السبت 25-05-2019 06:37:08 ص
الواد بلية اشترى نبلة
بقلم/ دكتورة/رؤوفة حسن
نشر منذ: 8 سنوات و 10 أشهر و 13 يوماً
السبت 10 يوليو-تموز 2010 08:23 ص

 على عدد من القنوات التلفزيونية، يتحدث الفنان السينمائي العالمي المشهور، عمر الشريف، عن أهمية الحفاظ على الآثار للأجيال القادمة. تفاصيل لطيفة في الاعلان تشير الى تاريخ مشرف من تاريخ العرب والمسلمين يبلغ سبعمائة عام. وهو يتحدث عن مصر ذات القصة الأطول مع الآثار التي بقيت لتحدثنا عن تاريخ يزيد عن خمسة آلاف عام. وبرغم السرقات والتهريب التي تتعرض لها الآثار المصرية فإن الكمية المهولة المتبقية من كل حقبة مرت على مصر لا تكشف الضرر بالشكل الكبير الذي يمكن أن يحدثه الأمر، وهو حادث في اليمن. فالباحث الفرنسي العربي الحريص على الآثار اليمنية منير عربش وجه إلى اليمنيين نداء كي يتنبهوا إلى تاريخهم الذي يتسلل من بين أيديهم بسبب تجارة مريعة هي تهريب الآثار. وملتقى الرقي والتقدم كان قد أقام ندوة كبيرة ساخطة كشفت عن كل الحقائق المحيطة بالتهريب، وتم اقتراح قانون يتعرض كالعادة إلى تسويف من قبل الوزارة المعنية أولاً في تمريره إلى الحكومة ثم سيخضع للمزايدات السياسية والمواقف الشخصية التي ربما في البرلمان ستفعل كما سبق وان فعلت من قبل ترفض قوانين ترسلها الحكومة دون أن تكلف نفسها في قراءتها لأن المتهم هو الجهة التي ترغب في وجود قوانين يعمل مكافحو التهريب على أساسها ويفهم بها الناس الدور الذي يمكن أن يسهموا به. وحال أعضاء مجلس النواب الذين يعارضون التشريعات لمجرد المعارضة هو حال الواد بلية الذي اشترى نبلة، فابتدأ بإرسال الحصى لتكسير مصابيح الضوء حيثما لقيها، إنه فقط يلعب لعبة. الواد بلية: كلمة بلية باللهجة المصرية هي لنوع من الأحجار الصغيرة التي يلعب بها الأطفال، وقد تكون من كرات البلاستيك الصغيرة التي ترمى فتقفز ويلعب بها الصغار. وعندما يتم تسمية الواد (بلية) بهذا الاسم وهو في الغالب طفل يلعب في الشارع ليس له من يربيه أو قد يكون من صبيان الورش الذين يتم استخدامهم وتشغيلهم من سن صغيرة فيقفز بعيدا عن الورشة في أوقات راحته ويلعب بأي شيء يجده من حوله. وبالتالي فالتسمية التي قد تطلق عليه هي بهدف التأكيد على قلة قيمة شأنه. أما كلمة (بلية) في اليمن فهي قادمة من البلوى والبلاء أي المصائب والرزايا. وسواء غنينا عن حالات الحب فقلنا (المحبة بلية) أو عبرنا عن حالات الكره فاعتبرنا كل من لا يسايرنا في الرأي عدواً مبيناً، ومن اختلف شكلا أوفكرا بلوى أنزلها الله على العباد، فالنتيجة هي أننا عندما نقول إن فلانا هو بلية فإننا نعني أجارنا الله من أذاه. عندما وجد الولد بلية (اليمني) نفسه يملك نبلة أو معولاً او فأساً أو مسدساً أو بندقية، حمله كيفما اتفق واستخدمه دون خوف من عقاب فالقوانين غائبة وفي حال وجودها يعاني المنفذون لها من مشاكل لاتنتهي. ولما الواد بلية تغلقت عليه طرق الخروج من الحدود والبحث عن عمل في مكان من الأرض وهو يغني "الباله" أو "بل بلي بل يابلا حالي"، صار الخيار لديه ما تركه الأجداد من آثار فحفر بحثا عن الكنز واكتشف شبكات التهريب، وصارت آثار اليمن غير الموثقة فرصة اختراع تاريخ لبلدان ليس لها ذاكرة من التاريخ الحضاري سوى ما تبقى من خيام البوادي. الذاكرة والهوية: الذاكرة اليوم لجيل الوحدة معبأة بالفجوات السوداء كتلك التي تحيط بنا في هذا الكون وتبتلع كل ما يقترب منها. نعرف أن الفجوات السوداء قوة خاصة وأن ملء الفراغات بها قد يكون أخطر ما تمر به اليمن اليوم من كل شيء آخر. ففي هذا الفراغ يتم اختراع وفبركة هويات جديدة، تقوم على إعادة صياغة الماضي بشكل كاذب. ومع اندثار الآثار وتهريبها سواء كانت هذه الآثار من قبل عشرين عاماً أو ألف عام فإن النتيجة عدم معرفة وحاجة لملء الفراغ. فمن ليس له ماض ليس له مستقبل، كما يقال. وحتى في حضارات قائمة اليوم بدأت من نقطة الصفر كما حدث للأمريكيين، لكنهم في الحقيقة قدموا إلى بلاد بها تاريخ مغاير حاولوا طمسه لكنه ترك آثاره عليهم مرغمين، وقدموا من بلدان كان بها تاريخ فعكس نفسه على سلوكياتهم في الأرض التي أسموها جديدة. أما نحن الذين نعيش في بلاد عاصرت حقبات تاريخ سحيقة ثم أعادت بناء رؤيتها للعالم في كل مرحلة نمو حضارية تمر بها فإننا نعيش الآن الفترة الأولى ربما التي يتم فيها تزوير التاريخ أمام أعيننا والحديث عن هويات تاريخية لم يكن لها وجود، دون ان نتمكن من التوضيح والدرء بالجيل الجديد من مخاطرها. المهم الواد بلية اليمني، يحرق الكهرباء كي يكيد أعداءه فينام في الظلام، ويقطع الطريق كي يقهر من يرغب فيحاصر أهله. وتخشى منه أن يحدق في المرآة فيظن نفسه شخصا آخر فيهوي بمعوله على رأسه. اللهم احم اليمنيين من أنفسهم فهم عليها أشد قسوة من أعدائهم.

 
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: طبول حرب أمريكية بكلفة خليجية
عبدالسلام التويتي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
الكاتب/ وائل وليد الشرعبي
أعراب نجد.. ودموع التماسيح
الكاتب/ وائل وليد الشرعبي
مقالات
دكتور/محمد حسين النظاريالمشترك .. جعجعة بلا طحين
دكتور/محمد حسين النظاري
كاتب وصحافي/جاسر بن عبدالعزيز الجاسرنضال المخربين في الجنوب!
كاتب وصحافي/جاسر بن عبدالعزيز الجاسر
كلمة  26 سبتمبرالانتصار الوحدوي
كلمة 26 سبتمبر
مشاهدة المزيد