الأحد 23-09-2018 19:28:51 م : 13 - محرم - 1440 هـ
دولة بلطجية ومجرمة
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 8 سنوات و 3 أشهر و 13 يوماً
الخميس 10 يونيو-حزيران 2010 08:53 ص
نشرت في زاوية العدد الماضي مقتطفات مترجمة من رسالة كتبها المناضل الفرنسي الشاب توماس سومر هودفيل رئيس الحملة المدنية الدولية لحماية الشعب الفلسطيني في فرنسا وكان على ظهر سفينة يونانية من سفن اسطول الحرية من اجل كسر الحصار عن غزة وكان قد انتهى من صياغتها قبل ساعات من الهجوم الاسرائيلي على سفن الاسطول وقتل عدد من المتضامنين بدم بارد. وفي هذا العدد انشر النص الكامل لبيان اصدرته الجمعية التي يترأسها سومر هودفيل مترجما عن الفرنسية وقد صدر في الرابع من حزيران يونيو الجاري وتجدر الاشارة الى ان الرجل حمل على حكومة بلاده واتهمها باهمال مصير الفرنسيين المشاركين في اسطول الحرية وشكر الحكومة اليونانية على الاهتمام به وبرفاقه وهنا النص الكامل للبيان ويليه ملاحظاتي الخاصة:
( هذا الوصف للدولة العبرية(بلطجية ومجرمة) ليس عبارة عن كلمات غاضبة عقب جريمة اسرائيلية جديدة, ليس هذا حصراً, ولو ان الغضب مبرر ولكنه الوصف الذي يلائم طبيعة هذه الدولة. اسرائيل لا يمكنها ان تعيش الا بواسطة الجريمة. من جريمة النكبة الاولى إلى جريمة مصادرة الاراضي المستمرة الى جريمة طرد الفلسطينيين من منازلهم الى المجازر التي تحمل كل منها اسما. وهذه المرة ارتكبت مذبحة في المياه الدولية واستهدفت مناضلين ينتمون الى أربعين بلدا من بينهم اوروبيون وامريكيون.
وعلاوة على كونها مجرمة فاسرائيل دولة عنصرية أيضا. لقد كان المخطط الاسرائيلي ينطوي على التصدي بعنف حاد للباخرة التركية وبالتالي اطلاق الرصاص على اجساد ركابها باعتبارهم اتراكاً أقل مرتبة في عرف هذه الدولة مثلهم مثل الفلسطينيين واللبنانيين في نظر اسرائيل.
عموما المبرر الاسرائيلي للتعرض للسفينة كان "مفوها" او صريحا حيث قالوا ان المتضامنين ليسوا مسالمين وانما يدعمون منظمة ارهابية هي حماس. اذن من المشروع التعرض لهم بالقتل كما حصل.
الحجة الثانية تفصح بدقة ايضا عن نمط تفكير الاسرائيليين حيث قيل: لقد قاوموا الاجتياح الاسرائيلي للسفن بالعصي. وهذا صحيح. والظاهر ان الاسرائيليين يفترضون بان على العالم باسره ان يخضع لمشيئتمهم وينفذ اوامرهم.
ومع ذلك هناك حقائق ثلاثة تفرض نفسها اليوم كمسلمات كما فرضت نفسها في الماضي:
الحقيقة الاولى هي ان تركيا اصبحت من الآن فصاعداً وللمرة الاولى منذ اندلاع الصراع جزءاً لا يتجزأ منه ومن المفيد الاطلاع على الحسابات الاسرائيلية التي ادت الى هذه الوضعية.
والحقيقة الثانية: هي ان سياسة المجتمع الدولي تجاه اسرائيل عقيمة وغير مجدية. ان استثناء اسرائيل من وجوب تطبيق قرارات الامم المتحدة ودعوتها لكي تكون عضوا في منظمة التعاون والتنمية الاوروبية ورمي تقرير غولدستون في سلة المهملات ومحاولة رفع مستوى التعاون بين اوروبا واسرائيل واطلاق اسم بن غوريون على متنزه في باريس كل ذلك يحمي التحركات الاسرائيلية ويشجع على المزيد منها.
والحقيقة الثالثة: هي ان التضامن مع نضال الشعب الفلسطيني اصبح رمزا لمعركة ضد البربرية وضد قانون الغاب الذي تعتمده اسرائيل.
هذا ومن المحتمل ان الدولة العبرية كانت ترمي من خلال عدوانها الاجرامي في 31 مايو ايار الماضي على اسطول الحرية الى ترويع المناضلين الدوليين وردعهم عن مواصلة تنظيم مثل هذه المبادرات. لكن من ناحية ثانية انه لمن المؤكد ان صورة اسرائيل قد تعرضت لضربة جديدة.
في حقيقة الأمر يبدو ان اسرائيل تريد أن تكون حرة تماماً: حرة في أن تقتل كما تريد وحرة في ان تنفي وجود الشعب الفلسطيني وأن تنفي عنه انسانيته كما يحلو لها. وللتذكير نقول: انه بعد الهجوم الاجرامي على غزة العام الماضي قلنا: باننا لن ننسى أبداً ومنذ ذلك الحين عملنا في فرنسا من اجل تنظيم حملة رفع الحصار عن غزة وشاركنا في مسيرة الحرية من اجل غزة التي تم تعطيلها في القاهرة وواصلنا ارسال البعثات الى فلسطين وشاركنا أخيراً في اسطول الحرية.
الى رفاقنا الذين سقطوا في الاسطول دفاعاً عن حرية غزة ومن اجل دعم فلسطين نقول و الى رفاقنا الجرحى والى اولئك الذين سجنوا في سجن اشدود نعبر عن تصميمنا اكثر من اي وقت مضى على مواصلة هذه المسيرة..
التوقيع: توماس سومر هودفيل. رئيس الحملة المدنية الدولية من اجل حماية الشعب الفلسطيني في فرنسا.) هنا ينتهي بيان الجمعية.
يفصح بيان الجمعية الفرنسية عن جملة من الحقائق: اولها ان اسرائيل تنسى أو تتناسى ان اوروبا ما عادت اوروبا القديمة وان وعي الجيل الاوروبي الجديد بات حراً من صناعة الرأي الموالية لاسرائيل ولعل ما ساهم في تحرره من قيود واعراف التأييد المطلق للدولة العبرية هو الصمود والانتصارات التي حققتها المقاومتان اللبنانية والفلسطينية بوسائل قتالية دفاعية شبه بدائية الامر الذي انتزع اعجاب العديد من الاوروبيين وحملهم على السير على خطى الجيل الاول الذي انخرط في الدفاع عن الشعوب المستعمرة و ضد الكولونيالية الفرنسية والامريكية. والحقيقة الثانية: هي أن الجيل الجديد نهض على فلسفة حقوقية لاتطيق ازدواجية المعايير وبالتالي لا تتسامح مع اسرائيل ولا تشارك في تغطية جرائمها وعليه لا ترضى بقتل الشعب الفلسطيني جوعا في غزة كما لا ترضى بأن تحرك فرنسا ديبلوماسيتها من اجل متظاهرة فرنسية في طهران وتهمل المناضلين الفرنسيين في اسطول الحرية.. وثالث هذه الحقائق: ان صورة الغرب واوروبا قد تحطمت كقوة لا تقهر في العراق وافغانستان ومن الطبيعي ان تهبط معها صورة اسرائيل الموصوفة كقاعدة غربية في العالم العربي ومع هذا الهبوط المثلث صار من الممكن لبعض الفئات المناضلة في اوروبا ان ترفع صوتها عاليا وتسمي الاشياء باسمائها. ورابع الحقائق: ان الشعب الفلسطيني ما عاد يتعرض للطائرات الاوروبية بالخطف والتفجير وكف عن زج الاوروبيين في خانة الاسرائيليين وعقابهم على تاييدهم للدولة العبرية واكتفى بطلب التعاطف المعنوي مع قضيته وهو تحقق عبر الحملات المستمرة من اجل كسر الحصار عن غزة.. والحقيقة الخامسة: هي ان اسرائيل باتت تقدم للعالم مسؤولين مجرمين او يعدون ضمنا بالاجرام والقتل شأن افيغدور ليبرمان وزير الخارجية الذي بدأ حياته المهنية كحارس بلطجي في احد البارات ومثل هؤلاء لا ينتزعون احترام الاوروبيين وبالتالي يساهمون في تحطيم صورة الدولة المتحضرة التي حجزت للدولة العبرية طيلة الستين عاما الماضية.. وسادس هذه الحقائق: ان اسرائيل تستقر منذ نهاية الحرب الباردة في خانة الدولة التي ترفض السلام وتتسبب باضعاف مكانة حلفائها الغربيين في العالم الامر الذي اتاح للمناضلين الانسانيين رفع اصواتهم والاعتراض جهاراً على معادلة "الدولة المجرمة والبلطجية" المحمية من المساءلة بغير وجه حق. والحقيقة السابعة :-وهي ليست الاخيرة- تفيد بان الدولة العبرية قد تاسست على اسطورة الحق الالهي في فلسطين هذا الحق الذي حظي بتغطية مدنية غربية هي في سبيلها الى التراجع واذا تتراجع هذه التغطية كما لاحظنا فان الاسطورة تتراجع معها وبما ان الاساطير لا تتراجع بل تبقى او تموت فمن غير المستبعد ان تنهار الاسطورة التأسيسية الاسرائيلية ومعها الدولة اليهودية في فلسطين التاريخية. ولعل هذا ما كان يبشر به ياسر عرفات ضمناً بقوله: ان النصر في فلسطين بات يتطلب صبر ساعة.