الخميس 15-11-2018 06:45:33 ص : 7 - ربيع الأول - 1440 هـ
الفكر الإمامي.. مسار سياسي ملتبس بالخرافات والتدليس
بقلم/ كاتب/أحمد الحبيشي
نشر منذ: 8 سنوات و 7 أشهر و 7 أيام
الخميس 08 إبريل-نيسان 2010 10:05 ص

سبق لنا ان أوضحنا في حلقة سابقة جانباً مهماً من محاضرة ألقاها الرئيس علي عبدالله صالح أمام طلاب جامعة صنعاء من أبناء محافظة صعدة، حيث أكد فخامته أن الدولة والثورة في الجمهورية اليمنية الموحدة لا تحاربان أي مذهب وضعي من المذاهب التي يؤمن ويعتقد بها المواطنون اليمنيون، ولا تعاديان في الوقت نفسه أي مذهب آخر يؤمن به المواطنون العرب والمسلمون في البلدان العربية والاسلامية، وكان لافتاً للنظر أن فخامته ذكر أسماء عدد من المذاهب السنية والشيعية التي تكن لها بلادنا إحتراماًَ شديداً، دون أن يعني ذلك موافقتها على فرض أي من هذه المذاهب داخل مجتمعنا بالقوة والمال، في إشارة واضحة وصريحة الى عدم وجود أي معنى للتمييز بين المسلمين في العصر الراهن استناداً الى المذاهب التي يتبعونها!!.
ولما كانت الثورة اليمنية تتبنى منذ انطلاقتها قبل 48 عاماً مشروعاً وطنياً تاريخياً لبناء دولة وطنية ديمقراطية حديثة، شأنها في ذلك شأن مختلف بلدان حركة التحرر الوطني العربية والعالمية التي تعد الثورة اليمنية (26سبتمبر 14 أكتوبر) جزءاً أصيلاً منها، فإن التمييز بين المواطنين اليمنيين يتناقض مع دستور الجمهورية اليمنية الذي يؤكد على مبدأ المساواة في حقوق وواجبات المواطنة، بعيداً عن أي شكل من أشكال التمييز العنصري والجهوي والمناطقي والقبلي والسلالي والمذهبي، بمعنى أن معايير الهوية في العصر الحديث تختلف عن معاييرها في العصور الغابرة، وعلى وجه الخصوص ما يتعلق بالانتماء وحقوق المواطنة، حيث لم يكن مفهوم الوطن والدولة القومية والولاء الوطني والانتماء الوطني معروفاً في عصور اقتصاد الخراج، وهو ما لا يعترف به الأصوليون السلفيون بسبب إقامتهم الدائمة في الماضي .
وعليه فإن الانقسامات والصراعات الدينية المذهبية التي تجاوزتها أوروبا الحديثة بعد الثورة الصناعية وميلاد الدولة القومية لم يعد لها معنى في بلدان العالم العربي والاسلامي الذي شهد هو الآخر حركات تحرر وطنية توحدت في إطارها شعوب هذه البلدان من مختلف الأديان والأثنيات والمذاهب الدينية الوضعية في مجرى النضال الوطني التحرري من أجل الحرية والاستقلال والتقدم الاجتماعي والوحدة القومية، حيث تتمتع هذه البلدان بفضل كفاح وتضحيات شعوبها بحقوق السيادة على أراضيها وبحارها وأجوائها وثرواتها، فيما يتمتع مواطنوها بحقوق المواطنة المتساوية الأمر الذي يتطلب مراجعة نقدية للأسس والعناصر التاريخية التي تكونت على أساسها المذاهب الدينية الوضعية، وفي مقدمتها كل من المذهب الملكي السني والمذهب الامامي الشيعي، بالاضافة الى دراسة وبحث التحولات التي حدثت في البنية الفكرية والمسار السياسي لكل من هذين المذهبين عبرالتاريخ.
ومما له دلالة ان الأساس الفقهي لكل من المذهب الملكي السني والمذهب الامامي الشيعي يستند الى روايات ملكية وامامية وضعية اخترعها المؤسسون الأوائل من ملوك وائمة وفقهاء كل من هذين المذهبين (السني والشيعي) ثم نسبوها الى الرسول عليه الصلاة والسلام، على نحو ما فعله قبل الاسلام ملوك وأحبار بني اسرائيل وملوك وكهنة العالم المسيحي عندما اخترعوا روايات وأحاديث ملكية وضعية، ثم نسبوها الى كل من النبيين الكريمين موسى وعيسى عليهما السلام وهو ما سبق لنا توضيحه في الحلقات الأخيرة.
وبوسع الباحث الموضوعي اكتشاف هشاشة الروايات التي يستند اليها كل من المذهبين السني والشيعي بواسطة نقد مسانيد ومتون الروايات من جهة، بالاضافة الى نقد الاستدلال النقلي والاستدلال التاريخي وصولاً الى نقد التناسخ الشكلي والتشابه الموضوعي في البناء الميثولوجي للروايات من جهة أخرى، كما يمكن اكتشاف جوانب أخرى من هشاشة الاساس الفقهي للمذهبين السني والشيعي من خلال اختلاف بل وتناقض تفسيرات الفقهاء السنة والشيعة لنصوص القرآن الكريم سواء في حقبة زمنية واحدة، أو في حقب زمنية مختلفة، مع الأخذ بعين الاعتبار ان الاختلافات والتناقضات في تفسير القرآن الكريم لا توجد فقط بين فقهاء المذهب السني وفقهاء المذهب الشيعي تبعاً لمعتقدات كل منهم، بل انها تذهب في احيان كثيرة الى سياقات متناقضة في التفسير بين فقهاء المذهب الواحد، الأمر الذي دفع بعض المؤرخين والمفكرين المسلمين المعاصرين والمتقدمين الى القول: بأن الفقهاء لم يقوموا بتعريف الاسلام، بل قاموا بتقديم تفسيرهم (الأحادي) للاسلام وفهمهم (الخاص) لشريعته انطلاقاً من بيئة تاريخية محكومة بمحددات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، لا يمكن بدون دراستها فهم طبيعة الصراعات التي دارت بين المسلمين حول السلطة والثروة في القرون الثلاثة الأولى تحديداً والقرون اللاحقة عموماً، وما ترتب على ذلك من وصول كل من المذهب الملكي السني والمذهب الامامي الشيعي الى طريق مسدود، لينفتح بعد ذلك على طريق طويل من السقوط والنهوض خلال مدى زمني يزيد عن ألف عام منذ سقوط بغداد في منتصف القرن الرابع الهجري حتى الآن، وهو ما يمكن ملاحظته بكل وضوح عند تناول المسار التاريخي للمذهب الشيعي الذي نشأ في القرن الهجري الأول على أيدي أتباع الامام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، في موازاة المذهب الملكي السني الذي نشأ علي أيدي أتباع معاوية بن ابي سفيان!!.
والثابت ان المذهب الشيعي بدأ في القرن الاول الهجري بعيداً عن نظرية (الإمامة) التي برزت لاحقاً في القرن الثاني الهجري على أيدي أتباع الشهيد حسين بن علي بن ابي طالب بعد ان رفضوا مبايعة يزيد بن معاوية وليا للعهد في بادئ الأمر وخليفة لأبيه بعد وفاته، ما أدى الى اطلاق صفة (الروافض) عليهم من قبل فقهاء يزيد بن معاوية، وعلى رأسهم الأوزاعي الذي وضع حديث حد الردة بعد ان أجاز وصية الحاكم بالولاية لأبنه من بعده، ثم أجاز استناداً الى هذا الحديث قتل كل من يرفض طاعة الحاكم ويخرج عن سلطانه، بوصفه خارجاً عن الجماعة ومنكراً لأمر معلوم في الدين بالضرورة يجعله في حكم المرتد بحسب الحديث الذي وضعه الأوزاعي ونسبه الى رسول الله: (لا يحل دم إمرئ مسلم يشهد أن لا اله الا الله وان محمداً رسول الله إلا باحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة)!!.
وبالمقابل قال فقهاء الشيعة باشتراط العصمة والنص في الامامة، ثم زعموا أن أئمة أهل البيت أحق من غيرهم بالامامة، أما مصطلح (الأثني عشرية) فقد ظهر في القرن الرابع الهجري على أيدي فقهاء الشيعة الذين زعموا بولادة ووجود الامام الثاني عشر الغائب (محمد بن الحسين العسكري)، واستمرار حياته الى يوم الظهور.
ولا ريب في أن المضمون الرئيس للفقه الامامي الشيعي كما هو الحال بالنسبة للفقه الملكي السني يكتسب طابعاً سياسياً بامتياز، لجهة ارتباطه بشروط الامامة والخلافة بمعنى رئاسة الدولة وقيادة سلطة الحكم، وطبيعتها وآليات حصرها وتوريثها في نطاق سلالة عائلية أو قبلية معينة، وهو ما يؤكد حقيقة أن تاريخ الاسلام السياسي حفل بالعديد من الصراعات والاختلافات بين الفرق والطوائف السنية والشيعية التي كانت تختلف في بادئ الأمر مع الفكر الامامي الشيعي والفكر الملكي السني حول شروط الوصية والعصمة والنص والنسب، حيث شارك في هذه الخلافات عدد كبير من البيوت الأموية والفاطمية والعلوية والهاشمية والعباسية التي تنازعت حول الحق في الحكم، ثم تصادمت بفعل المرجعيات التي استخدمته التبرير الوصول اليه سواء عبر الشورى أو الوصية لولي العهد.
يتضح مما تقدم ان فقهاء الفكر الامامي الشيعي كما هو حال الفكر الملكي السني كانوا ينزعون الى تأصيل آرائهم وأفكارهم السياسية من خلال إلباسها ثوبا دينيا وإكسابها طابعا (الهيا) على نحو ما فعله ملوك بني اسرائيل وملوك روما المسيحية عندما صاغوا بالتنسيق مع رجال الدين اليهود والمسيحيين فكرة ظل الله على الارض وفكرة التفويض الالهي، وفي هذا السياق واجهت نظرية الامامة الالهية معارضة شديدة من أهل البيت وعموم الشيعة الذين رفضوا اشتراط مبدأ العصمة التي كانت تقوم على مبدأ الطاعة المطلقة لولي الأمر وعدم الخروج عن شبر من سلطانه.
وبحسب كتب التاريخ الشيعية نفسها (بحار الأنوار) للمجلسي و(كشف المراد) للحلي و(روضة الكافي) للكليني فإن أئمة أهل البيت الأوائل رفضوا فكرة العصمة وكانوا يعلنون أمام الملأ أن آل البيت هم أناس عاديون قد يصيبون وانهم ليسوا معصومون من الذنوب والخطايا والزلل، ولعل أبرز دليل على ذلك ما قاله الخليفة الراشد علي بن أبي طالب أمام المصلين في مسجد الكوفة: (ان من حق من عظم جلال الله في نفسه أن يصغر عنده لعظم ذلك كل ما سواه.وإن من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر وبوضع أمرهم على الكبر. وقد كرهت أن يكون في ظنكم اني أحب الاطراء واستماع الثناء ولست بحمد الله كذلك، فاني لست في نفسي معصوماً من الخطأ والزلل، فانما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره، ملك منا ما لانملك من أنفسنا)، والمثير للدهشة أن هذه الخطبة التي اختصرناها لضيق الحيز وردت بنص واحد في العديد من كتب الفقهاء والمؤرخين السنة والشيعة على حد سواء، وبضمنها كتاب (روضة الكافي) للكليني، وكتاب (بحار الأنوار) للمجلسي وكتاب (نهج البلاغة) للشريف الرضي وهي من أشهر الكتب المعتمدة لدى الشيعة . وما كان للامام علي بن ابي طالب ان يقول ذلك الكلام لو أن ثمة حديثاً نبوياً عن العصمة كما يزعم الشيعة الامامية الاثناعشرية، ومن قبلهم القائلون بعصمة رجال الدين القديسين الذين أورثهم الله تعاليم الرسائل السماوية للانبياء بحسب معتقدات المذهب الملكي الكاثوليكي والمذهب الملكي السني، لأن مبدأ العصمة أو القداسة يقضي بأن يضع الامام أو رجل الدين نفسه فوق النقد، وأن يجبر معارضيه على وجوب طاعته وعدم الخروج شبراً عن سلطانه، وهو مالم يفعله الامام علي بن ابي طالب الذي ضرب أروع الأمثلة في احترام مبادئ الشورى والتواضع والصدق والزهد ومطالبة الناس بمراقبة الحاكم وتقويمه على النقيض من المذهب الملكي السني الذي يدعو الناس الى وجوب طاعة الحاكم والصبر عليه حتى ولو جلد ظهورهم وسرق أموالهم!!!!.
وبقدر ماكان مأزق نظرية (الامامة المعصومة) يكمن في أنها لم تكن تمثل إجماعاً لدى أهل الشيعة بمختلف فرقهم وطوائفهم، بقدر ما تجسد هذا المأزق في وصول الفكر الامامي الشيعي الى طريق مسدود بعد وفاة الامام الحادي عشر ابي الحسن العسكري من دون ولد ظاهر له، وما ترتب على ذلك من ظهور عقيدة جديدة على أيدي فقهاء الشيعة الموسوية الذين كانوا يلتزمون بفكرة الوراثة العمودية بين إثني عشر إماماً استناداً الى حديث اخترعه الوضاعون من الفقهاء ثم نسبوه الى رسول الله، بيد أنهم اختلفوا في تحديد اسماء الأئمة الذين أشار اليهم الحديث الموضوع، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار ان هذا الحديث موجود في كتب الحديث المعتمدة من قبل أهل الشيعة وأهل السنة على حد سواء، مع فارق بسيط في شكله الميثولوجي فقط، إذ أن أهل السنة لا يذكرون أسماء الأئمة، حيث اكتفى البخاري ومسلم بايراد أحاديث منسوبة للرسول حول الغيب والمغيبات قبل الموت يتنبأ فيها بحدوث (هرج ومرج بعد الامام او الخليفة الثاني عشر)، بينما يحدد أهل الشيعة الامامية وبالذات الجناح الموسوي المتشدد أسماءهم في إثني عشر إماما هم :علي بن أبي طالب، والحسن المجتبي والحسين الشهيد وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي بن موسى الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، أما آخرهم فهو الامام الغائب (المهدي المنتظر) محمد بن الحسن العسكري.
وإذا سلمنا بالروايات المتناقضة التي تقول بولادة واختفاء هذا الامام الغائب، سنكتشف أن مأزق المذهب الامامي الشيعي وصل ذروته بعدم وجود إمام قائم بذاته يقود الشيعة ويؤسس لقيام دولتهم بعد وفاة الامام ابو الحسن العسكري وغياب ابنه الافتراضي، في حين استمر العباسيون في السلطة، ونجح كل من اتباع الشيعة الاسماعيلية في اقامة الدولة الفاطمية بشمال افريقيا والشيعة الزيدية في اقامة دولتين في اليمن وطبرستان، وبتأثير ذلك دخل أتباع الشيعة الامامية الاثناعشرية منذ ذلك الحين مرحلة (التقية والانتظار)، بمعنى عدم إشهار معارضة الحكام، والإكتفاء بالتقية وانتظار ظهور الامام الثاني عشر الغائب!!.
ومن نافل القول: ان ابرز سمات المأزق الحاد للفكر الامامي الشيعي هي السلبية السياسية المطلقة، حيث يحرم فقهاء المذهب الامامي الأثناعشري الخروج للثورة على الحاكم، واقامة الدولة الا بعد ظهور الامام المعصوم والمنصوص عليه من الله . وبالتالي أقدم فقهاء المذهب الامامي الاثناعشري على القول بتعطيل بعض التكاليف الشرعية التي تتعلق بالدولة مثل دفع الزكاة وإقامة صلاة الجمعة وتطبيق الحدود وجباية الخمس، كما رفضوا ولايزال بعضهم يرفض حتى الآن نظرية (ولاية الفقيه) التي ظهرت في القرن الهجري الرابع بالتزامن مع قيام الدولة الصفوية الشيعية، بحجة أن الولي الفقيه يفتقد الى شروط الامامة، وخاصة العصمة والنص، وبامكان كل من يراجع كتب الفقهاء الاوائل للشيعة الامامية وعلى وجه الخصوص الشيخ محمد النعماني المتوفي في عام 340ه، ملاحظة الارتباك في منطوق النظرية الامامية، حيث يقول النعماني في كتابه الشهير (الغيبة): (ان أمر الوصية والامامة هي من الله وباختياره، لا من خلقه ولا باختيارهم، فمن اختار غير الذي يختاره الله، يكون قد خالف أمر الله سبحانه، وورد مورد الظالمين والمنافقين الحالين في ناره)، ثم قام النعماني بايراد طائفة من الأحاديث والروايات الموضوعة حول وجوب التقية والانتظاروتحريم الخروج شبراً عن سلطان الحاكم في عصر الغيبة، والمثير للتساؤل ان معظم الروايات التي اوردها النعماني في كتاب (الغيبة) تعود الى مصدر واحد هو الامام ابو جعفر الباقر الذي قال: (كل راية ترفع قبل ظهور راية المهدي المنتظر فصاحبها طاغوت يُعبد من دون الله.. ولا يخرج أحد من قبل خروج القائم الا كان مثله كمثل فرخ طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه فأخذه الصبيان وعبثوا به).
ولئن كانت الشيعة الامامية الاثناعشرية قد تبلورت في القرنين الرابع والخامس الهجري في ظل الدولة البويهية الشيعية، الا انه من الملاحظ عند قراءة كتب الفقهاء الشيعة الأسلاف عدم قدرة الفقه الشيعي الامامي على صياغة فكر سياسي منماسك وقادر على سبر غور الحياة بكل تناقضاتها وتحدياتها ومتطلباتها، حيث انطوى فقهاء الشيعة الاثناعشرية خلف نظرية (التقية والانتظار) التي شكلت أساس التراث الفقهي الإثناعشري، وقد ترتب على ذلك الموقف إنغلاق الفكر الامامي الشيعي الاثناعشري خلف نظرية (الانتظار) على الرغم من قيام الدولة الصفوية في القرن العاشر الهجري كرد فعل على طغيان وفساد واستبداد الحكام التركمان الذين اعتمد عليهم السلاطين العثمانيين في إدارة شؤون الحكم في بلاد فارس بعد اعتناقهم المذهب السني لأسباب سياسية، الأمر الذي دفع الصفويين وكانوا في الأصل من أتباع المذهب الملكي السني الى اعتناق المذهب الشيعي لأسباب سياسية أيضاً، وقد ظل قسم كبير من فقهاء الشيعة يؤمنون بانتظار الامام الغائب المنتظر، ويرفضون المشاركة في الدولة الصفوية، ما دفع أحد أبرز فقهاء الشيعة الامامية في ذلك الوقت وهو الشيخ علي الكركي الى صياغة المداميك الأولى لنظرية ولاية الفقيه تحت مسمى (نيابة الفقهاء العامة عن الامام الغائب) والتي أضفى فيها نوعا من الشرعية المذهبية على الدولة الصفوية، ومنح الشاه طهماسب لقب الولي الفقيه اعترافاً بالولاية على المسلمين نيابة عن الامام المهدي الغائب، ومع ذلك ظل تيار كبير من فقهاء الشيعة الأصوليين وحتى الآن يرفضون نظرية ولا ية الفقيه حتى ظهور الامام الغائب، ويرون فيها انقلابا دبره الصفويون وفقهاؤهم على أهم أسس النظرية الامامية التي تشترط العصمة والنص على الامام، وانكاراً لشرعية الامام المعصوم (المهدي الغائب والمنتظر)!!.
وكما فعل الفقهاء والوضاعون والقصاص الأمويون في حقبة تأسيس المذهب الملكي السني حين اخترعوا حديثاً نسبوه الى رسول الله ومفاده (أن الامامة في قريش ما بقي منها اثنان الى يوم القيامة)، فقد تصرف نظراؤهم من مؤسسي المذهب الامامي الشيعي في صيغته الاثناعشرية بالمثل، واخترعوا حديثاً منسوباً الى رسول الله يفيد بأن الامامة ستستمر في ذرية آل البيت الى يوم القيامة، ثم أضاف الموسويون المتشددون الى هذه الرواية أن الامامة ستستمر في ذرية الولد المختفي الى يوم القيامة(!!!).. ومن نافل القول: ان النظرية الاثناعشرية التي تنيط الامامة بطفل اختفى وسيعود الى الظهور تتعارض جملة وتفصيلا مع القرآن الكريم الذي يوصي بالحجر على الأطفال القاصرين حتى بلوغهم سن الرشد (وابتلوا اليتامى حتى اذا بلغوا النكاح، فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم أموالهم) (النساء 6).
ومع أن أخبار الأحاد الظنية التي توردها كتب الحديث المعتمدة لدى الشيعة الاثناعشرية لا تصمد أمام نص الآية التي أوردناها سابقاً كما هو الحال عند الكثير من الأحاديث المعتمدة لدى أهل السنة ولا تصمد أيضاً أمام ميزان القرآن، فإن التاريخ ذاته ينفي وجود حالة خاصة للأئمة وهم أطفال صغار، وبحسبما رواه الكليني في (روضة الكافي) فإن الامام التاسع عند الشيعة الاثناعشرية وهو محمد بن علي الجواد أوصى قبل وفاته بابنه علي الهادي الى عبدالله بن المساور وجعله قائما على تركته من الأراضي والأموال والعبيد والجواري الى أن يبلغ طفله سن الرشد، وقد كتب هذه الوصية في سنة 220ه وشهد عليها احمد بن خالد بحسب ما جاء في (روضة الكافي) وهو أصح الكتب المعتمدة لدى الشيعة الاثناعشرية.
ويبقى القول ان الامام الحسن العسكري توفي في سامراء سنة 260ه دون أن يعلن عن وجود ولد له يخلفه، ودون أن يكتب أيضاً وصية له بتركته، ما أدى الى نشوء أزمة بنيوية في صميم النظرية الشيعية الامامية التي تفترض استمرار الامامة (الالهية) الى يوم القيامة، وقد حاول جعفر بن علي الهادي شقيق الامام الحسن العسكري حيازة كل تركة الامام الراحل بحجة أنه عقيم ولم يخلف أحداً لوراثة تركته، لكن كتب الفقهاء والمؤرخين الشيعة وخاصة كتاب (الغيبة) للطوسي و(إكمال الدين) للصدوق و(الارشاد) للمفيد و(الغيبة الصغرى) للصدر، تقول: بأن جارية رومية حسناء للامام العسكري واسمها صقيلة وفي رواية أخرى نرجس ادعت بأنها حامل منه فتوقفت قسمة الميراث، وهو ما دفع الخليفة العباسي المعتمد على الله الى أن ينقل الجارية الرومية صقيلة أو نرجس الى قصره لرعايتها والتأكد من حملها واستبرائها، حتى تبين لهم بطلان الحمل، حيث تم تقسيم ميراث الامام الحسن العسكري بين أمه وأخيه.
وتبعا لذلك استغل الامام جعفر بن علي الهادي شقيق الحسن العسكري عدم وجود خلف لأخيه فادعى لنفسه الامامة بعد أخيه، ما أدى الى ظهور من يقول بمهدوية الحسن العسكري نفسه، حيث ذهب قسم من الشيعة الى إنكار وفاة الامام العسكري والقول بمهدويته وغيبته الصغرى، بينما اعترف قسم آخر بموته ولكنه قال بعودته الى الحياة مرة أخرى استناداً الى حديث منسوب الى الرسول: (انه يقوم من بعد الموت، ويقوم ولا ولد له) (النوبختي فرق الشيعة 107/ 108)، فيما ذهب قسم ثالث الى القول بوفاة الامام العسكري وبوجود خلف له استنادا الى شهادة بعض المقربين من الامام وبعض جواريه بأنه كان له ولد من الجارية الرومية صيقل قبل ثلاث سنوات من وفاة العسكري، وانهم رأوه ولا يزالون على اتصال به، وطلبوا من عامة الشيعة وقف البحث عنه وعدم السؤال عن اسمه، بل انهم اعتبروا ذلك من المحرمات، ثم فسروا سبب ادعاء الجارية صيقل بأنها حامل من الامام العسكري بعد وفاته هو التغطية على وجود الولد ووضعه في السر, ومن بين هؤلاء المقربين الذين أطلقوا هذه الرواية عثمان بن سعيد العمري الوكيل المالي للامام العسكري، وابو القاسم الجعفري واحمد بن اسحاق القُمِّي، وقد عرف هؤلاء الفقهاء بعد مائة عام لقولهم بوجود ولد مختفي للامام العسكري، فيما روى الصدوق في كتابه (اكمال الدين ص 434) ان الامام الحسن العسكري أخبر كبير الشيعة في مدينة قم وهو أحمد بن اسحاق بوجود ولد له وانه كتب له: (لقد ولد لنا مولود فليكن عندك مستوراً وعن جميع الناس مكتوماً، فانا لم نظهر عليه الا الأقرب لقرابته والمولى لولايته، وأحببنا إعلامك ليسرك الله به مثل ما سرنا به والسلام).. ومنذ ذلك الحين بدأ المذهب الشيعي الامامي في صيغته الإثناعشرية مساره السياسي الجديد من مدينة قم، ملتبسا بالخرافات والأساطير بعد مائة عام من وفاة الامام الحادي عشر وحتى الان على نحو ما سنتطرق اليه في الحلقة القادمة.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
كلمة 26 سبتمبر: الحديدة غراد
صحيفة 26 سبتمبر الاسبوعية
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
اللواء / علي محمد الكحلاني
وهج:اليمن.. عصية على العدوان
اللواء / علي محمد الكحلاني
مقالات
كلمة  26 سبتمبرشروط الزعامة
كلمة 26 سبتمبر
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةشتان بين الزعامة والعمالة!!
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةمرة أخرى.. ماذا يريدون؟!!
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
مشاهدة المزيد