الأحد 18-11-2018 09:15:12 ص : 10 - ربيع الأول - 1440 هـ
نحو تجاوز اليمن لأزماته... بالحوار؟
بقلم/ كاتب/خير الله خيرالله
نشر منذ: 8 سنوات و 8 أشهر و 7 أيام
الخميس 11 مارس - آذار 2010 08:58 ص
يبدو اليمن وكأنه يسير خطوة خطوة في اتجاه تجاوز ازماته الداخلية. لا يزال مبكرا اصدار حكم مبرم بأن البلد تجاوز مرحلة الخطر، لكن الأكيد ان ما تحقق في الأسابيع القليلة الماضية يشجع على التفاؤل. كانت الخطوة الأولى في هذا السياق التوصل الى اتفاق لوقف النار مع زعماء التمرد الحوثي. لا شك ان ذلك لم يكن ممكنا الاّ بسبب عاملين. العامل الأول انهاك الحوثيين عسكريا. وهذا ما حصل بالفعل. اما ألاخر، فيتمثل في سحب الغطاء القبلي الذي كان الحوثيون يتمتعون به والذي حال دون الحسم العسكري. استطاعت الدولة اليمنية في نهاية المطاف التعاطي مع هذا الموضوع الدقيق وامنت حدا ادنى من التباعد بين الحوثيين والمجتمع القبلي بما يضمن انتصار منطق الدولة على كل ما عداه في المسقبل المنظور.
 لا شك ان الأنتصار النهائي لمنطق الدولة لا يكون الا عبر خطة تنموية تشعر المواطنين في كل المحافظات المعنية، على رأسها الجوف وعمران وصعدة وحجة، بأن هناك اهتماما بهم. وهذه المسؤولية ليست مسؤولية الدولة اليمنية ذات الأمكانات المحدودة وحدها، بل هي مسؤولية المجتمع الدولي ودول الجوار التي من مصلحتها قطع الطريق على اي تدخلات اجنبية، ايرانية وغير ايرانية، في تلك المنطقة الحساسة.
لا مفرّ، في ما يبدو، من وضع خطة تنموية شاملة تؤدي الى جعل المواطن اليمني في المحافظات الأربع المعنية وفي غيرها من المحافظات بأن لديه مصلحة في الأستقرار وعدم حمل السلاح في وجه الدولة. ولا شك ان اقامة مدارس ومستوصفات وخلق فرص عمل تشكل خطوة اولى على طريق ربط المواطن بالدولة من دون ان يعني ذلك تخليه عن ولائه القبلي او المذهبي، علما ان الولاء المذهبي لم يكن يوما ذا شأن في اليمن قبل ان توجد جهات خارجية عملت على ابراز الظاهرة وتضخيمها لأسباب مرتبطة بمصالح خاصة بها. انها مصالح لا علاقة لها من قريب او بعيد بمصلحة اليمن الذي عاش مجتمعه الاف السنين بعيدا عن هذا النوع من الأوبئة والأمراض.
يفترض في توقف المعارك والعمليات العسكرية في صعدة والجوف وعمران وحجة الاَّ يؤدي الى حال من الجمود والمراوحة. على العكس من ذلك، الآن هو وقت العمل الجدي من اجل تفادي حرب سابعة مع الحوثيين ومن يدعمهم وقطع الطريق نهائيا على الفتنة واحتمال تجددها. بكلام اوضح، ما يبدو اكثر من طبيعي في هذه المرحلة التركيز على الوضع في صعدة والمنطقة المحيطة بها من دون ان يعني ذلك في اي شكل التغاضي عمّا يدور في المحافظات الجنوبية والشرقية، خصوصا في لحج وابين وشبوة وحتى في حضرموت وعدن نفسها.
ربما كان اهم تطور يشهده اليمن حاليا ان الرئيس علي عبدالله صالح يعي تماما ان ثمة فرصة لإنجاز تسوية في الجنوب تحفظ مصلحة الجميع، خصوصا مصلحة المواطن اليمني وذلك في ضوء التوصل الى وقف للنار مع الحوثيين في اقصى الشمال. هناك وعي لأهمية تفادي اللجوء الى القوة لحل المشاكل القائمة. من هذا المنطلق كانت دعوته القوى التي يتشكل منها الحراك السلمي الجنوبي الى الحوار. كان هناك من يظن ان الرئيس اليمني سينتهز فرصة التوصل الى وقف للنار مع الحوثيين من اجل التركيز عسكريا على الجنوب. لم يحصل ذلك. اختار علي عبدالله صالح مناسبة زيارته للأكاديمية العسكرية العليا، قبل ايام، ليدعو الى الحوار وليعلن عن تشكيل لجان تتولى الحوار قائلا:" انا متأكد ان الأعلام الشطرية (اعلام ما كان يٌعرف بالشطر الجنوبي قبل الوحدة) ستحرق في الأيام والأسابيع القادمة. لدينا علم واحد استفتينا عليه بإرادتنا الحرة. واي مطالب سياسية سنرحب بها. تعالو نتحاور".
لا شك ان اي حوار لا بدّ ان يأخذ في الأعتبار ان هناك اسبابا ادت الى الحراك في الجنوب. هناك تجاوزات حصلت وهناك اهمال واستخفاف غير مقبولين بأبناء محافظات معينة. لكن هناك امرا لا يمكن تجاهله يتمثل في ان امكانات الدولة اليمنية محدودة وهي عملت، على الرغم من ذلك، على اقامة مشاريع في المحافظات الجنوبية والشرقية وتشجيع الأستثمار فيها على حساب مناطق اخرى في احيان كثيرة. لم يؤد ذلك الى النتائج المتوخاة، خصوصا ان كثيرين لا يسعون سوى الى التركيز على النواحي السلبية، في مقدمها التجاوزات التي مارسها نافذون، وهي للأسف الشديد كثيرة. لكن هذه التجاوزات تظل من النوع الذي يمكن اصلاحه والقضاء عليه.
هناك الآن دعوة الى الحوار. لماذا لا تعقد طاولة حوار يشارك فيها الجميع، من دون استثناء، في مناسبة اقتراب الذكرى العشرين لأعلان الوحدة في الثاني والعشرين من ايار- مايو 1990. تحت سقف الوحدة، التي تضمن عدم تحول اليمن الى دويلات متناحرة من منطلقات مذهبية وطائفية وقبلية ومناطقية، يمكن التوصل الى صيغ حضارية تطور مفهوم الوحدة بما يحفظ مصالح الجميع وكراماتهم. اوليست صيغة اللامركزية الموسعة من بين الصيغ التي تستأهل نقاشا في العمق؟
هذا ليس وقت تصفية الحسابات في اليمن. هناك مهمة تتطلب ان يتصدى لها الجميع. انها مهمة التصدي للارهاب والعمل على اجتثاثه من جذوره. الارهاب خطر على اليمن كله من اقصى الشمال، الى اقصى الجنوب مرورا بالوسط في طبيعة الحال. التصدي لهذه الظاهرة الخطيرة لا تكون عن طريق مشاريع انفصالية بمقدار ما انها تتطلب التركيز على التعليم والبرامج التربوية الحديثة وبناء مدارس وتطوير الزراعة والخدمات الصحية وتثقيف المرأة بدل البحث في كيفية شراء اسلحة. لا حلّ لمشاكل اليمن إلاّ بالحوار، بين متساوين، شرط ان يكون هذا الحوار بهدف التوصل الى صيغة عملية تحفظ ماء الوجه للجميع بعيدا عن اي نوع من انواع الهيمنة. انها صيغة تمكن جميع الذين شاركوا في صنع الوحدة من الأحتفال بالذكرى العشرين لقيامها. من يريد ان يتذكر ان الوحدة، لدى قيامها، كانت طلاقا مع الماضي وان الشعار الذي كان ينادي به الجميع في بداية التسعينات من القرن الماضي ان الوحدة "جبّت" ما قبلها، اي ان ما مضى قد مضى ولا ضروة للعودة اليه. لماذا لا يكون هناك وعي لضرورة فتح صفحة جديدة في اليمن، ما دام الرئيس نفسه اخذ مبادرة الدعوة الى الحوار؟