الإثنين 19-11-2018 14:37:34 م : 11 - ربيع الأول - 1440 هـ
مأزق البيعة بعد ربطها بيمين الطلاق والعتاق
بقلم/ كاتب/أحمد الحبيشي
نشر منذ: 8 سنوات و 5 أشهر و 16 يوماً
الخميس 03 يونيو-حزيران 2010 08:44 ص

تناولنا في الحلقة الماضية من هذا المقال تحول الخلافة الراشدة إلى نظام ملكي وراثي استبدادي (عضوض) في العهد الأُموي الذي تأسس على القوة والغلبة والعصبية السلالية، حيث كان هذا التحول بمثابة قطيعة مع قيم الإسلام التي جاء بها القرآن، ما أدى إلى دخول الفكر السياسي الملتبس بالدين مأزقاً تاريخياً قدم من خلاله فقهاء النظام الأموي ومن بعده النظام العباسي غطاء دينياً شرعياً للاستبداد الذي لم يكن من صفات الحكام فقط ، بل ولم تسلم منه حركات المعارضة بشقيها (السني والشيعي) التي كانت ترفع شعارات الشورى والعدل، ثم تعود إلى ممارسة الاستبداد فور وصولها إلى الحكم، من خلال توظيف التراث الفقهي لكل من المذهب الملكي السني والمذهب الإمامي الشيعي ، وكلاهما مذهبان ملكيان لا يمكن فصلهما عن السياق التاريخي للمذاهب الدينية الملكية التي شوهت التاريخ اليهودي، والتاريخ المسيحي قبل الإسلام، على نحو ما أوضحناه في الحلقة الماضية والحلقات التي سبقتها.
والثابت تاريخياً أن الاستبداد وغياب الشورى والعدل من أهم العوامل التي أرهقت نظم الخلافة الملكية الوراثية في العهدين الأموي والعباسي بالصراعات الدامية والمؤامرات والثورات الداخلية، وما ترتب على ذلك من إضعاف للطابع الإمبراطوري لدولة الخلافة، وحصر مركز الحكم في عاصمة دولة الخلافة، مقابل ظهور دول ملوك الطوائف على أطرافها، حيث كانت اليمن واحدة من الأطراف التي تعاقبت عليها دول ملكية طائفية لم تخل من الاستبداد وغياب الشورى والعدل، وآخرها الدولة المتوكلية التي أفرزت نظامًا إمامياً طائفياً وراثياً، قام على أساس القوة والقهر والغلبة، فيما كان الاستبداد والتخلف وغياب الشورى من أبرز سماتها التي وجدت غطاءً مذهبياً ملكياً أضفى الشرعية الدينية على حكام ذلك النظام الاستبدادي الذي قاومه وخرج عليه شبعنا اليمني وحركته الوطنية المعاصرة عبر نضال طويل ومعمد بدماء الشهداء، وصولاً إلى قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م والرابع عشر من أكتوبر 1963م.
ولعل أبرز ما تميزت به الثورة اليمنية التي قضى عليها النظام الإمامي بما هو أحد أبرز بقايا الدولة الدينية في التاريخ الإسلامي الحديث بعد سقوط نظام الخلافة مع مطلع القرن العشرين المنصرم إنها شكلت قطيعة مع التراث الفقهي الملكي الذي استند إليه الحكام والمعارضون في نظم الخلافة الأُموية والعباسية والعثمانية ودول ملوك الطوائف على أطرافها، بمعنى أن الثورة اليمنية لم تستمد شرعيتها ومنطلقاتها الفكرية والسياسية من المذاهب الملكية الدينية بشقيها السني والشيعي، بل إنها استمدت شرعيتها من انتمائها إلى التاريخ المعاصر بما هو تاريخ حركات التحرر الوطني والقومي من أجل بناء الدولة الوطنية المدنية التي تحقق لمواطنيها الحرية والديمقراطية والعدالة والكرامة الإنسانية، وهو ما تشير إليه الأهداف الستة للثورة اليمنية التي تعرضت لتحديات ومخاطر صعبة على تربة الموروث الفقهي والسياسي لثقافة الاستبداد والخضوع التي كانت تدعو الناس إلى طاعة الحاكم الظالم، والصبر عليه حتى وإن جلد ظهورهم ونهب حقوقهم.
عند وصوله إلى سدة الحكم تعامل الرئيس علي عبدالله صالح مع بيئة سياسية معاقة بالكوابح ومثقلة بالأمراض التي خلقتها مشاريع بالية فشلت في صياغة مشروع وطني ديمقراطي قابل للتنفيذ والاستمرار، وعجزت في الوقت نفسه عن تقديم بديل حقيقي لثقافة الاستبداد التي كرستها الدولة الدينية الثيوقراطية المتوكلية قبل قيام الثورة والجمهورية.
وتبعاً لذلك كان الاستبداد المتدثر برداء الخطاب الثوري الجديد أكثر قسوةً ومضاضةً على المجتمع، من الاستبداد المختبئ خلف الخطاب الديني للنظام الإمامي البائد، فيما كان حجم الجراح الموروثة عن أخطاء قوى الثورة أشد خطراً على الحرية والحقيقة من ثقافة الاستبداد نفسها.. بمعنى أن الرئيس علي عبدالله صالح وجد نفسه أمام مهمة تفكيك بنية الاستبداد وبنية التجزئة بعناصرها المتنوعة سواء تلك الموروثة عن أمراض ما قبل الثورة، أو عن أخطاء التاريخ .
ولما كان ملوك وأئمة اليمن يحكمون باسم الحق الإلهي، فقد وجدوا في موروث المذاهب الملكية اليهودية والمسيحية والإسلامية غطاءً يمنحهم شرعية دينية تلزم الناس بمبايعة حكامهم وطاعتهم والصبر عليهم حتى ولو جلدوا ظهورهم ونهبوا أموالهم ، ثم تدفعهم بعد ذلك إلى الإكثار من الصلوات والتفرغ للزهد والانصراف عن العمل والعمران ، وترعبهم في الوقت نفسه بالتشدد في العبادات ، والتوسع في المحرمات والإفراط في الترهيب من عذاب القبر وجحيم الآخرة ، دون أن تلزم الحكام بشيء إزاء الأمة ، بذريعة أن الحكام يستمدون سلطانهم من الله الذي ولاهم على الناس ، بحسب مزاعم الشيخ عبدالعزيز الدبعي في ختام الملتقى السلفي العام الذي انعقد في صنعاء أواخر مايو 2009م.
وقد أوضح المفكر الشهيد محمد محمود الزبيري في كتابه (الإمامة وخطرها على وحدة اليمن – ص 12/ 13) خطورة الإدعاء بأن الحكام يستمدون سلطتهم من السماء بقوله : (كل ملوك الأرض وكل طغاتها في التاريخ لا يستطيعون التربع على عروشهم إلا على أساس القهر والعصبية والمذهبية.. وحسب الواحد منهم أن يتربع على العرش ثم يقول للناس : إن الله هو الذي ولاه سلطاناً على الناس.. وأن الله هو الذي يأمر الناس بأن يطيعوه ويخدموه).
ويضيف الزبيري : (أما رسالة الأئمة والملوك التي يضطلعون بها فهي بث روح الزهد والانصراف عن عمارة الحياة والتنديد بكل نزعة إلى إعمال العقل والبناء والعمران، عدا بناء القصور والمساجد.. وهذا عندهم هو المفتاح السحري للسر المغلق في تاريخ اليمن على مدى أكثر من ألف عام)، في إشارة واضحة من الزبيري إلى أن الاستبداد في اليمن هو امتداد تاريخي لطغيان ملوك الأرض وملوك المسلمين طوال هذه الفترة الهامدة التي تمتد إلى القرون الهجرية الأربعة الأولى قبل أكثر من ألف عام.
ومن نافل القول إن وصول الرئيس علي عبدالله صالح إلى الحكم عام 1978م ، ارتبط بنزوعه الى إعادة الاعتبار لأهداف الثورة اليمنية التي حرص الرئيس على أن يستمد منها شرعيته الوطنية، بعيداً عن موروث الفكر الملكي الملتبس بالدين والمذهب ، كشرط لبناء دولة وطنية مدنية موحدة تقوم على قواعد الديمقراطية التعددية (شورى أولي الأمر) بدلاً من نظام ولي الأمر، ويختار فيها الشعب رجالاً ونساء ًحكامه عبر انتخابات حرة ومباشرة تتنافس فيها برامج سياسية مختلفة.
ومما له دلالة ومغزى عميقين أن الرئيس علي عبدالله صالح حرص منذ اليوم الأول لوصوله إلى الحكم على أن يتم اختياره من خلال مجلس الشعب الذي تم تشكيله من خلال إجراءات انتخابية تأسيسية شاركت فيها نخب سياسية وفئات اجتماعية تشكل القوى المحركة للمجتمع السياسي في ظروف انتقالية دشنتها حركة 13 يونيو التصحيحية التي قادها الرئيس الراحل إبراهيم الحمدي، وتميزت بتوجهات حذرة للخروج من نفق الركود الذي أصاب البلاد منذ انقلاب 5 نوفمبر 1967م، وما تلاه من أزمات ومعضلات سياسية اقتصادية وأمنية.
وبوسعنا القول إن وصول الرئيس علي عبدالله صالح إلى الحكم بواسطة الاختيار المباشر من مجلس الشعب التأسيسي كان له أثر كبير في إطلاق قيم الشورى والديمقراطية، وبلورة العناوين الرئيسية لمشروع وطني ديمقراطي يستند إلى مبادئ التسامح والحوار والانفتاح على المعارضة، والاعتراف بحقها في الوصول الى الحكم أو ممارسة حرية التعبير والاعتراض بالوسائل الدستورية ، بدلاً من إجبار الناس على وجوب طاعة ولي الأمر، والتهديد بقطع أعناق الروافض والمخالفين والمعارضين لمشروعه السياسي، وبتأثير ذلك نجح الرئيس في إكساب النظام الجمهوري مضمونا وطنياً ديمقراطياً في بيئة ثقافية وسياسة مثقلة بإرث الاستبداد في التاريخ الإسلامي عموماً واليمني خصوصاً، منذ تحول نظام الخلافة من الشورى والعدالة إلى القوة والغلبة والقهر، حيث تغيرت طبيعة البيعة التي كان يقدمها المسلمون في البداية إلى الحكام الذين يتم اختيارهم من قبل ممثلي الأمة، وهو ما لم يعد موجوداً بعد إلغاء الشورى وبروز ظاهرة انتزاع البيعة بالقوة والإكراه، وتوريث الحكم بالوصية حيث كان الإكراه فيها أكثر وأغلب بحسب ما جاء في مقدمة ابن خلدون (معنى البيعة – الفصل 29).
ومما له دلالة أن البيعة بعد تحول الخلافة إلى نظام ملكي وراثي ، ارتبطت بإجبار الناس على الاستحلاف للتأكد من ضمان ولائهم للحكام، وهو ما لم يكن الناس يُجبرون عليه بعد أداء البيعة في عهد الخلفاء الراشدين الأربعة، وقد بدأ هذا التحول في عهد معاوية بن أبي سفيان الذي أخذ البيعة بالإكراه، ثم استحلف الناس بالله بعد البيعة على طاعته، وتبعه في هذه السنَّة الملكية ابنه يزيد وبقية الحكام الأمويين والعباسيين والسلاجقة والمماليك وملوك وسلاطين دول الطوائف الذين استولوا على السلطة بالقوة والغلبة.
وقد تطورت أشكال البيعة من الاستحلاف بالله إلى الاستحلاف بالطلاق والعتاق، حيث أورد أحمد بن عبدالله القلشقندي في كتابه (مآثر الإنابة في معالم الخلافة – الجزء الثاني – ص 260) نموذجاً للبيعات القسرية المرتبطة بالاستحلاف ، كأنْ يقال : (( أنا فلان بن فلان أبايع أمير المؤمنين فلانا ابن فلان الذي ولاه الله واصطفاه وارتضاه خليفة له، وجعل طاعته موجبة على الخلق، وأقسم بالله على السمع الطاعة لما يقوله الأمير.. فمتى ابتعدت عن هذه المحجة أكون قد جحدت الله ربوبيته، وأنكرت وحدانيته .. وكل ما أحله الله لي محرم عليّ، وكل ما أملكه يوم رجوعي عن هذه البيعة وهذه المحجة من مال موجود ومذخور ومصوغ ومضروب وسارح ومربوط وسائح ومنقول وأرض وضيعة وعقار وعقد’ ومملوك وأمة وصدقة محرم على مر السنين. وكل امرأة أتزوجها طالق ثلاثاً بتاتاً طلاق الحرج والسنة لا رجعة فيها، وهذه اليمين أحلف بها وأقولها قولاً فصيحاً، ولا يقبل الله مني توبة ولا رجعة ولا إقالة عثرة.. وأشهد الله على بيعتي واستحلافي وكفى بالله شهيدًا).
ومن المفارقات العجيبة أن المواطن العادي كان يبايع الحاكم بحلف اليمين المغلظة على الطلاق والعتاق وغضب الرحمن.. لكنه لم يكن يأخذ بالمقابل عهدًا من الحاكم بأن يلتزم بشيء يضمن له العدل ، لأن ثمة حديثاً اخترعه فقهاء الاستبداد ونسبوه إلى الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام، يُلزم الناس بالسمع والطاعة للحاكم الظالم ، والصبر عليه حتى وإن جلد ظهورهم ونهب أموالهم، وهو ما أدى إلى تكريس ثقافة الاستبداد وثقافة الخضوع التي صرفت الأمة عن مراقبة الحكام وتقويمهم بالنقد والمعارضة.
ولا ريب في أن ذلك يتناقض مع جوهر الإسلام الذي جاء لتحرير الأمة من الظلم وإقامة العدل.. وبلغ هذا التناقض ذروته عندما قام فقهاء المذهب الملكي السني بوضع أحاديث منسوبة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام بهدف إضفاء الشرعية الدينية على الحاكم، وتبرير قطع أعناق المخالفين الذين يمتنعون عن بيعته ، ويخرجون عن طاعته ، على نحو ما كان يمارسه الملوك والحكام الظلمة.
ويروي السيوطي في (تاريخ الحلفاء) أنه عندما مرض الخليفة الأموي سليمان بن عبدالملك بن مروان سأل رجاء بن حيوة : (من للخلافة بعدي ؟ قال : أرى أن تستخلف عمر بن عبدالعزيز.. قال أخاف أخوتي لا يرضون. قال : تستخلف عمر ومن بعده يزيد بن عبدالملك، وتكتب كتاب وتدعو الناس إلى بيعتهما مختوماً. قال : لقد رأيت ، فدعا بقرطاس وكتباً فيه العهد ثم دفعه إلى رجاء وقال : أخرج إلى الناس ليبايعوا ما كان فيه مختوما، واستحلفهم الله بالطلاق وبالعتاق بعد البيعة، فمن أبى وخرج عن الطاعة فأضرب عنقه.. فبايعوا وحلفوا بالله على ذلك)!!.
والثابت أن القرآن الكريم والسيرة النبوية المطهرة لا يشيران إلى تفاصيل النظام السياسي بعد الرسول عليه الصلاة والسلام، ناهيك عن أن نظام الخلافة الراشدة كان مدنياً وليس دينياً، حيث قام نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين استناداً إلى العرف والعقل والمصلحة. بيد أن الطابع الديني للخلافة بعد الخلفاء الراشدين الأربعة أضفى على الملوك صفة ظل الله على الأرض بعد أن تحولت الخلافة إلى نظام ملكي وراثي استبدادي استناداً إلى مصدرين تشريعيين وضعيين كلاهما من صنع البشر وليس من السماء ، وهما الأحاديث الموضوعة التي نسبها الملوك وفقهاؤهم إلى الرسول الأعظم تحت مُسمّى السُنَّة، بالإضافة إلى مبدأ الإجماع الذي تفرع عن الأحاديث ، ويزعم بعدالة وعصمة الصحابة أجمعين، حيث يعتبر المذهب الملكي ما يسميه (الإجماع) مصدراً ثالثاً للتشريع بعد القرآن والأحاديث.
ومن نافل القول إن المقصود بالأحاديث ليس السنة النبوية العملية الثابتة والمتواترة التي أجمع على قبولها جميع المسلمين من مختلف المذاهب والطوائف الإسلامية، وإنما الأحاديث المتناقضة والضعيفة وأخبار وروايات الأحاد المشكوك بصدورها عن الرسول الأعظم، والتي انتشرت وتكاثرت في القرون الثلاثة الهجرية الأولى، حتى بلغت مئات الألوف . وكان الأخذ بتلك الأحاديث مقصوراً على الحنابلة ممن أطلقوا على أنفسهم صفة (أهل الحديث)، ولم يكن يشمل المذاهب السنية، ثم توسع مفهوم أهل الحديث في القرن الرابع الهجري ليشمل الأشاعرة من المالكية والشوافع، ولم يدخل ضمن أهل الحديث أصحاب وأتباع الإمام أبو حنيفة الذين كانوا يسمون (أهل الرأي)، حيث ذهب أبو حنيفة إلى رفض أخبار وروايات وأحاديث الأحاد إذا خالفت القرآن الكريم والعقل والقياس والمصلحة، ولم يدخل هؤلاء في إطار أهل السنة إلا بقرار من الخليفة العباسي القادر بالله في القرن الخامس الهجري.
أما المعتزلة الذين كان مذهبهم سائداً بقرار من الخليفة المأمون، واستمر حتى عهد الخليفة الواثق، فقد تشددوا في رفض الأحاديث المنسوبة إلى الرسول ، واشترطوا لقبولها أن توافق القرآن ولا تعارض العقل.
إلى ذلك اختلف الفقهاء حول تعريف وتأصيل الإجماع بما هو المصدر الثالث للتشريع عند أهل السنة ، لجهة اقتصاره على إجماع جيل الصحابة الذين سجل التاريخ سيرتهم بعد وفاة الرسول ملطخة بالدماء ، ومثقلة بالصراعات التي نشبت بينهم وحالت دون إجماعهم على أمر محدد، أو شموله لمن يسميهم فقهاء المذهب السني بالسلف الصالح من التابعين في العصور اللاحقة، فيما ذهب بعضهم إلى حصر الإجماع بالفقهاء فقط ، أو أهل الحل والعقد. كما اختلف الفقهاء في تعريف نطاق وحدود الإجماع ومدى اقتصاره على الأمور الشرعية فقط، أم أنه يشمل جميع مجالات الحياة.
وفي حين رفض الإمام الشافعي وضع الإجماع فوق القرآن والسنة النبوية الثابتة، ذهب الحنابلة إلى وضع الإجماع فوق القرآن والسنة بعد أن وضعوا السنة بمعنى الأحاديث المنسوبة إلى الرسول فوق القرآن، ثم جعلوها حاكمة عليه إذا تناقضت الأحاديث مع تعاليم ومبادئ وأحكام القرآن !!.
ومن جانبه رفض الإمام أحمد بن حنبل القياس والرأي ، وذهب إلى تفضيل الأحاديث المرسلة والضعيفة والمشكوك بها على الرأي، واعتبرها أصلاً من أصول الدين، كما اتخذ موقفاً متميزاً من الصحابة حيث أخذ ينظر إلى القاتل والقتيل منهم نظرة واحدة ورفعهم جميعا فوق مستوى النقد إلى درجة تقارب العصمة والقدسية، كما رفض أحمد بن حنبل أي نقد لهم حتى ولو كان صحيحاً وثابتاً، وفضل إغلاق باب التاريخ دونهم، واعتبر موقفه هذا من الصحابة جزءاً من السنة، وأي مخالفة له خروجاً عنها وسقوطاً في البدعة والزندقة، وبلغ تطرف الإمام أحمد بن حنبل في تقديس الصحابة إلى حد القول بأن كل من صحب رسول الله سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعةً أو رآه فهو من أصحابه وبالتالي فإن كل ما يرويه الوضَّاعون على لسانهم صحيح ولا يحتاج إلى نقد.
وتبعاً لرؤية المذهب السني أصبح تاريخ الصحابة جزءاً من سُنَّة الرسول، وبالتالي فإن أهل السنة لم يتوقفوا عند سنة الرسول العملية أو القولية، وإنما أضافوا تاريخ الصحابة إلى سنته ، وما ترتب على ذلك الخلط من إضفاء الشرعية الدينية على ممارسة كثير من الحكام الأمويين والعباسيين التي لم يتحدث عنها الرسول الأعظم، واعتبروها جزءاً من السنة النبوية استناداً إلى حديث يقول : (( إذا ذُكر صحابي فأمسكوا، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً)) !!
ونتيجة للانفتاح الكبير على الأحاديث وقبولها بغض النظر عن معارضتها للقرآن ، وقع فقهاء المذهب الملكي السني وفي مقدمتهم الحنابلة ضحية أحاديث تضفي صفات القداسة على عموم الصحابة ، مثل حديث (( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) . وقد حيث استفاد من هذا الحدث بعض الحكام والقادة العسكريين المحسوبين من الصحابة، باعتبار أنهم عدول ونجوم، على الرغم من تناقض نظرية عدول الصحابة مع القرآن الكريم الذي لا يرفع درجة الإنسان إلا بمقدار ما يقوم به من العمل الصالح حتى ولو كان أقرب المقربين من الرسول، بل والرسول نفسه لقوله تعالى : {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (الزمر الآية 65).. وقوله تعالى : {قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (الأنعام الآية 15).
وبحسب المفكر الإسلامي الدكتور طه جابر العلواني في دراسة بعنوان (نقد المتون) والتي نشرها في مجلة (إسلامية المعرفة – العدد 30 – أكتوبر 2005م) ((كانت السنة في القرن الأول الهجري تعني الأمور التطبيقية والعملية والفعلية التي واظب عليها رسول الله حتى صارت طريقة له في العمل والحياة . أما استعمال مفهوم (السنة) في كل ما نسب أو أضيف إلى رسول الله من أقوال وأخبار وروايات فهو مفهوم شاع وانتشر بعد عصر التدوين الرسمي للأحاديث في عهد الخليفة العباسي المنصور وبقرار منه، ثم جرى تداول تلك الأحاديث تبعاً لآراء الفقهاء المحدثين حول معانيها وحدودها في ظروف سياسية لم تخل من الاستبداد والثورات والصراعات الداخلية على السلطة والثروة، والتي تركت آثاراً سلبية على مسار تطور المذهب الملكي السني منذ نشوئه في القرن الهجري الأول، حتى وصوله إلى مأزقه الراهن في العصر الحديث، بما هو عصر ثورات التحرر الوطني ضد الاستبداد والاستعمار ، ومن أجل الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة، وهو ما سنتناوله في الحلقة القادمة بإذن الله.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
أدوات المطامع الخليجية
توفيق الشرعبي
مقالات
استاذ/عباس الديلميالتداوي بالسرطان
استاذ/عباس الديلمي
كاتب/نصر طه مصطفىمن وحي شهر مايو...
كاتب/نصر طه مصطفى
دكتور/أحمد اسماعيل البوابالثقافة الاقتصادية والمصرفية
دكتور/أحمد اسماعيل البواب
رئيس التحرير/علي حسن الشاطرالفرصة السانحة
رئيس التحرير/علي حسن الشاطر
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةأعداء الإنسانية..!!
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
مشاهدة المزيد