السبت 17-11-2018 07:53:39 ص : 9 - ربيع الأول - 1440 هـ
من البيعة الإجبارية للأطفال.. الى تفويض السلطنة بالقوة
بقلم/ كاتب/أحمد الحبيشي
نشر منذ: 8 سنوات و 5 أشهر و 7 أيام
الخميس 10 يونيو-حزيران 2010 08:50 ص
أوضحنا في الحلقة الماضية جانبا من مأزق البيعة في تاريخ الخلافة الأموية والعباسية بعد ارتباطها بيمين الطلاق والعتاق وهوما لم يعرفه المسلمون في عهد الخلافة الراشدة، وقد تجلى هذا المأزق في تحول المذهب السني في الاتجاه المعاكس لموقف المسلمين الأوائل الذين رفضوا الطاعة المطلقة للحاكم، وسار على طريقهم بعض المتأخرين من فقهاء أهل السنة أمثال أبي حنيفة ومالك والشافعي، فيما ذهب ابن حزم الأندلسي في كتاب (الفصل في الملل والنحل والأهواء، ج 4 ص 169– 170).. إلى النصح ((بالتريث وعدم المبادرة إلى خلع الإمام الفاسق قبل التمكن من إزالة ظلمه وإقامة الحد عليه))، وأوجب ابن حزم ضرورة قيام الأمة بعزل الإمام بالقوة وعدم جواز طاعته إذا ما خالف الشرع، وقال: ((الواجب إن وقع شيء من الجور أن ينصح الإمام ويمنع منه.. فإن امتنع من إنفاذ شيء من هذه الواجبات عليه وجب خلعه وإقامة غيره ممن يقوم بالحق عملا بقوله تعالى {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة 2).
وكان الفقهاء الذين يقولون بأن طاعة الحاكم نسبية وليست مطلقة يستندون إلى الكثير من آيات القرآن الكريم التي تنهى عن الظلم، بالإضافة إلى أحاديث منسوبة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأبرزها الحديث الذي أخرجه البخاري عن نافع بن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (السمع والطاعة على المرء فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)، بالاضافة الى الحديث الذي رواه عبادة بن الصامت عن الرسول: ((سيليكم أمراء بعدي يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فمن أدرك ذلك منكم فلا طاعة لمن عصا الله))، وهي روايات تؤكد أن الطاعة نسبية وتجيز للأمة الحق في خلع الإمام الظالم إذا انحرف عن العدل والشورى.
ولئن كانت مواقف هؤلاء الفقهاء من أهل السنة تشكل امتدادا للسلوك الذي التزم به الصحابة والتابعون من السلف الأوائل، إلا أنها لم تصمد أمام تفشي الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي لا تتعارض مع القرآن فقط، بل وتتناقض مع بعض الأحاديث المنسوبة للنبي عليه الصلاة والسلام بدعوتها إلى طاعة الحاكم الظالم بصورة مطلقة، وأبرزها الحديث الذي وضعه حذيفة بن اليمان ونسبه إلى الرسول الأعظم: ((يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان انس. قلت: كيف أصنع يا رسول الله إذا أدركت ذلك. قال: تسمع وتطيع الأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فأسمع وأطع)).
وزاد من ضعف موقف الفقهاء الذين يرفضون الطاعة المطلقة للحاكم، غياب الشورى في ظل نظام الحكم الوراثي وما ترتب عليه من غياب أي دور رقابي لأهل الحل والعقد أوالمؤسسات الدستورية والقضائية التي تساعد على التغيير إذا أمكن تجنب الدماء، فيما قام الحكام بمساندة الفقهاء الذين يقولون بالطاعة المطلقة للحاكم برا كان أم فاجرا، وأبرزهم الإمام أحمد بن حنبل الذي قال في كتاب (أصول السنة– الأصل 28 و33 و34) بوجوب السمع والطاعة لأمير المؤمنين البر والفاجر، ومن ولي الخلافة واجتمع الناس عليه، ومن تغلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين. واعتبر ابن حنبل ذلك أصلا من أصول (السنة والجماعة) فيما رأى ابن زمنين الأندلسي الحنبلي ان (السلطان ظل الله في الأرض وأن السمع والطاعة له واجب سواء كان برا أوفاجرا) (ابن زمنين الأندلسي (أصول السنة ص 276).
من جانبه التزم ابن تيمية في عهد السلاطين المماليك بهذا الموقف في كتاب (السياسة الشرعية ص 14– 28) حيث وصف الحكام بأنهم نواب الله على عباده ووكلاء العباد على نفوسهم، وطالب الناس بدفع الحقوق للسلاطين وإن كانوا ظالمين. كما أوجب ابن تيمية الطاعة للحكام الذين يأخذون البيعة قسرا، وحذر من النكث باليمين الذي ابتدعه بعد البيعة الخلفاء الأمويون والعباسيون ((لأن ما كان واجبا بدون اليمين فإن اليمين تقويه ولا تضعفه، ولوصاحَبَها إكراهٌ عليها)) (الفتاوى– أصول الفقه– ج 35 باب الخلافة والملك– ص 10، 11 و12).
ولئن كانت البيعة قد دخلت مأزق انعدام الشرعية بعد تحولها إلى ممارسة قائمة على القبول بالإكراه والاستحلاف بيمين الطلاق والعتاق، فإن المذهب الملكي السني دخل هوالآخر مأزقا حادا حيث بدا متناقضا ومرتبكا بعد إضفائه الشرعية الدينية على الاستبداد من قبل الحكام والخضوع من قبل المحكومين، ووصل هذا المأزق ذروته في ظل اعتقاد أهل السنة بوجوب اشتراط العنصرية القرشية للحاكم، حيث قام فقهاء المذهب الملكي السُنِّي بإضفاء الشرعية الدينية أيضا على تفويض الوزارة والسلطنة في حالة وجود خليفة قرشي ضعيف أوقاصر، أوفي حالة عزل الخليفة واستبداله بآخر عن طريق القوة.. وكما هومعروف فقد كان الفقه السني يعطي شرعية مطلقة للخلفاء الذين استولوا على السلطة بالقوة والقهر والغلبة أوورثوها من آبائهم بالوصية وبدون شورى أورضا الناس عامة، ويوجب على الأمة طاعة الحكام حتى وإن جاروا وفسقوا وفجروا، ويرفض السماح للناس بخلعهم. بيد أن ذلك الفقه كان يناقض نفسه حين يعترف بالأمر الواقع، ويعطي الشرعية لمن يتغلب ويخرج على الخلفاء وينتزع السلطة منهم بالقوة، حتى وإن كان الخليفة المعزول يتمتع بالصلاح والتقوى، ما أدى إلى أن تكون الثقافة السياسية للسلطة قائمة على القوة فقط.
وقد حدث ذلك عندما أدى الصراع الداخلي على السلطة والثروة في النظام العباسي إلى استخلاف أطفال قاصرين أوشباب لاهين خلف الشراب والانغماس في الملذات، الأمر الذي أفسح الطريق لهيمنة أمراء الجيش على الحكام واستيلاء الولاة على الأطراف وفقدان السلطة المطلقة في مركز دولة الخلافة لصالح الوزراء وقادة ا لجيش الذين استعان بهم الحكام لظلم الناس ونهب أموالهم، ثم جاء دور هؤلاء للانقلاب على حكامهم، حيث ظهر نمط جديد لإدارة الحكم متمثلا بتفويض الوزارة والسلطنة في ظل وجود خليفة قرشي يتمتع بسلطة رمزية لا غير، على نحوما حدث عندما قام هارون الرشيد بتفويض الوزارة ليحيى بن خالد البرمكي تفويضا عاما ومطلقا وقال له: ((قد قلدتك أمر الرعية وأخرجته من عنقي إليك فأحكم في ذلك بما ترى من الصواب واستعمل من رأيت وأعزل من رأيت ودفع إليه خاتمه ثم فوض جعفر بن يحيى الأمور في وقت لاحق إلى أن قتله بصورة مفاجئة سنة 187 هجرية)) (تاريخ الطبري ج 4 ص 620 – 664). كما تكرر ذلك أيضا عندما تولي الخليفة جعفر المقتدر بالله الخلافة سنة (295 – 320) وعمره ثلاثة عشر سنة، ثم قام بتفويض الخلافة إلى الوزير علي بن محمد بن الفرات (السيوطي – تاريخ الخلفاء ص 351)، وكذلك عندما قام أخوه القاهر بالله بتفويض الوزارة إلى أبي علي بن مقله (القلقشندي – مآثر الأناقة في معالم الخلافة – الجزء الأول ص 279).
وعندما استولى البويهيون وهم إحدى فرق الشيعة على بغداد عاصمة الدولة العباسية قام صقر الدولة بالحجر على الخليفة المستكفي بالله، ثم خلعه من الخلافة وبايع المطيع بدلاً عنه (السيوطي – تاريخ الخلفاء – ص 367 – 368)، وظل المطيع خليفة بالاسم فقط إلى أن خلعه ابنه الخليفة الطائع عبدالكريم الذي قام بدوره بتتويج عضد الدولة البويهي وفوض إليه السلطة كاملة، وبعد وفاة عضد الدولة قام الطائع بتفويض فخر الدولة البويهي تفويضا كاملا، حيث قام الأخير باعتقاله وإجباره على الاستقالة ثم عين بدلا عنه الخليفة القادر بالله الذي فوض السلطة إلى بهاء الدولة بعد وفاة أخيه فخر الدين البويهي !!.
وعندما تولى الخليفة العباسي القائم بأمر الله الحكم كانت السلطة بيد بهاء الدولة فقام الخليفة القائم بتفويضه إدارة شؤون الخلافة بالكامل. واستمر هذا الوضع بعد سقوط البويهيين الشيعة على إثر استيلاء السلاجقة على السلطة واحتلال بغداد في منتصف القرن الخامس الهجري، حيث استدعى الخليفة القائم بأمر الله زعيمهم طغرلبك وفوضه الحكم قائلاً: ((إن الخليفة قد ولاك جميع ما ولاه الله تعالى من بلاد وأرض ومال ورعية)) (القلقشندي– مآثر الأناقة في معالم الخلافة – ج 1 – ص 334).
ولم يكتف الخلفاء العباسيون بهذا الحد من تفويض السلطنة إلى القادة العسكريين بل فوضوها إلى أطفال من أبناء هؤلاء القادة على نحوما قام به الخليفة المقتدي بأمر الله الذي فوض السلطنة للطفل محمود بن ملكشاه السلجوقي وعمره خمس سنوات، وعندما خرج عليه أخوه الكبيرالسلطان بركياروق وعزله، قام الخليفة أيضا بتقليده السلطنة، وكذلك الحال عندما قام الخليفة المستظهر بالله بتفويض السلطنة إلى الطفل جلال الدولة ابن السلطان بركياروق السلجوقي، إلى أن خرج عليه عمه محمد فقلده الخليفة السلطنة بدلا عنه (المصدر نفسه ص 295). ولم ينحصر حال الخلافة العباسية في تفويض السلطنة عندما كانت في بغداد، بل انتقل هذا الحال بعد سقوط بغداد بيد المغول وانتقال الخلافة العباسية إلى مصر في ظل المماليك، حيث استمرت هناك لمدة مائتي عام لم يكن للخلفاء القريشيين خلالها سوى الحضور الرمزي، بينما كانوا يقومون بتفويض السلطنة للمماليك.
وعلى الرغم من أن عملية التفويض كانت تتم بالقوة وبصورة قسرية وعن طريق الانقلابات العسكرية، بمعنى أنها كانت خروجا على الطاعة المطلقة للحاكم وفقا لما كان يعتقد به فقهاء المذهب الملكي السني، إلا أن هؤلاء الفقهاء كانوا لا يترددون في إضفاء الشرعية الدينية عليها، وهوما فعله ابن تيمية في دعمه للسلطان المملوكي محمد بن قلاوون، وما فعله أيضا فقهاء آخرون من أهل السنة أمثال الماوردي وأبويعلي الفراء وابن جماعة والجويني وغيرهم من الفقهاء الذين كتبوا مؤلفات فقهية عديدة حول شرعية (إمارة الاستيلاء)،وأجازوا فيها لمن تم تفويضه بالوزارة أوالسلطنة ممارسة الاستبداد في تقليد الولاة، والتفرد بتسيير الجيوش وتدبير الفتوحات والتصرف في أموال بيت المال، فيما قال ابن جماعة ((إذا استولى ملك أوسلطان بالقوة والقهر والشوكة على بلاد فينبغي للخليفة أن يفوض أمورها إليه استدعاء لطاعته فيصير بذلك التفويض صحيح الولاية نافذ الأحكام)) (ابن جماعة - تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام– ص 420).
ما من شك في أن إضفاء الطابع الديني على نظرية طاعة ولي الأمر والصبر عليه حتى وإن كان ظالما ومستبدا ومنتهكا لحقوق الناس وناهبا لأموالهم، يعتبر سببا رئيسيا في تعطيل المجتمع السياسي وتأسيس ثقافة استسلامية تعود جذورها إلى معتقدات المذهب الملكي السني، وأبرزها عقيدة القَدَر والجبر التي صاغها الفقهاء المؤسسون للمذهب الملكي السني في العهد الأموي بعد تحول الخلافة إلى نظام ملكي وراثي استبدادي بهدف تخدير الناس ودفعهم للرضوخ والخضوع للاستبداد.
وعلى تربة ما قام به فقهاء النظام الأموي اعتقد الإمام أحمد بن حنبل وأهل الحديث وفي مقدمتهم (الحشويون) بنظرية الجبر تطبيق لإيمانهم المطلق بالأحاديث التي نشرها القُصِّاص والوضِّاعون في العهد الأموي، بشأن تعريف القدر بمعنى الجبر واعتبروا هذه العقيدة ركنا من أركان السنة.وبموجب هذه العقيدة يتم سلب حرية ومسؤولية الإنسان عن فعل أواختيار أي شيء سواء كان ذلك في باب الطاعة أوالمعصية. وقد شدد الإمام أحمد بن حنبل على ضرورة تصديق تلك الأحاديث والروايات، والتسليم بها بدون أن يقال لها (لِمَ وكيف). وروى عبدالله بن أحمد بن حنبل إن رجلا سأل أحد القضاة هل الزنى بقَدَر؟ فقال: نعم. قال: ((كتبه الله عليّ ويعذبني عليه، فأخذ له القاضي حصى ليضربه بها)) (عبدالله بن أحمد بن حنبل – كتاب السنة – فقرة 933).
ولما كان تعريف القدر بالجبرية يعني إلغاء الثواب والعقاب في الآخرة على أساس العمل الصالح أوالمعاصي، ويتعارض مع جوهر الإسلام الذي يقوم على فكرة الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، لم يكن أمام (أهل الحديث) من أتباع المذهب الملكي السني سوى النهي عن النقاش والجدل في هذا الموضوع، بل إنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك وهوإنكار فكرة الابتلاء في الدنيا، وزعموا بأن الله فضَّل المؤمنين على الكافرين ومع ذلك فإنه قد يعذبهم في الآخرة ويدخلهم في النار، لأن الخلق خلقه والدار داره، والله لا يُسأل عما يفعل.. ومن يقول عكس ذلك فهوصاحب بدعة. (الإمام البربهاري– شرح السنة– ص 27– 28– 29).
وتعود جذور تعريف القدر بمعنى الجبر إلى الأمويين الذين استخدموا هذا التعريف لتبرير اغتصابهم السلطة وتحويل الخلافة إلى مُلك وراثي عضوض وإلغاء العمل بالشورى، من خلال الزعم بأن الله ساق إليهم الخلافة بسابق علمه قضاء ً وقدراً. بمعنى أنه كان يعلم منذ الأزل بأنهم سيستولون على الحكم. ولذلك أطلقوا على أنفسهم اسم (خلفاء الله)، واعتبروا الملك هبةً وعطاءً لهم من الله، على نحوما عبر عنه معاوية بن أبي سفيان عندما دخل الكوفة بعد توقيع معاهدة الصلح مع الحسن بن علي قائلاً: (( إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون)) (بن كثير– البداية والنهاية– الجزء 8 ص 131). وفي سياق متصل قال معاوية لوفد من أهل العراق جاءه إلى دمشق: (الأرض لله وأنا خليفة الله فما أخذت فلي من الله وما تركته للناس فبالفضل مني لهم.. إنه لملك أتانا الله إياه) (الطبري – تاريخ الرسل والملوك ج 5)، كما تحدث عن هذه العقيدة زياد بن أبيه والي معاوية على العراق في خطبة البتراء أمام أهل البصرة بقوله: (أيها الناس إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذاده، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا ونذوده عنكم بعين الله الذي خولنا).. (ابن الأثير– الكامل في التاريخ– الجزء 3 ص 449).
وتأسيسا على ما تقدم يمكن القول بأن معاوية بن أبي سفيان وكل الخلفاء الأمويين باستثناء عمر بن عبدالعزيز وولاتهم كانوا يعتبرون تحول الخلافة إلى نظام ملكي وراثي قضاءً وقدراً، وهوما دفع عطاء بن يسار ومعبد الجهني إلى القول: ((إن هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين ويأخذون أموالهم ويقولون: إنما تجري أعمالنا على قَدَر الله تعالى)). (رشيد الخيون– معتزلة البصرة وبغداد– ص 38). وحين غضب الخليفة عبدالملك بن مروان من الحسن البصري واتهمه بإحداث القول في القَدَر كتب أبوالحسن البصري إلى عبدالملك بن مروان قائلاً: (اعلم يا أمير المؤمنين أن الله لم يجعل الأمور حتما على العباد، ولكن قال إن فعلتم كذا فعلت بكم كذا، وإنما يجازيهم بالأعمال)، واستشهد الحسن البصري بعدد كبير من الآيات القرآنية الكريمة التي تؤكد مسؤولية الإنسان عن أفعاله، ومنها (ولوأن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) (الأعراف 96) و(لمن شاء منكم أن يتقدم أويتأخر) (المدثر 37)، و(كل نفس بما كسبت رهينة) (المدثر 38) و(ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم) (الزمر 7) و( ان الله لا يغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد 11). (واتقوا الله واعلموا ان الله مع المتقين وانفقوا في سبيل الله ولاتلقوا بايديكم الى التهلكة) (البقرة 194 195). واختتم البصري رسالته الموجهة إلى الخليفة عبدالملك بن مروان: (فلوكان الكفر من قضاء الله وقدره لرضي ممن عمله) (الطبري تاريخ الرسل والملوك الجزء الرابع ص 227 230 ).
ويتوجب علينا الإنصاف بالقول إن الإمام أحمد بن حنبل كان يكره إطلاق صفة الخليفة على من تولى الحكم بعد الحسن بن علي بن أبي طالب، انطلاقا من تصديقه وتسليمه بالحديث الذي وضعه المؤسسون الأوائل للمذهب الشيعي الامامي، ولم يلق اعتراضا من معاوية بن أبي سفيان ثم نسبوه إلى الرسول الأعظم: (الخلافة بعدي ثلاثون وبعدها ملك عضوض)، حيث رحب معاوية بهذا الحديث قائلاً: (ونحن نقبل المُلك).. ولذلك فقد كان أحمد بن حنبل يعتبر حكام المسلمين بعد هذا الحديث ملوكًا وسلاطين. وبوسع من يقرأ كتب التاريخ المعتبرة عند أهل السنة مثل كتب الطبري وابن الأثير وابن خلدون والسيوطي وابن كثير ملاحظة أن تاريخ الملوك (أوالخلفاء) المسلمين منذ تحول الخلافة إلى نظام ملكي وراثي كان تاريخا للصراع الدنيوي على السلطة والثروة، فيما أصبح الخلفاء ملوكاًيصلون إلى السلطة بواسطة القهر والقوة والغلبة والوصية والعهد والاستحلاف بالله بعد البيعة الإجبارية بعيدا عن الشورى والمراقبة والنقد والمحاسبة.
وبحسب كتاب تاريخ الطبري وتاريخ الخلفاء للسيوطي فإن عددا من الخلفاء كانوا يشربون الخمر علنا في مجالسهم ومنهم الخليفة العباسي الهادي حسبما يقول السيوطي في تاريخ الخلفاء نقلا عن الإمام الذهبي، بالإضافة إلى الخليفة المتوكل الذي تبنى المذهب الحنبلي وألغى العمل بمذهب المعتزلة فور وصوله إلى الحكم بعد وفاة أخيه الخليفة الواثق، حيث تميز المتوكل بالانهماك في اللذات والشراب واللهو(ص 323)، أما الخليفة المقتدر بالله فقد (كان خاضعا للنساء) (356)، فيما كان الخليفة القاهر سفاكا للدماء ومدمنا على الخمر (359).
وقبل هؤلاء كان الوليد بن يزيد بن عبدالملك قد وصل إلى الحكم في العهد الأموي بناء ً على وصية أبيه بولاية العهد اليه بعد أخيه هشام، حيث تسلم الوليد سدة الحكم على إثر موت اخيه هشام في شهر ربيع الآخر 125 هجرية، ((وكان فاسقاً فاجراً، وقد رشق القرآن بالسهام حتى سُمِّي فرعون الأمة))، بحسب ما نقله السيوطي عن الامام شمس الدين الذهبي في كتابه (تاريخ الخلفاء ص 234)، ما أدى إلى الخروج عليه، وقتله على يدي يزيد الناقص، فيما تبرأ منه أخوه سليمان بن يزيد، وقال عندما شاهد رأسه مغروسا في رمح: ((بُعداً له، أشهد أنه كان شروبا للخمر، وماجنا وفاسقا، ولقد راودني عن نفسي )) (السيوطي تاريخ الخلفاء ص 233).
تأسيسا على ما تقدم يمكن القول إن ثمة التباسا نشأ عبر التاريخ بين الاستبداد والإسلام بما في ذلك الفكر الملكي الذي التبس هوالآخر بالفقه الاسلامي السُنِّي، خصوصا بعد ظهور ما يسمى بالفقه السلطاني في أحضان المذهب الملكي السني.. وقد أدى انتشار وتغوُّل هذا الفقه الملكي السلطاني إلى تخلف المسلمين وانحطاطهم ودخولهم نفق التخلف والاستبداد والاستعمار، الأمر الذي أسفر عن ظهور حركات إصلاح إسلامية استهدفت ولا زالت تستهدف في المقام الأول إعادة بناء الفكر السُنِّي وإكسابه مضامين ديمقراطية معاصرة من خلال نقد فقه الاستبداد، والانفتاح على الثقافة السياسية الديمقراطية، التي تؤمن بالتعددية والتنوع والتداول السلمي للحكم وانتخاب الحكام وهيئات سلطة الدولة من قبل الأمة عبر انتخابات تنافسية حرة ومباشرة بواسطة صناديق الاقتراع، وصولاً الى ممارسة الرقابة على شاغلي الوظائف العليا من خلال آليات دستورية تضمن حقوق المشاركة الشعبية في إدارة شؤون الدولة والمجتمع المدني، بما فيها ضمان حق المعارضة في التعبير عن آرائها حول أسلوب إدارة الحكم بواسطة الاحتجاجات والمظاهرات السلمية والصحافة الحرة، وهوما يشكل أبرز ملامح المشروع الوطني الديمقراطي للرئيس علي عبدالله صالح على طريق الانتقال من الاستبداد الى الديمقراطية، ومن الثورة الى الدولة، الأمر الذي يستلزم مزيداً من المقاربة الموضوعية لرصيد الرئيس علي عبدالله صالح في مجال بناء الدولة الوطنية الحديثة، بما ينطوي عليه هذا الرصيد من قطيعة تاريخية مع الفكر الملكي بشقيه السني والشيعي، على نحوما سنأتي اليه لاحقاً بإذن الله.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
أدوات المطامع الخليجية
توفيق الشرعبي
مقالات
كاتب/فيصل جلولدولة بلطجية ومجرمة
كاتب/فيصل جلول
كلمة  26 سبتمبرالصحافة اليمنية !
كلمة 26 سبتمبر
دكتور/أحمد اسماعيل البواببين النفط والاقتصاد
دكتور/أحمد اسماعيل البواب
مشاهدة المزيد