السبت 22-09-2018 21:25:07 م : 12 - محرم - 1440 هـ
قدرة التجدد سرّ نجاح أصيلة...
بقلم/ كاتب/خير الله خيرالله
نشر منذ: 8 سنوات و شهر و 10 أيام
الخميس 12 أغسطس-آب 2010 11:16 ص

ما سر نجاح موسم اصيلة الثقافي؟ الجواب بكل بساطة، ان الموسم يتجدد، او على الاصحّ يجدد نفسه باستمرار بعيدا عن اي نوع من العقد. وفي مناسبة انعقاد الموسم للمرة الثانية والثلاثين هذه السنة، بدت اصيلة المغربية اكثر حيوية واكثر قدرة على تطوير نفسها من اي وقت. صارت اصيلة التي تمزج بين الفن والسياسة والثقافة والموسيقى وكل ما هو حضاري في هذا العالم رمزا للقدرة على طرح محاور جديدة للنقاش تساهم في تصالح العرب مع المستقبل بل تساعدهم في الانتقال الى المستقبل والتواصل معه بدل ان يستمروا في الدوران على النفس، على نفسهم اوّلا.
اكثر من ذلك، باتت اصيلة التي تتحول في مثل هذه الايام من كل سنة الى محطة مغربية بامتياز قادرة على اعطاء صورة واقعية الى حدّ كبير عن المجتمع المغربي كمجتمع شاب يمتلك ثروات كبيرة على راسها ثروة اسمها الانسان. صار من يقول في شهر تموز- يوليو من كل سنة امام رفاق له انه مسافر الى المغرب يسمع سؤالا تقليديا: هل انت ذاهب الى اصيلة؟
ربما كان سر نجاح اصيلة يكمن في المدينة نفسها الواقعة على المحيط الاطلسي ليس بعيدا من طنجة. لا يتجاوز عدد سكان اصيلة بشواطئها الرائعة خمسة وثلاثين الف نسمة. انها مدينة جميلة مضيافة ذات معالم خاصة بها بينها احياء قديمة وقلعة تاريخية واسوار. لكنها قبل كل شيء حالة ثقافية فريدة من نوعها. جدران اصيلة القديمة تتحول في الصيف الى لوحات وساحاتها الى مسارح تشهد حفلات غنائية وموسيقية لفنانين من كل انحاء العالم...
ولكن ما قد يكون سر اسرار اصيلة اختيار مواضيع النقاشات في اثناء الموسم الثقافي فضلا عن نوع الشخصيات التي تشارك في النقاشات بعيدا عن اي نوع من انواع التزمت والانغلاق. ولعلّ السيد محمد بن عيسى الامين العام لمؤسسة منتدى اصيلة كشف بنفسه السرّ عندما قال في ندوة "الديبلوماسية والثقافة" قبل ايام :"اني ارى من المناسب الاشارة الى ان هذه الندوة مثل سابقاتها، تندرج ضمن نفس المسار الذي اتخذته مواسم اصيلة الثقافية منذ الدورات الاولى، حين بادرت، بل اقول بما يلزم من التواضع، انها تجرّأت على اقتحام بحر العلاقات الدولية المضطرب".
كانت ندوة "الديبلوماسية والثقافة" في موسم اصيلة لهذه السنة شيقة. ترأس احدى الجلسات رئيس الوزراء الفرنسي السابق دومينيك دو فيلبان، رجل العلم والثقافة والسياسة. كشف دو فيلبان مرة اخرى انه سياسي ومفكر في آن. شرّح الوضع العالمي بشكل دقيق. ركز على الثقافة بصفة كونها تمثل "الامل" نظرا الى انها "تخلق الامل". ومما قال :" اني مقتنع بضرورة الاعتراف بخصوصية كل ثقافة من ثقافات هذا العالم في ظل الحاجة الى العولمة". تحدّث دوفيلبان عن روسيا التي بدت في حاجة الى الاعتزاز بثقافتها وتاريخها وعن "عودة الصين الى الصين، الى ثقافتها وحضارتها". وتحدث خصوصا عن "الحاجة الى نوع جديد من العولمة" وعن التطورات التي يمر بها العالم منذ انتهاء الحرب الباردة واصفا وصول باراك اوباما الى البيت الابيض بانه "تجربة متميزة" في ما يخص "التمازج بين الثقافات" مستعيدا كل ما يمثله اوباما، الآتي الى البيت البيض من اصول افريقية...
لم ينس دوفيلبان ان الحياة في هذا العالم ليست كلها وردية. اشار الى ما اسماه "التصدعات" التي تلت سقوط جدار برلين في العام 1989 مركزا على ثلاث محطات هي احداث ايلول- سبتمبر 2001 والحرب الاميركية على العراق في العام 2003 والازمة المالية العالمية في العام 2008. هنا، جدد دعوته الى نوع جديد من العولمة لمواجهة "تصدعات" ما بعد انتهاء الحرب الباردة. كان تركيزه دائما على البعد الثقافي والحاجة الدائمة الى الاستعانة بهذا البعد كي تتعايش الثقافات الخاصة بكل مجموعة من دون تجاهل "الحاجة الى ما هو عالمي".
آخرون، غير دوفيلبان، تحدثوا في موضوع "الديبلوماسية والثقافة". كانت الندوة مناسبة كي يستعيد وزير الخارجية السنغالي السابق الشيخ تديان غاديو ذكرى ليوبولد سنغور، رجل العلم والثقافة واول رئيس للسنغال بعد استقلالها. كان سنغور رمزا للنجاح القائم على اعطاء بعد ثقافي للسياسة وبعد سياسي للثقافة.
شرعت اصيلة الابواب امام نوع جديد من النقاشات. كعادته، كان الموسم هذه السنة غنيا. تبين مرة اخرى ان موسم اصيلة حاجة مغربية مثلما انه حاجة عربية واقليمية اضافة الى انه يشكل جسر تواصل مع العالم. ولعلّ هذا الشعور باهمية الموسم هو ما دفع دولة الامارات العربية المتحدة الى ان تكون "ضيف شرف" دورة 2010م، كانت الدورة فرصة للاضطلاع على النشاط الثقافي للامارات خصوصا في مجال انتاج الكتب والترجمة في الاتجاهين، اي من العربية واليها، وكل ما له علاقة بالثقافة والرسم والموسيقى ومختلف انواع الفنون. كانت هناك لوحات قوية لفنانين اماراتيين لا يعرف عنهم العرب الآخرون الكثير للاسف الشديد. حوّلت الامارات العمل الثقافي الى "عملتها الديبلوماسية الصعبة" على حد تعبير محمد بن عيسى الذي بات يعرف ان بناء اصيلة لا يمكن ان يقتصر على توسيع البنية التحتية للمدينة ومحيطها بمقدار ما ان المطلوب الاستثمار في الانسان ايضاً.
يخرج المرء من موسم اصيلة 2010 وهو مقتنع اكثر من اي وقت بأن الثقافة هي التي تحسن الاداء السياسي وان الثقافة هي التي تعطى السياسة بعداً انسانياً تحتاج اليه العولمة في كل يوم وفي كل لحظة. ثمة حاجة اكثر من اي وقت الى توازن بين السياسي والثقافي للحؤول دون مزيد من الظلم والظلمة على هذه الكرة الارضية.
كان لا بدّ من العودة الى اصيلة لاكتشاف قدرة الثقافة على حماية السياسة، بل على جعلها اكثر انسانية, ربما كان ذلك دور اصيلة في مجال الانفتاح والتفتح وجعل الانسان العربي اكثر قدرة على فهم ما يدور حوله بدل الانغلاق على نفسه والدخول طوعا الى سجن التزمت والتطرف!
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
معركة الحديدة!!
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
استاذ/ عباس الديلمي
من شواهد أنهم لا يقرأون (2)
استاذ/ عباس الديلمي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
توفيق الشرعبي
معركة كل اليمن
توفيق الشرعبي
مقالات
كاتب/فيصل جلولالفتنة صناعة أجنبية
كاتب/فيصل جلول
صحيفة 26 سبتمبرفضائل الشهر الكريم
صحيفة 26 سبتمبر
صحافي/عبدالله حزامشراء الهلع..!!
صحافي/عبدالله حزام
مشاهدة المزيد