الأحد 23-09-2018 01:18:28 ص : 13 - محرم - 1440 هـ
العقل الفارغ بقالة للشيطان
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 8 سنوات و 6 أشهر و 5 أيام
الخميس 18 مارس - آذار 2010 09:37 ص
 
"العقل الفارغ بقالة للشيطان".. عادت بي الذاكرة إلى هذه الحكمة البريطانية اثناء التظاهرات اللبنانية المعارضة والموالية خلال السنوات الخمس الماضية حيث كان كل طرف يدعي بأنه استطاع أن يدفع بملايين المتظاهرين الى الشارع مستدلاً على زعمه بمشاهد مصورة للمتظاهرين،
 وبما أن عدد سكان لبنان المقيمين لايتجاوز الاربعة ملايين نسمة فقد كان علينا ان نصدق ان نصفهم انتقل الى الساحات العامة في اليوم الاول، ونزل النصف الثاني في اليوم التالي أي ان شعب لبنان بأسره انتقل خلال اسبوع الى ساحة الشهداء وسط العاصمة لنصرة هذا الفريق أو ذاك وأن المنازل خلت من ساكنيها خلال هذه الفترة، وتعطلت التجارة وعاد المسافرون من السفر، ولم يذهب الموظفون الى اعمالهم واقفلت الاسواق والمدارس وخلع الجنود ورجال الامن ملابسهم وغادروا ثكناتهم للالتحاق بالمتظاهرين، وان الاطفال ايضاً تظاهروا جنباً الى جنب مع الشيوخ والنساء باعتبار ان عدد السكان يشمل كل هؤلاء وليس الشبان وحدهم.
طبعاً الحقيقة كانت في مكان آخر وان وسائل الاعلام لعبت دوراً تضليلياً سافراً فالذين تظاهروا من هذا الطرف أو ذاك لم يكونوا بالملايين وانما بالالاف خصوصاً ان ساحات التظاهر لا تتسع للملايين وهي بالكاد تتسع لعشرات آلاف ومن حسن الحظ ان الطرفين اقلعا منذ بعض الوقت عن التظاهر بهذا النوع من الأكاذيب.
ومن نعم الحرية على لبنان ان هذا النوع من البلف لا يدوم طويلاً فقد تعرف اللبنانيون على تقنيات التزوير عبر توضيحات هندسية عن حجم الأمكنة وحجم الناس، واكتشفوا أيضاً سر الخداع التصويري عبر تقنية" زوم إن" "وزوم أوف" فبواسطة هذا النوع من تقنيات التصوير الحديث يمكن تصوير ألف متظاهر على أنهم خمسون ألفاً وجعل المئة الف مليوناً او مليونين وذلك عبر حيل يعرف أسرارها اختصاصيو التصوير وربما الهواة ايضاً.
والواضح أن المزورين ومن يقف وراءهم لايكنون احتراماً للرأي العام ولا للحقيقة، وأن غايتهم التأثير على "العقول الفارغة" وإيهام اصحابها أن الملايين الى جانبهم وانهم الغالبون وبما أن "حبل الكذب قصير" كما يقال في لبنان فقد أفضت تلك التظاهرات الى الحال السائد اليوم في لبنان، حيث يتصرف كل طرف بالقياس إلى حجمه وليس الى الملايين الوهمية التي لوح بها ذات تظاهرة انتقامية او حدث مأساوي.
واذا خرجنا من لبنان الى العالم العربي فإن مأساة "العقول الفارغة" تبدو أكبر بما لا يقاس وهي متمثلة في حجم الأمية المخيف والجهل المتفشي والبؤس المخيف، ومن المؤسف القول أن شياطين بالجملة عربية واجنبية تحرث هذه العقول، وتضخ فيها خدعاً وأكاذيب لاحصر لها من نوع أن الاجنبي افضل من العربي وان الاستسلام افضل من المقاومة، وأن العرب يدمرون العمران، وأن السكوت من ذهب، وأن الانقسام افضل من التوحد، والفوضى افضل من الاستقرار ...الخ، واذ تحرث الشياطين العقول الفارغة في فضائنا العربي فهي تؤدي دورها المفطورة عليه وإذ نكتفي بلعن الشياطين فإننا لانحل المشكلة التي تقتضي أولاً واخيراً أن نملأ العقول الفارغة علماً ومعرفة وحرية وعدلاً وأن لم نفعل فان فضاءنا سيظل مسكوناً بكل أنواع الأبالسة وشرورها المستطيرة.
وأختم بطرفة من وحي الحكمة البريطانية المذكورة أعلاه ومفادها ان بقالاً يدعى مروان جاءه أحد معارفه لاهثاً.. أسرع أسرع يا عبدالحسيب لقد انجبت زوجتك طفلاً ذكراً في المستشفى وهي بانتظارك، فاقفل الدكان واتجه مسرعاً نحو المستشفى وقبل أمتار من وصوله الى المدخل قال لنفسه: كيف تلد زوجتي طفلاً وانا لست متزوجاً، ثم واصل السير الى باب المستشفى، وهنا أطرق ملياً وقال: ثم انا اسمي مروان وليس عبدالحسيب!!.. وعقب مستنتجاً.. لعل في الامر تضارب في الاسماء.!؟
  شبح في سماء القارة العجوز.
تفصح نتائج الانتخابات في عدد من الديموقراطيات الغربية عن أن القسم الأعظم من الناخبين يقترعون تحت تأثير واضح لأزمة الاسواق العالمية وبالتالي يعاقبون ممثليهم السياسيين الذين اخفقوا في معالجة آثار هذه الازمة، فقد بينت تجربة الشهور الماضية أن السلطات السياسية في بلدان غربية عريقة في تجربتها الديموقراطية اتخذت قرارات مفيدة حصراً للمجمعات الاقتصادية الكبرى وليس للقطاعات الشعبية الاكثر تضرراً من الأزمة وذلك لعجزها عن التصدي لاصحاب القرار في الأسواق، وبالتالي ارغامهم على تحمل مسؤولية الأزمة وتغيير قواعد اللعبة في اقتصاد افتراضي كلي القدرة، وإذ تضخ السلطات السياسية مبالغ طائلة هي حاصل عائدات الضرائب العامة لانقاذ البورصات المتلاعبة بالأسهم الفاسدة أو المصارف الفاشلة الشريكة في الرهانات المالية الافتراضية فإنها تقر ضمناً بسيطرة الأوليغارشية المالية على النخب الحاكمة ما يعني ان مركز السلطة الحقيقي يكمن في الأسواق وليس في القصور الرئاسية والحكومات والبرلمانات ومجالس الشورى علماً بأن تشكيل هذه المؤسسات يتم عبر صناديق الاقتراع وبمشاركة الناخبين الذين ينتمون باكثريتهم الساحقة الى الفئات الشعبية التي تتحمل آثار أزمة هائلة لم تشارك في صنعها.
ولعل الانتخابات الاقليمية الأخيرة في فرنسا تصلح كمرآة عاكسة للتصويت الشعبي العقابي ضد السلطة الحاكمة فهذا البلد كان على الدوام شفافاً في صراعاته السياسية، وتأثير هذه الصراعات على محيطه الأوروبي بخاصة والغربي عموماً، والبادي في الانتخابات المذكورة أن الناخب الفرنسي بعث عبر صناديق الاقتراع رسائل عقابية صريحة للسلطة السياسية اليمينية التي لم تخفق في التصدي للمسؤولين عن الأزمة المالية فحسب وإنما ضخت المال العام في طاحونتهم. 
لا يقر اليمين الفرنسي بخاصة والأوروبي عامة بأثر الأزمة الاقتصادية على تراجع أسهمه لدى الرأي العام الفرنسي والأوروبي، ويميل الى قراءة هذه النتائج في ضوء المعطيات الانتخابية السابقة التي شهدت صعود وهبوط التيارات السياسية وفقاً لاستراتيجياتها وبرامجها السياسية بيد أن تراجعه القياسي في اوساط الناخبين لا يتيح مجالاً للشك حول ارتباط هذا التراجع بعمق الأزمة وأثرها النفسي على خيار الناخبين.
كان كارل ماركس يقول في القرن التاسع عشر: ان فرنسا هي البلد الوحيد في اوروبا التي وصلت فيه الصراعات الطبقية حتى نهاياتها الطبيعية، والراجح ان هذه الخلاصة ما زالت صالحة منهجياً على الاقل حتى اليوم، ففي هذا البلد قال الناس لتوهم بصوت عال عبر صناديق الاقتراع ما يفكر فيه الرأي العام الأوروبي والغربي بصوتٍ منخفض، وإذ يعاقب الفرنسيون حكامهم جراء الازمة الاقتصادية فإنهم يرسمون معالم الطريق الذي سيسلكه أو سلكه للتو نظراؤهم في العديد من دول الاتحاد الاوروبي, فهل يصل صدى هذا العقاب الى الاوليغارشية المالية؟ لا مبالغة في القول إن هذا السؤال يحوم اليوم كشبح ثقيل الظل على القارة العجوز.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
معركة الحديدة!!
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
استاذ/ عباس الديلمي
من شواهد أنهم لا يقرأون (2)
استاذ/ عباس الديلمي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
توفيق الشرعبي
معركة كل اليمن
توفيق الشرعبي
مقالات
صحيفة 26 سبتمبرالولاء الوطني
صحيفة 26 سبتمبر
صحافي/عبدالله حزامالمواطن.. في خدمة الشعب"..
صحافي/عبدالله حزام
كاتب/خير الله خيراللهعندما يستخدم العرب عقولهم..
كاتب/خير الله خيرالله
استاذ/عباس الديلميدرة الإذاعة
استاذ/عباس الديلمي
كاتب/احمد ناصر الشريفشجاعة وليد جنبلاط
كاتب/احمد ناصر الشريف
مشاهدة المزيد