة، أو تسليمهم، بغض النظر عن جنسيتهم. وسوف نوضح في الحلقة القادمة جانبا من الذرائع التي يفرط الخطاب السلفي العام في استخدامها بهدف تبرير رفض رجال الدين السلفيين لهذه المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وتكريس الإصرار على مطالبة الحكومات العربية والاسلامية وبضمنها اليمن بعدم الاعتراف بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية، وعدم الالتزام بالقانون الدولي العام والانساني.