الأربعاء 14-11-2018 13:52:34 م : 6 - ربيع الأول - 1440 هـ
يقظة أوروبية ليوم واحد
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 8 سنوات و 10 أشهر و 27 يوماً
الخميس 17 ديسمبر-كانون الأول 2009 09:04 ص
بادر عدد من القناصل الاوروبيين المعتمدين في القدس الى اطلاق صفارة الانذار عبر تقارير ارسلوها الى دولهم في اوقات متقاربة، قالوا كلاماً متشابهاً حول اجراءات حثيثة تتخذها الدولة العبرية لتغيير وجه القدس بصورة نهائية، وتفيد تلك التقارير أن عدد الفلسطينيين الذين تم استثناؤهم من الهوية المقدسية بلغ هذا العام وحده أكثر من نصف المستثنيين خلال الاعوام الواقعة بين العام 1967 و2007 ما يعني بنظر الأوروبيين ان السلطات الصهيونية عازمة على ضمان الغلبة اليهودية في المدينة لوقت طويل تمهيدا لاخراجها من المفاوضات النهائية وبالتالي توجيه ضربة قاصمة لحل الدولتين. كان من الطبيعي أن تثير التقارير المذكورة هلع بعض العواصم الأوروبية وخاصة تلك التي تعتقد بوجوب حل القضية الفلسطينية عبر المفاوضات تحت سقف القرار 242 الذي ينص على الانسحاب الاسرائيلي من كل الاراضي المحتلة في حرب العام 1967، ومن ضمنها القدس الشرقية، وقد بادرت السويد رئيسة الدورة الحالية للاتحاد الاوروبي إلى تقديم مشروع قرار يعلن صراحة الاعتراف بالقدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية المقبلة بيد ان ضغوطاً اسرائيلية وامريكية وأوروبية أدت الى التخفيف من لهجة القرار واعتماد صيغة أخرى تنص على ان تكون القدس عاصمة للدولتين الفلسطينية والاسرائيلية ما يعني تشطير المدينة الى شطرين يهودي وفلسطيني. والواضح ان الاوروبيين عازمون من خلال هذا التحرك على كبح جماح الاستراتيجية الديموغرافية الصهيونية عبر تسليط الاضواء عليها والتلويح بكشفها امام الملأ وربما أدانتها، وبالتالي حماية فرصة الحل التفاوضي من الانهيار علماً بأن اوروبا تعتبر نفسها الاقرب الى الشرق الاوسط والاكثر تعرضاً للمخاطر اذا ما تراجع التيار الفلسطيني المفاوض وتقدم التيار المقاوم. وعلى الرغم من اهمية التحرك الاوروبي لتكبيل الاستراتيجية الديموغرافية الهجومية فإنه لا يكفي لتنشيط المفاوضات في ظل حكومة بنيامين نتنياهو الذي فاز بتشكيل الوزارة الحالية واعداً ناخبيه بافشال مشروع الدولتين والتركيز على ما يسميه " تحسين الشروط الاقتصادية للفلسطينيين " واذ واجه صعوبات مع خطب اوباما "الايجابية" للعالم الاسلامي ومساعيه لوقف الاستيطان فإنه سرعان ما تغلب على تلك المصاعب، وعاد بواشنطن تقريباً الى حيث كانت في الشرق الاوسط خلال عهد بوش أي كلام ايجابي واجراءات صهيونية استيطانية لا تبقي للمفاوضات النهائية شيئاً يذكر. ومن غير المستبعد ان يتمكن نتنياهو من الالتفاف على الضغوط الاوروبية وأن يواصل استراتيجيته بطرق اخرى فهو التزم بتجميد الاستيطان لمدة عشرة اشهر دون وقف آلاف المساكن الاستباقية التي وضعت اساساتها خلال الجدل حول الاستيطان علماً أنه استثنى القدس الشرقية، وطرح قانون الأولوية الوطنية للمستوطنين في عمق الضفة الغربية ما يعني انه يرغب بتجاوز المستوطنات الحدودية لتصبح غير قابلة للتفاوض، وليبدأ البحث من عمق الاراضي الفلسطينية وليس من طرفها الحدودي مع علمه التام ان السلطة الفلسطينية لن تعود الى طاولة المفاوضات تحت هذا الشرط، وانها لا تملك الوزن الكافي ولا الخيارات الضرورية لوقف الزحف الاستيطاني ناهيك عن التصدي لتهويد عاصمة الدولة الفلسطينية المزعومة. لا شيء يدعو للدهشة في هذه الاستراتيجية الاستيطانية المستمرة في ظل الحكومات الصهيونية المتعاقبة، ولا شيء يدعو للدهشة في مواقف الادارات الامريكية والاوروبية المختلفة التي كانت ومازالت تزعم أن الحل التفاوضي يجب ان يكون محصوراً بالطرفين مع علمها التام ان المساواة بين السلطة واسرائيل هي مساواة بين الجلاد والضحية، وأنها تنطوي على اطلاق يد المحتل في الاراضي الفلسطينية المنهوبة وفرض ارادته على سلطة فلسطينية ضعيفة تستمد "قوتها" من عطف حلفاء اسرائيل وحماتها ومموليها. ولا شيء يدعو للدهشة في حالة الانظمة العربية التي غسلت يديها من القضية الفلسطينية تحت شعار "القرار الفلسطيني المستقل" وانصرفت للانشغال باوضاعها الداخلية المتوترة ونزاعاتها الحدودية ومشاكل الخلافة ناهيك عن جبهة كرة القدم الطارئة، وان تحركت على الصعيد الاقليمي والدولي فللشكوى من ايران اوللاستعانة بتركيا. وسط هذه الأجواء السياسية المكفهرة على كل صعيد صدر قرار الاتحاد الاوروبي الأخير دون ان يعد بما بعد القرار ودون ان يكون مؤشرا على وجهة سابقة وهو ما يدركه تماما بنيامين نتنياهو الذي يراهن على الوقت من اجل حصر القضية الفلسطينية في غزة وإلقاء ما تبقى منها في احضان العرب نعم لقد استيقظت اوروبا ليوم واحد ثم عادت الى غفوتها.. والسؤال هو لماذا تستيقظ من أجل العرب وهم يغطون في سبات عميق.