الأحد 23-09-2018 23:19:36 م : 13 - محرم - 1440 هـ
مشاهد يمنية جديرة بالتقدير
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 8 سنوات و 5 أشهر و 22 يوماً
الخميس 01 إبريل-نيسان 2010 10:08 ص


أتوقف هذا الاسبوع عند مشاهد يمنية ثلاثة لم تستأثر بالاهتمام الاعلامي الجدير بها، الاول وقع في صنعاء في ميدان السبعين في معرض الاحتجاج على تهويد القدس، وقد ضم حشوداً غير مسبوقة وتصدر المشهد قادة يمنيون من المعارضة والموالاة على حد سواء في لحظة جامعة قل مثيلها في اليمن خلال الشهور الماضية، والمشهد الثاني هو تكرار شبه حرفي للاول وقد وقع في تعز في المنطقة الوسطى من اليمن، والمشهد الثالث وقع على بعد آلاف الاميال في قمة سرت العربية، حيث شاهدنا جميعاً عبر القنوات الفضائية قاعة القمة وهي تهتف" شعب عربي واحد" بعد ان فرغ الرئيس علي عبدالله صالح من عرض لمحة موجزة عن مشروع بلاده للاتحاد العربي.
لا جدال في ان المشاهد الثلاثة تعبر عن اجماع يمني حقيقي لاتصنع فيه، ولا تصنيع وعن قابلية اليمنيين للاتفاق والتفاهم على قضاياهم الخلافية اذا ما عرضت الحلول الملائمة باخلاص، واذا ما كفت بعض الايادي المتضررة عن الاصطياد في المياه اليمنية العكرة، واذ نخص اليمن دون غيره من الدول العربية بهذه المشاهد الرائعة فلاننا لم نلحظ في اية دولة عربية تظاهرة مشتركة للمعارضة والموالاة او اجماعاً وطنياً على مشروع رئاسي، ونكاد ان نجزم بان اليمنيين قد يختلفون الى حد الاحتراب حول بعض القضايا الداخلية غير انهم يتحدون خلف فلسطين، ولا يتساجلون في القضايا العربية المركزية ولا يساجلون. وربما نذهب الى ابعد من هذا الاستنتاج للقول ان هذا التميز اليمني عن باقي المحيط العربي يشكل اساساً صلباً يمكن البناء عليه في مقاربة القضايا الخلافية المطروحة في المجال الداخلي شرط ان يلتقي ذوو النوايا الطيبة من الطرفين المعارض والموالي للتفاوض بمنهجية الامام "ابي حنيفة" القاضية بالعمل على القضايا التي يتفق عليها وتحييد القضايا التي تثير الفرقة والخلاف والتوتر. نعم يدين اليمنيون في معتقدهم الديني للامامين زيد والشافعي لكن لا شيء يحول دون اتكالهم على "ابي حنيفة" في المجال السياسي طالما ان الفضاء واحد والمعتقد واحد، والبلد واحد والشعب واحد.
محمد المقالح.
شعرت بسعادة حقيقية للافراج عن الزميل والصديق محمد المقالح خصوصاً انه عاد الى اسرته .وكنت في هذه الزاوية قد دعوت لاطلاق سراحه بعيد اختطافه، وهذا اقل الواجب تجاه زميل وصديق اختلف معه في الايديولوجيا وفي الكثير من القضايا اليمنية دون ان يفسد الاختلاف صداقتنا واحترامنا المتبادل، وكيف لي ان ادير الظهر لهذا الصديق الذي لا انسى يوم حين جاءني مذهولاً تعلو وجهه ابتسامة متنكرة ببراءة محببة اذ قرأ في كتابي عن اليمن ما اعتبره تسامحاً او تسليماً بالعشائرية والقبلية في بلاده فهو يرى ان القبلية جديرة بالمجابهة، وانا ارى انها جديرة بالاندماج في السوق الرأسمالي، وان مجابهة الحداثيين للقبلية ستودي بهم ومن بعد لن تكون حداثة، ولا من يحدثون، لم نتفق ولم يكف المقالح عن ذهوله وعن مودته فلا ينسى وعداً لي بقشر البن في شهر رمضان ولا يكف عن "مطاردتي" في المؤتمرات والندوات العربية تارة لكي اوقع على عريضة تطالب بالافراج عن الخيواني، وطوراً لتضمين بيان ختامي فقرة عن "ديموقراطية" فريقه في مواجهة الفريق الآخر واذ افعل يزداد دهشة مشوبة بحذر ودود. تبقى الاشارة الى ان هذه القضية ومثلها قضية الاعتداء على الناطق السابق باسم المعارضة وقد اخبرني تفاصيلها المحزنة في بيروت على هامش "الملتقى الدولي" جديرة بتحقيق جدي تتولاه وزارة الداخلية المسؤولة حصراً عن امن اليمن واليمنيين بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والحزبية على ان يتولى القضاء من بعد اعطاء كل ذي حق حقه.بالانتظار اكرر تهنئة المقالح ورفاقه وزملائه بعودته سالما الى اسرته ومحبيه.
ثلاثية الهجرة والتوسع والاستيطان
في 27 نوفمبر تشرين الثاني عام 1967 عقد الجنرال شارل ديغول مؤتمراً صحفياً شهيراً علق خلاله على نتائج حرب حزيران- يونيو وانطوى على تقدير للتطورات اللاحقة كان صائباً في قسمه الاكبر، وهو يلقي اضواء كاشفة على ما يدور هذه الايام في فلسطين، حذر الرئيس الفرنسي الراحل من ثلاثية الهجرة والتوسع والاستيطان في اسرائيل، واعتبر ان استقدام مهاجرين جدد الى الدولة العبرية سيؤدي بالضرورة الى التوسع من اجل استيعابهم، وبالتالي الى المزيد من الاستيطان، ومن ثم الى الحرب التي تشكل خطراً جدياً على السلام العالمي.
يدين هذا التقدير الديغولي لتطورات ما بعد حرب حزيران يونيو 1967 لخبرة الجنرال الطويلة في الجزائر ولحسه التاريخي ومعرفته الوثيقة باليهود والعرب على حد سواء، ذلك ان تلازم الهجرة اليهودية وخاصة الروسية مع الاستيطان والتوسع كان ومازال يؤسس لحرب صهيونية دائمة تحمي الارض المقضومة والمستوطنين، واذ تلقت هذه السيرورة ضربات قاصمة في جنوب لبنان وغزة فانها لم تردع الصهاينة عن التمدد في الضفة الغربية والقدس والجولان والتخطيط لتهجير ما تبقى من الفلسطينيين في ارضهم التاريخية قبل عام 1948، واذا كان اغتيال اسحق رابين في نوفمبر تشرين الثاني عام 1995 قد وضع حداً للاستراتيجية العرفاتية في انقاذ ما يمكن انقاذه من الاراضي الفلسطينية وتحويله من بعد الى قاعدة للمقاومة في الداخل وصولاً الى استرجاع اراضي خط العام 1967 فقد اظهر بالمقابل ان ثلاثية الهجرة والتوسع والاستيطان هي نمط حياة الكيان الصهيوني وشرط بقائه ويبدو نتنياهو محقاً في امتعاضه من حلفائه الامريكيين عندما يؤكد لهم ان سياسته الاستيطانية هي استمرار لسياسة كل الحكومات التي تولت السلطة من قبله.
اغلب الظن ان الثلاثية الصهيونية المذكورة ما كان لها ان تصطدم بالراعي الامريكي لولا الاستنتاج الذي خلص اليه الجنرال دايفيد باتريوس قائد القوات الامريكية المركزية في الشرق الاوسط من أن مخارج الحرب في العراق وافغانستان وباكستان مرهونة باقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة والقطاع والقدس الشرقية الامر الذي يمس الى هذا الحد او ذاك نمط وجود اسرائيل فهل توصلت واشنطن الى هذه القناعة، وهل تقبل على المدى الابعد البحث في نمط آخر للوجود والبقاء الاسرائيلي وهل يصح وصف نتنياهو للرئيس الامريكي بانه اكبر كارثة يواجهها الكيان الصهيوني؟
ما من شك في ان العلاقة الاستراتيجية بل المصيرية بين الولايات المتحدة واسرائيل تحيل سؤالاً من هذا النوع الى خانة الهزل، وبالتالي تغلب رأي القائلين بان الخلاف الراهن بين الدولتين تكتيكي وان واشنطن تحتاج الى هذا الموقف لكسب المزيد من الوقت في حروبها الشرق اوسطية ما يعني أن الرهان العربي على هذا الموقف كان ينبغي ان يكون محكوماً بطابعه التكتيكي لا ان يتعداه الى التمسك بالخيار الاستراتيجي للسلام وبالمبادرة العربية ورفض المقاومة كخيار بديل او مواز ومن حسن الحظ ان القرار الذي اتخذته قمة سرت في هذا الشأن انطوى على مخرج شكلي يقضي بالعودة الى بحث هذا الموضوع خلال اسابيع واتخاذ الاجراء اللازم بشأنه.
تبقى الاشارة الى ان اسرائيل يمكن ان تقطع الطريق على العرب المفاوضين وعلى بترايوس وغيره عبر تغيير او تعديل حكومي والتظاهر بموقف مختلف يؤدي الى استئناف المفاوضات واستئناف السيرورة السابقة ذلك ان الكيان كله مستوطنة وكل توقف للاستيطان يفضي بالضرورة الى وضع "الشرعية" الصهيونية بين هلالين. ولعل طرفين فقط يدركان جوهر هذه المعادلة حق ادراكها: المستوطنون والمقاومون العرب مع فارق كبير هو ان الطرف الاول يتولى الحكم في اسرائيل فيما الطرف الثاني لم يصل صوته بعد وقد لايصل ابداً الى اذان كل الحكام العرب.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
حمير العزكي
غريفيتس و الحديدة
حمير العزكي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
أحمد الحسني
وحق لسلطنة عمان أيضاً
أحمد الحسني
مقالات
كاتب وصحافي/جهاد الخازنعيون وآذان (قلة تعاني من «رمد» فكري)
كاتب وصحافي/جهاد الخازن
استاذ/عباس الديلميخواطر (جنادرية)
استاذ/عباس الديلمي
رئيس التحرير/علي حسن الشاطرلماذا، وكيف ؟
رئيس التحرير/علي حسن الشاطر
مشاهدة المزيد