الأربعاء 19-09-2018 23:23:34 م : 9 - محرم - 1440 هـ
عربي افتراضي يحتفل بعيد الفطر في الألفية الرابعة
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 12 سنة و 10 أشهر و 15 يوماً
الأربعاء 02 نوفمبر-تشرين الثاني 2005 10:37 م
لنتخيل كاتبا قرر بعد مائة سنة اغتنام مناسبة عيد الفطر السعيد للعام 3005 للتأمل في عيد الفطر لعامنا الحالي في شهر تشرين الثاني ـ نوفمبر 2005 فماذا يرى وكيف يرى هذا العيد في العالم العربي؟
ينهض فجرا. يصلي صلاة العيد. يهنئ عائلته بقضاء شهر الصوم. ثم يتناول طعام الصباح مع الأسرة في صالة الطعام. تتكون المائدة من عصائر تصل إلى المنزل بواسطة أنابيب موصولة مباشرة بمصنع العصائر. تصل الأطباق أيضا بواسطة أنابيب ضخمة موصولة بمطبخ المدينة المركزي ومعها الفاكهة والخضار الواردة والمحضرة للاستهلاك في خيم بلاستيكية زراعية ضخمة. أما الشاي والقهوة فهي متوافرة على مدار الساعة وتنتقل كالماء الساخن بواسطة تمديدات من غرفة خاصة في المبنى نفسه. يحضر الخبز في فرن خاص بالمبنى ويصل ساخنا إلى المائدة في اللحظة المناسبة.صاحبنا متخلف بالقياس إلى عائلات افتراضية تتناول فطورا مكثفا عبر بضعة حبوب مريحة للمعدة صباحا وتتضمن حرارات غذائية تكفي حتى المساء. فالوقت في مطالع الألفية الرابعة لا يتيح نظام وجبات كتلك التي عرفتها الألفية الثالثة.
يفطر صاحبنا سريعا ثم يبدأ بتهنئة معارفه وأصدقائه في جميع أنحاء العالم عبر الشاشة الالكترونية التي حطمت المسافات وجعلت الناس يرون بعضهم بعضاً ويتحدثون مع بعضهم بعضاً وكأنهم في صالون منزل واحد. ينتهي من التهنئة ثم يضغط على زر جانبي بالقرب من مقعده للاتصال بقمر صناعي سبق له أن اشترك فيه مجانا عبر المؤسسة التي جهزت منزله بتكنولوجيا الاتصالات السهلة. لا يحتاج إلى التعريف عن نفسه فالشركة الفضائية تعرفه جيدا ذلك أن إدارتها وممثليها في المركبة الفضائية تحتفظ بأرشيف مفصل وكامل جرى تصميمه وجمعه بما يتناسب مع حاجات أهل الأرض وخصائصهم وأمزجتهم وعاداتهم الغذائية ومعتقداتهم... إلخ.
يطلب صاحبنا أرشيف عيد الفطر السعيد للعام 2005 ويرى التالي:
بعض العرب يحتفل بالفطر وبعضهم الآخر لا يحتفل به في اليوم نفسه بسبب خلاف على توقيت العيد. وتتجلى هذه الحالة في العراق أكثر من أي مكان آخر. في هذه الناحية أناس يحتفلون وآخرون لا يحتفلون. الآليات الأجنبية والطائرات تجوب السماء والأرض. انفجارات تقتل المصلين. انفجارات في مكان يبعد كلم واحد تطلق للاحتفال بالعيد وليس للقتل. معممون ومبنطلون في وسط العاصمة ضمن معسكر كبير يتبادلون التهاني بالعيد تحيط بهم مدرعات أجنبية.عائلة في طريقها من الجنوب إلى العاصمة للاحتفال مع الأقارب بالعيد تتعرض للقتل " خطأ " بالقرب من حاجز عسكري أجنبي. مثقف يكتب في صحيفة ورقية مقالا بعنوان شعري يعود لألف عام مضت: (عيد بأية حال عدت يا عيد)..
يشعر صاحبنا بالانقباض ويطلب ناحية أخرى.تقع عينه على فلسطين. يرى أجانب بآلياتهم العسكرية وطائراتهم المشابهة لتك التي رآها للتو في الجو والبر العراقي.يرى حشودا في المقابر للصلاة على أرواح الشهداء. يشاهد مجموعات من الناس على حواجز عسكرية أجنبية تمنعهم من الاتصال بأقاربهم لتهنئتهم بالعيد. يرى أن أعمار المصلين في المسجد الأقصى تتجاوز الأربعين.ينفجر صاروخ وسط أحد الشوارع المكتظة بالمارة صبيحة العيد. يدمر الصاروخ الأجنبي سيارة يستقلها فدائيون يتحول العيد إلى مناسبة حزينة... يشعر صاحبنا بالانقباض ويقرر الانتقال إلى ناحية أخرى.
تقع عينه على سوريا يلمح قلقا عميقا في وجوه الناس الذين يخشون على بلادهم من اعتداء أجنبي لكنهم على الرغم من ذلك يحتشدون في الأسواق التجارية للتبضع ويلهو الأطفال في مدن الملاهي.. تؤكد لهم وسائل الإعلام أن بلادهم منيعة لا يجرؤ أجنبي على التعرض لها وتقول لهم: إن في الأفق مؤامرة دولية وأن قيادتهم تتصدى لها بفعالية.يلاحظ أن المادة الأرشيفية ضئيلة عن هذه الناحية وأنها تعاني من مشاكل تقنية فيقرر الانتقال إلى ناحية لبنان المجاورة. يصدمه أن يرى أن الناس هنا ما زالوا يغنون ويرقصون ويتقاتلون.يصوم قسم منهم في العيد ويفطر قسم آخر ويلهون بأحدث المنتجات الاستهلاكية كما كانوا يفعلون قبل مائة عام وإذ لا يرى جديدا يذكر ينتقل إلى الصحراء العربية و يمتع ناظريه بمدنها العامرة حيث كان النفط مصدراً للسعادة والعمران.
يشعر صاحبنا بالحزن على حال عرب الـ(2005) يكف عن تقليب الصور كي لا يصاب بالمزيد. يقرر زيارة متحف الحضارات الافتراضي. يضغط على زر مميز يأتيه أرشيف الحضارة العربية الإسلامية كما تخيله المعلوماتيون استنادا الى تواريخ ابن هشام وابن اسحق و المقدسي والطبري والواقدي وابو الفداء وياقوت الحموي وابن عساكر والبلاذري والمقريزي ابن خلدون وابن تغري بردي والسيوطي والمسعودي والذهبي وابي الفرج الاصفهاني وابن طولون و ابن بطوطة ..الخ. يدهشه الاحتفال بعيد الفطر في بغداد العباسية وفي الأندلس الموحدية وفي القاهرة الفاطمية وفي دمشق الأموية يدهشه اجتماع العالم حول هذه المدن وافتتانه بتسامحها وغناها وتعايش أبنائها وعدلها.
 لا يريد صاحبنا أن يمضي العيد دون التوصل إلى معرفة السبب الذي جعل الإسلام ينقل العرب من حياة العزلة والفقر والتشتت والبداوة إلى السلطة والغنى والنفوذ ومن ثم إلى الانحدار وصولا إلى عام البؤس 2005.. لابد من سبب لذلك طالما أن الإسلام هو نفسه في الحالتين؟
 في عصر صاحبنا لا يحتاج البحث إلى أزمنة طويلة والى جيل من الفلاسفة. كان عليه أن يدخل المعطيات في حاسوبه وان ينتظر لحظات وإذ بالجواب يأتيه صاعقا: لقد انحدر أجدادك عندما قرروا أن العالم يخلو من الأعداء القادرين على تهديدهم وأنهم يسيطرون على العلم والمعرفة في عصرهم وأنهم يملكون حوالي نصف الكرة الأرضية المأهول ويسيطرون على اقتصادها. انصرفوا إلى التناحر بين بعضهم البعض واقفلوا الطريق على المستقبل ومن ثم اخذوا بالتراجع حتى بات وجودهم نفسه مهددا.في العام 2005 كانوا ما زالوا بعد يعملون بالإيقاع وفق المنهج نفسه ولولا النفط لما كانوا قادرين على البقاء على قيد الحياة فهم لا ينتجون شيئا يبيعون ما في جوف أرضهم بأبخس الأثمان ويصرفون مداخيلهم في الأسواق الاستهلاكية.
يقفل صاحبنا جهازه و يخرج إلى شرفة داره الشاسعة لاستقبال أجانب حملتهم سيارة فضائية صغيرة من الطرف الآخر من الكرة الأرضية. يهبط الضيوف الذين يتحدثون لغات أجنبية متعددة تترجم مباشرة إلى سماعة غير مرئية في الأذن يعرف أنهم جاءوا إليه في عيد الفطر السعيد للتهنئة الحية وللتدخل من أجل علاج مشكلة مستعصية تسبب بها الحاكم العربي الأصل في بلادهم.
على سبيل الإيضاح
ملاحظة:صغارا كنا نحلم عشية عيد الفطر وبدرجة اقل عشية عيد الأضحى بالملابس الجديدة وبالمأكولات الخاصة بالعيد وبميزانية العيد الطافحة وبالملاهي الخاصة بالمناسبة وكنا نظن أن هذه فرصة للحلم الجماعي وبالتالي إطلاق الخيال من عقاله والذهاب به إلى الأقاصي حيث لا حدود للفرح والأمل.كبارا فقدنا سذاجة الأطفال المحببة دون ندم. سوى أن شيئا من الطفولة يبقى في مكان ما من الذاكرة. ينهض من اللاوعي ويتدخل ثانية في يومياتنا. نكبته أو نقهره دائما بل نخجل منه أحيانا.في هذا العيد ارتأيت إطلاقه مع بعض التصرف. عسى ظله يكون خفيفا وكل عام وانتم بألف خير. 
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
ﺧﻄﺎﺏ ﺍﻟﺴﻴﺪ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻭﺍﻟﺤﺎﺿﺮ
أمة الملك الخاشب
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
حمير العزكي
غريفيتس و الحديدة
حمير العزكي
مقالات
صحيفة 26 سبتمبراليمنيون والعيد
صحيفة 26 سبتمبر
بروفيسور/سيف مهيوب العسليهـل تنجح سوريا فيما فشل فيه العراق؟!
بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
كاتب/نصر طه مصطفىالرئيس في البيت الأبيض
كاتب/نصر طه مصطفى
كاتب/احمد ناصر الشريفمااشـبه اللـيـلة بالبارحة !!
كاتب/احمد ناصر الشريف
صحيفة 26 سبتمبرأواصر تاريخية --
صحيفة 26 سبتمبر
مشاهدة المزيد