الثلاثاء 18-09-2018 20:06:56 م : 8 - محرم - 1440 هـ
سلطنة عُمان و ترويض المعادلة الصعبة...
بقلم/ كاتب/خير الله خيرالله
نشر منذ: 8 سنوات و 9 أشهر و 21 يوماً
الخميس 26 نوفمبر-تشرين الثاني 2009 09:16 ص
من يزور سلطنة عُمان هذه الأيام، في هذا الزمن العربي الرديء، يكتشف بلداً عربياً تستأهل تجربته التوقف عندها وذلك بعد تسعة وثلاثين عاماً من وصول السلطان قابوس الى السلطة.. تبدو هذه الفترة قصيرة في عمر الشعوب، ولكن بالنسبة الى عُمان التي كانت قبل ذلك مجرد دولة متخلفة، تبدو النهضة التي شهدتها في أقلّ من أربعة عقود اقرب الى معجزة من اي شيء آخر.

 قبل كل شيء، هناك بلد عربي ينتمي الى مجلس التعاون الخليجي يتميز بأن المواطن فيه يعمل بشكل طبيعي.. هناك ساعات عمل محددة يحترمها المواطن الذي يجد في السلطان قدوة في هذا المجال، يعمل هذا المواطن في كل الوظائف، بما في ذلك المتواضع منها.. وهذا يشير الى القدرة على نشر ثقافة مختلفة وترسيخها.. تقوم هذه الثقافة على فكرة ممارسة العمل والمواظبة عليه في سبيل كسب لقمة العيش.. ان مجرد وجود مواطن يعمل بانتظام من دون تذمر، دليل على وجود ثقافة جديدة تقوم على فكرة الاستثمار في الانسان. انه استثمار في الرجل والمرأة في آن بعيدا عن اي نوع من العقد.

 من هنا، ليس صدفة ان الخطاب الذي القاه السلطان قابوس في افتتاح الانعقاد السنوي لمجلس عُمان (يضم مجلس الدولة المنتخب ومجلس الشورى المعيّن) يوم السادس عشر من تشرين الأول- اكتوبر الجاري ركز بشكل اساسي على دور المرأة، كذلك ركز على التنمية والاستثمار وكيفية تشجيع المستثمرين في السلطنة. هناك بكل بساطة محاولة لجعل المجتمع بكل مكوناته مجتمعاً منتجاً يعتاش من العمل بدل ان يكون مجتمعاً ذا اقتصاد ريعي يشكل عالة على الدولة ومؤسساتها.. هكذا تكون المجتمعات العصرية او لا تكون.. تكون مجتمعات منتجة بدل اعتماد المواطن على ما تقدمه له الدولة. حتى الدول القادرة على تقديم كل الخدمات الى مواطنيها بفضل ما تمتلكه من ثروات، ستجد نفسها يوماً في موقع الدولة العاجزة في حال لم يكن المواطن فيها يعمل وينتج .. في النهاية، يظل الانسان في اساس أية ثروة. والانسان المنتج يعني اولا البرامج التعليمية المتطورة التي باتت تربط العماني بكل ما هو حضاري في هذا العالم بعيداً عن اي نوع من التقوقع والعقد، خصوصاً في مجال تعليم المرأة والمساواة الحقيقية بينها وبين الرجل.

لا يكمن سر نجاح التجربة العمانية، المبنية على فكرة بناء المؤسسات التي ترتكز عليها أية دولة حديثة في جعل المواطن يعمل فحسب، بل هناك ايضاً تركيز واضح على تأمين المساواة بين المواطنين في ظل الأمن والاستقرار.. تنطلق هذه الفكرة من تفعيل القدرة التي تمتلكها الدولة على استيعاب الجميع من دون تمييز بين المناطق والمذاهب.. الكفاءة هي الأهم، ولذلك، يشعر المواطن في السلطنة بأن عليه ان يعمل كي يتقدم ويتطور ويحسن وضعه الاجتماعي تماماً كما الحال في أية دولة اوروبية أو اسيوية تحترم نفسها.

تبدو عُمان في الطريق الصحيح، طريق تحويل نفسها الى دولة مختلفة وناجحة في منطقة مضطربة لألف سبب وسبب.. انها واحة امان واستقرار منذ فترة طويلة.. بدأت رحلة الألف ميل بوصول السلطان قابوس الى السلطة وبدء التركيز على الشأن الداخلي في عملية تصب اولا وأخيراً في جعل المواطن يشعر بأنه جزءً لا يتجزأ من مشروع بناء وطن لا يسوده الأمن والاستقرار فقط، بل يسوده التسامح فوق اي شيء آخر.

بعد النجاح في بسط نفوذ الدولة وسلطتها على كل الأراضي العمانية مطلع السبعينات من القرن الماضي، بدأت الرحلة الطويلة المستمرة في اتجاه قيام الدولة الحديثة.. الدولة الحديثة هي الدولة التي تعرف اهمية موقعها الاستراتيجي من جهة، لكنها تعرف حدود امكاناتها من جهة اخرى. المعادلة صعبة. النجاح في ترويض هذه المعادلة يقود الى الأمن والاستقرار والازدهار. ربما تكمن عبقرية السلطان قابوس في انه عرف دائماً كيف يروض هذه المعادلة ويستخدمها لمصلحة عُمان.. فعل ذلك حتى عندما كان العرب الآخرون يلهثون خلف الشعارات والمزايدات غير مدركين اهمية الأحداث التي تشهدها المنطقة.. في النهاية، كان السلطان قابوس من القلائل الذين رفضوا مقاطعة مصر بعد توقيع معاهدة السلام مع اسرائيل في العام 1979. وكان من القلائل الذين تصرفوا بحكمة ابان الحرب العراقية- الايرانية بين العامين 1980 و1988. كانت له دائماً حساباته المبنية على اقامة افضل العلاقات مع جيران عُمان من منطلق ان الدول لا تختار جيرانها.. على الدول التي تمتلك قيادات واعية التعاطي مع جيرانها والسعي الى اقامة افضل العلاقات معهم وهذا ما اتقنه السلطان قابوس بطريقة جعلته رئيس دولة فريدا من نوعه، اقله بسبب قدرته على استشفاف المستقبل والتعاطي مع التوازنات الاقليمية والدولية والمصالح المتضاربة في منطقة الخليج.

كان يمكن القول ان النجاح الاقتصادي وفي مجالي الأمن والاستقرار وفي مجال الأستثمار في المواطن يختصر التجربة العمانية لولا البعد الأنساني الخاص بتلك التجربة.. هذا البعد قائم على ان السلطان من القلائل الذين يهتمون بأدق التفاصيل المتعلقة بتهذيب الانسان وتعويده على الموسيقى الكلاسيكية والبناء الجميل والاهتمام بالبيئة مثلما يهتم بالأرض والزراعة والبرامج التعليمية والثورة التكنولوجية.. هذا البعد الانساني الذي يستند الى العلاقة المباشرة بين السلطان والمواطن في كل منطقة من المناطق يساعد الى حد كبير في تحسين عامل الذوق لدى الانسان العماني.. يظل هذا الانسان في نهاية المطاف الثروة التي لا تنضب والمخزون الاستراتيجي لبلد شاسع يحتل موقعا استراتيجياً فريداً من نوعه عرف زعيمه كيف يقود الشارع وكيف يطوعه بدل ان ينقاد له. 

عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
ﺧﻄﺎﺏ ﺍﻟﺴﻴﺪ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻭﺍﻟﺤﺎﺿﺮ
أمة الملك الخاشب
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
بومبيو يشهد زوراً أمام الكونغرس
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
حمير العزكي
غريفيتس و الحديدة
حمير العزكي
مقالات
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةمصلحة اليمن أولاً
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
كاتب/خالد محمد  المداحنوفمبر .. الشموخ والكرامة
كاتب/خالد محمد المداح
استاذ/عباس الديلميمات من كتبت عنه
استاذ/عباس الديلمي
صحيفة 26 سبتمبروهج نوفمبر
صحيفة 26 سبتمبر
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةالوقاية من الخطر!!
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
مشاهدة المزيد
عاجل :
القوة الصاروخية تطلق صاروخاً باليستياً من طراز بدر1 على معسكر مستحدث للجنود السعوديين في ظهران عسير