الأربعاء 14-11-2018 14:50:07 م : 6 - ربيع الأول - 1440 هـ
باسطا.. مزاعم انسانية وديمقراطية!!
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 8 سنوات و 6 أشهر و 29 يوماً
الخميس 15 إبريل-نيسان 2010 10:21 ص
انتشرت حادثة الصبية اليمنية التي قيل انها قاصر أرغمت على الزواج انتشرت في وسائل الاعلام العربية والدولية كالنار في الهشيم ومع انتشارها اطلق بعض المعلقين العنان لاحكامهم كعادتهم في مثل هذه الحالات، هذا يعطي اليمنيين دروساً في التحضر والمدنية، وذاك يربط الحادثة بما جرى في الشمال، وما يجري في الجنوب والثالث يحمل النظام المسؤولية وكأن الدولة تلزم المواطنين بتزويج بناتهم القاصرات، والرابع يرى ان ما حدث يعكس ظاهرة عامة وشاملة، وبالتالي يحتاج الى اجراءات عقابية بحق الاهل الذين يكرهون القاصرات على الزواج تحت سن الرشد.
   الواضح أن حادثة الاسبوع الماضي ليست الاولى من نوعها في اليمن، وقد لا تكون الاخيرة علماً أن هذا النوع من الحوادث منتشر في عدد من الدول العربية والاسلامية، ناهيك عن الدول الغربية التي تنتشر فيها جرائم جنسية موصوفة بحق القاصرات والقاصرين، ولا ندري ان كان احد يعرف بدقة حجم الزيجات من قاصرات في اليمن، وفي غيره طالما ان الامر يتم في نطاق اسر لا يسعدها تسليط الاضواء على قضاياها الخاصة.
والحق ان زواج القاصر يصعب الدفاع عنه وتغطيته حتى باجتهادات دينية وهو مثير للغضب عندما يتم قبل البلوغ، ولا ادري كيف يمكن للزوجة أن تكون اسرة في سن التاسعة او العاشرة او حتى الخامسة عشرة وهي لم يكتمل تكوينها بعد، اما البلاء الاعظم فهو الزواج الارغامي مع فارق في السن لثلاثة او اربعة عقود او حتى خمسة عقود، وهو بلاء لا يطاق حقاً وربما يحتاج الى تدخل مباشر من الدولة لحماية القاصرات المرشحات لهذا النوع من الزواج واعانتهن على الافادة من سنوات الطفولة قبل سن الرشد، وحتى يكون تدخل الدولة في هذه القضية فعالاً لا بد ان يمر بمراحل تمهيدية من بينها:
اولاً: الاستعانة باحصائيات الاحوال الشخصية لمعرفة حجم الزيجات القاصرة، وبالتالي تقدير المخاطر بالقياس الى الحجم.
ثانياً: لابد من معرفة المناطق التي تعقد فيها زيجات من هذا النوع، وهل هي محصورة في منطقة اكثر من غيرها ولماذا؟، ومن ثم التعرف الى حجم الظاهرة في المدن وحجمها في الارياف، وبين العائلات الثرية والعائلات الفقيرة للتعرف على الخصائص الجهوية والطبقية لهذه المشكلة.
ثالثاً: يجدر الاستعانة بباحثين مختصين بالاحصاء والاستقصاء للاستماع الى المعنيين ومعرفة دوافعهم، وما اذا كانت الزيجات تتم قسراً في كل الحالات ام بالتراضي، وكيف تتم وهل يلعب المهر المرتفع دوراً غالباً فيها ام علاقات القرابة ام للتخلص من "هموم" البنات كما يقال في اقرب فرصة ...الخ.
واذا تعرف الاسباب التقريبية، ويعرف الحجم وموقع المشكلة يسهل من بعد البحث عن الحل او حلول ملائمة وارجح ان يكون الحل بالضرورة شاملاً للنواحي الاسرية والتربوية والادارية، ويمكن في بعض الحالات رفض تسجيل المواليد الجدد في لوائح الاحوال الشخصية اذا ما كانت الام قاصر، ويبقى الرهان الاكبر على تغيير وعي الرأي العام اليمني الذي يعتقد بقوة ان زواج القاصر حق مشروع عرفاً وديناً، ولا يتم ذلك الا عبر تدخل المشرع اليمني الجريء، وبالتالي اصدار قانون يعتبر هذا الامر جريمة تستحق العقاب.
  "باسطا".. للمزاعم الانسانية والديموقراطية!!
انتشر مفهوم التدخل الدولي "لاسباب انسانية" بعد نهاية الحرب الباردة لحماية "الاقليات" من "الاضطهاد" في دول مستقلة. وسرعان ما استخدم لابتزاز دول ضعيفة وتحريض اجزاء من شعوبها على حكامها واعانتهم على التمرد بوسائل متعددة تتراوح بين استصدار قرارات عقابية من المؤسسات الدولية، وتأسيس شبكات حقوقية محلية تشرف عليها و تدربها وتمولها وتضع شرائعها دول غربية.
والواضح ان التدخل الغربي "لاسباب انسانية" في شؤون الدول العاصية او الممانعة او الثرية او المتمردة او القائمة في مواقع استراتيجية هو صيغة مرواغة للتدخل الغربي من اجل" التنوير والتحديث" في القرنين الثامن والتاسع عشر، ومطالع القرن العشرين والذي كان يفضي الى حملات استعمارية و سلب الشعوب "المرشحة للحداثة" حريتها وسيادتها على مصيرها، فقد احتل الصهاينة فلسطين من اجل "حمل الطبابة والتعليم والتقدم لجيرانهم العرب" على ما يروي شمعون بيريز رئيس الكيان الصهيوني، واحتل بونابرت مصر من اجل" القضاء على استبداد المماليك"، واحتلت بريطانيا شبه القارة الهندية من اجل "تحضيرها"، واحتلت فرنسا الجزائر من اجل "تمدين وتعليم الشعب الجزائري"، وقس على ذلك كل المشاريع الاستعمارية المعروفة.
وكما انطلت تلك المزاعم على الشعوب المستضعفة في القرون المذكورة تنطلي اليوم مزاعم التدخل "لاسباب انسانية" على نخب وشعوب مستضعفة، واذ نسخر من تبرير بيريس للمشروع الصهيوني فاننا لا نسخر بالقدر نفسه من تبرير بونابرت لحملته العسكرية على مصر، وكاننا نحتاج الى احتلال دائم ومباشر حتى نقتنع بخدع الاجنبي واحابيله.
ولعل الاقتراب اكثر من يومياتنا يفيد في تظهير الصورة على قياس الواقع، فقد استخدمت الدول الغربية مفهوم التدخل الخارجي "لاسباب انسانية" في العراق ل"حماية الاكراد" الذين وضعتهم اتفاقية "سيفر" الغربية، حيث هم، وما كان امرهم وامرنا بيدنا في ذلك الحين فاذا بمن وضعهم ووضعنا معهم بالامس في دولة واحدة يتدخل للفصل بيننا وبينهم "لاسباب انسانية" واذ امتنعنا عن الاستجابة صار ما صار في العراق المحتل والمدمر.. "لاسباب انسانية" وصار من لعبوا لعبة المحتل "ديموقراطيين" لا يشق لهم غبار، وصارت اللعبة السياسية "ديموقراطية"، وصار العراق كله يحتاج الى من يحميه، وليس جهة واحدة من جهاته.
وفي جورجيا استخدم الغربيون في لحظة ارتخاء روسية المنظمات والجمعيات الحقوقية "لاسباب انسانية" ونجحوا في اشعال ثورة "ديموقراطية" قلبت الحكم الموالي للروس، وجاءت بمتعاون سابق مع "سي. اي. اي" رئيساً للجمهورية فلعب دون تحفظ لعبة الذين جاؤوا به وتحرش بروسيا فكان ان خسر ت جورجيا اجزاء من اراضيها في ابخازيا واوسيتيا الجنوبية بعد ان قلب الروس السحر على الساحر عندما وفروا الحماية للاوسيتين والابخازيين.. "لاسباب انسانية".!!
وفي قيرغيزيا استخدمت الولايات المتحدة ثورة "السوسن" الديموقراطية لقلب نظام حكم الرئيس الموالي للروس "عسكر اكاييف" ومن ثم بنت قاعدة عسكرية على الحدود الروسية فكان ان لعب الروس اللعبة نفسها بعد تراكم الصعوبات الامريكية في افغانستان وقلبوا الحكم "الديموقراطي" الموالي للغرب وجاؤوا بحكم "ديموقراطي" موالٍ لهم.
وفي اوكرانيا كنس الروس "الثورة البرتقالية" الديموقراطية عبر ثورة "ديموقراطية" موالية لهم، ومن المنتظر ان يواصلوا كنس النفوذ الامريكي "الديموقراطي" هنا وهناك على حدودهم حتى تعود الامور الى سابق عهدها ويقتنع الغرب ان روسيا محقة ايضاً في حماية مصالحها بالوسائل الانسانية والديموقراطية التي استخدمها الغربيون وبالتالي "ما حدا احسن من حدا" في هذه الميلودراما "الديموقراطية والانسانية" المثيرة للتقزز والاشمئزاز.
خلاصة ما سبق ان القوى التي سيطرت على العالم الثالث باسم "التحديث والتمدين" تواصل سياستها في عصر مختلف بمزاعم نشر "الديموقراطية"، وحماية الاقليات واحترام حقوق الانسان، والمفجع في هذه السيرورة ان اسلافنا خدعوا بشعارات الامس، وهانحن قد خدعنا للتو بشعارات اليوم.. مع فارق كبير هو اننا بذلنا وقتاً طويلاً لاكتشاف خدع الماضي في حين نكتشف خدع اليوم لحظة انتشارها، ولسان حالنا يقول بالايطالية .. «باسطاً للمزاعم الانسانية».. «باسطاً للمزاعم الديمقراطية».