الأحد 23-09-2018 10:10:22 ص : 13 - محرم - 1440 هـ
مقاربة واقعية لفهم التجربة الديمقراطية في اليمن
بقلم/ السفير /عبدالملك سعيد عبده:
نشر منذ: 12 سنة و 11 شهراً و 8 أيام
الخميس 13 أكتوبر-تشرين الأول 2005 10:17 م
 يبشر القرن الحادي والعشرون بمتغيرات ضخمة، بالغة العمق والاتساع على مستوى العالم ككل، وتلك التغيرات كان لها بكل تأكيد الاثر البالغ في كافة مناحي الحياة البشرية داخل كل دولة على حدة، وعلى مستوى العلاقات الدولية بصفة عامة خاصة بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر وتدمير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وقد برزت تلك المتغيرات الدراماتيكية علـى المستوى السياسي بصورة مثيرة كما بدت سماتها ومسمياتها تأخذ ابعاداً متعددة ومفاهيم جديدة، مستفيدة مما افرزته العولمة، وثورة الاتصالات والمواصلات والسماء المفتوحة وهو امر بات يحسب له الجميع ويستعد له سياسياً واقتصادياً، ويهيئ نفسه للتعامل مع معطياته المختلفة، من خلال اعداد الجسد السياسي للدولة
 الوطنية ضمن إطار استراتيجية شاملة وفلسفة متكاملة، ذات رؤية جديدة لمفهوم الحكم وطبيعة المشاركة السياسية في اطار القيم الد يمقراطية وتحديث آلية الدولة، وقوانينها لمواجهة ما هو قادم من تحديات مفروضة على كل دول العالم الثالث، وفي الطليعة منها الدول العربية والاسلامية، وبدون شك فإن اليمن كان قد بدأ فعلاً يتلمس الطريق لمواكبة الحياة السياسية المعاصرة بكل ابعادها ومعطياتها منذ 1962م، إذ نص الهدف الرابع من اهداف الثورة الستة على إنشاء مجتمع ديمقراطي تعاوني عادل يستمد ا نظمته من روح الاسلام، كما ادركت النخبة السياسية منذ وقت مبكر بأن التخلف الذي عاشته البلاد إبَّان الحكم الإمامي، قد اتسع وتشعب وامتدت جذوره الى جميع مناحي الحياة، وأنه لابديل عن بناء نظام ديمقراطي حديث يسمح بتأطير الشعب وينظم الممارسة السياسية المستقبلية، ويستكمل الحلقات الاساسية في مشروع التحديث والتنمية والاصلاح، الذي تبنته النخبة السياسية وقطعت اشواطاً لا بأس بها في هذا الجانب.
وفي واقع الأمر لا بد من الاعتراف بأن الظروف الداخلية والخارجية التي مرت بها البلاد لم تسمح بتفعيل كل ركائز هذ المشروع التحديثي الواسع، وتحويله الى ممارسة فعلية على الارض الا مع بداية الثمانينات، وتحديداً منذ انتخاب الرئيس علي عبدالله صالح في 17/7/1978م واصراره على ضرورة إعادة الروح الى المؤسسات الدستورية المتواضعة آنذاك وعلى رأسها مجلس الشورى.. ثم جاءت الوحدة المباركة في 22مايو 1990م لتتزامن وترتبط بالديمقراطية والتعددية السياسية، بعد مخاض طويل من الصراعات الدموية والعلاقات الزبائنية المشوهة، التي قادت الى تفاعلات معقدة في بعض الاحيان، عكست نفسها بشدة على المستويات التنظيمية والمؤسسية والشعبية، وأثرت في كل التحولات والتراكمات الاجتماعية والسياسية، التي عرفتها البلاد منذ بداية الستينات بصورة مباشرة وغير مباشرة.. ورغم كل ذلك فإن من الإنصاف و الموضوعية التي تقتضي من الجميع الاقرار بأن اليمن قد قطعت اشواطاً لا بأس بها على مستوى الممارسة الديمقراطية واحترام حقوق الانسان، شأنها في ذلك شأن كثير من دول العالم الثالث، التي أخذت بالخيار الديمقراطي التعددي كمنهج للحكم، وبالتأكيد فإن لهذه المرحلة خصوصياتها وشروطها، وهو ما يتلبس احياناً على القوى السياسية، والاحزاب المؤتلفة وداخل قوى المعارضة ، فما هو استحقاق في مرحلة الديمقراطية الكاملة، ونضوج مؤسسات المجتمع المدني يختلف في كثير من الجوانب عن مرحلة الانتقال الى الديمقراطية التي تحتاج الي فهم خاص، وتعامل مختلف مع الموضوعات السياسية والاجتماعية المثارة في هذه المرحلة، وبعضها موروث عن الأوضاع الشاذة التي شهدتها البلاد قبل انطلاق عجلة التغيير وبناء اليمن الموحد بغض النظر عن مفهوم ديمقراطية الدولة ام دولة الديمقراطية.. فإن المعيار الموضوعي المأخوذ به دائماً، هو ما يتم تشييده من مداميك يرتكز عليها النظام السياسي الآن وفي المستقبل، والى اي مدى تمثل قاسماً مشتركاً مع الديمقراطيات الناشئة والقديمة على المستوى العالمي.. وأول تلك المداميك هو الدستور، الذي يمثل مرجعية عليا لكيان الدولة، يجري الاحتكام اليه، وتحت مظلته يتم تنظيم المؤسسات، واصدار القوانين ومنح الاختصاصات، وهذا هو ما انطلقت من خلاله اليمن منذ بداية التسعينات وحتى الآن حيث شهدت البلاد بعد اقرار الدستور الذي عُدل بعد ذلك في 28 سبتمبر 1994م مرحلة من الاستقرار والنمو والاندماج الوطني ما عوضها عن التجارب المريرة للحزب الوحيد، حيث اعطيت الكلمة للشعب عبر الانتخابات الحرة لمجلس النواب الذي يتولى اعمال الرقابة والتشريع بصورة كاملة، وبدأ العمل بصفة جدية لتطبيق ديمقراطية المؤسسات، وحرية الصحافة والتعددية الحزبية، والشروع في اقامة دولة النظام والقانون، وصيانة حقوق الانسان في اطار احترام مقتضيات الدستور الذي نص على ان «النظام السياسي في الجمهورية اليمنية يقوم على التعددية السياسية والحزبية، وذلك بهدف تداول السلطة سلمياً.. كما ينظم القانون الاحكام والاجراءات الخاصة بتكوين التنظيمات السياسية، وممارسة النشاط السياسي بحماية الدولة التي تكفل للمواطنين حريتهم الشخصية، وتحافظ على كرامتهم وامنهم، ولا يجوز تقييد حرية احد الا بحكم محكمة خاصة، وطالما ظلت القيادة السياسية تلتزم بصرامة بمقتضيات النهج الديمقراطي، وظل الدستور هو المهيمن والضامن لحرية الرأي والتعبير للافراد والجماعات، ويقر مبدأ النظام التمثيلي النيابي والمحلي، ويحمي نهج التعددية ويحترم مبدأ التداول السلمي للسلطة.
فإننا نكون -فعلاً- امام منظومة شاملة ومعروفة تحدد طبيعة النظام وتطوره المستقبلي، ومضمونه الديمقراطي، وآليات الممارسة السياسية التي تقوم على المشاركة الواسعة في اتخاذ القرار، وعلى التنافس الحر، وهذه - بدون شك - هي الركائز الرئيسية للديمقراطية التي تعارف عليها الجميع.
وبدون شك فإن أية قراءة لمتطلبات المرحلة الراهنة في اليمن وما تفرضه من تحديات داخلية وخارجية، ستقود حتماً الى ضرورة التمسك بالتحول الديمقراطي ومتابعة حلقاته حتى النهاية، فهو السبيل الوحيد لتحقيق التنمية السياسية والاقتصادية، وحشد الطاقات عبر المشاركة الشعبية في صنع القرارات والاهداف، التي تتطلب دائماً المتابعة والتقويم، خاصة وان اليمن الآن امام طريق مفتوح، لكنه مضمون النتائج في الافق البعيد اذا ماتم تجاوز حالة الانعزالية والمكايدة السياسية، التي عادة ما تميز بعض الاحزاب الايديولوجية التي تحاول السيطرة على قوى المجتمع المدني الناشئ، وهو ما يؤثر بلاشك على مسيرة التحول الديمقراطي التي - رغم قصر مدتها - تمثل قفزة نوعية، وثورة حقيقية في إطار بنية النظام السياسي، كما تعكس بحق مدى الايمان والالتزام بالتغيير في فكر النخبة السياسية الحاكمة، خاصة وانها جاءت بعد سلسلة من الاخفاقات المتلاحقة، لبناء نموذج ديمقراطي، يعتد به ولذلك فإن هذا الانجاز الذي تحقق لا يستهان به خاصة بعد ان اصبح المواطن اكثر تشبثاً بالديمقراطية والوحدة في آن واحد، كما اصبح كل فرد يعي الحقوق والواجبات التي تضمنها الدستور، وفي مقدمتها ما يتعلق بالحريات العامة وحمايتها، والقناعة الراسخة لدى مؤسسة الحكم بدور المعارضة والنظر اليها كظاهرة ايجابية، وليست ظاهرة سلبية تستحق الادانة والمتابعة كما يظن البعض، وفي الجانب الاقتصادي كان للتجربة انعكاساتها فقد تم التخلي عن الاسلوب الشمولي الموروث في إدارة المشاريع الاقتصادية والقطاع العام، واصبح للحكومة نهج متحرر يأخذ بالليبرالية الاقتصادية، وبصفة عامة عادة ما تلعب الديمقراطية دوراً اساسياً في تخفيف الاحتقان السياسي والاجتماعي وتنفيس الأزمات الطارئة عبر الحوار، وعبر صناديق الاقتراع، ففي إطار الحرية والديمقراطية، تتنامى قدرات الشعب على الخلق والابداع وتتعاظم المنجزات ويتحسن الانتاج وبالحوار وحده، تستطيع اطراف اللعبة السياسية ممارسة دورها الوطني الديمقراطي، بعيداً عن اجواء التوتر والتطلع للاستعانة بالغير الاجنبي، لحسم استحقاقات داخلية ، عبر الضغط والإملاء لأن نتائج مثل هذه الممارسة تمثل قفزة خطيرة في المنطلق السياسي غير مأمونة ولا حاضن اجتماعي او طبقي لها.
وفي الواقع لا تتميز التجربة الديمقراطية كثيراًً عن غيرها من ديمقراطيات العالم الثالث المشابهة في ظروفها الاجتماعية والاقتصادية للحالة اليمنية.. كما انها قد لا تتمايز كثيراً عن غيرها من الديمقراطيات التقليدية، التي قطعت شوطاً بعيداً في الممارسة السياسية، حرية انسياب المعلومات، وتجذر الآليات الديمقراطية في المجتمع وحرية الصحافة والنشر، فالركائز تكاد تكون واحدة سيما فيما يتعلق بالحريات والاسس التي يقوم عليها النظام الديمقراطي والفارق الوحيد هو في الدرجة والاسلوب، ومستوى نضوج المجتمع، والثقافة الديمقراطية والقوى الاجتماعية والطبقية الحاملة للمشروع الديمقراطي، والموروث التاريخي والقيم السائدة، واعتماد اللامركزية والتطور الاقتصادي، ودور مؤسسات المجتمع المدني، وكل هذه العوامل المتشابكة عادة ما تشكل البيئة التي تميز هذه التجربة عن غيرها، ولكن تبقى حقيقة جوهرية عادة ما تبرز في العالم الثالث بشكل خاص، وتتمثل في عدم قدرة المؤسسات السياسية على استيعاب القوى الصاعدة والمتنامية الساعية الى المشاركة السياسية، وتلبية مطالبها لأسباب متنوعة اقتصادية وسياسية واجتماعية مختلفة، وهذه هي المعضلة التي تحتاج الى ابتكار الحلول ورسم السياسات الناجعة لها.
وبالتأكيد فإن الديمقراطية التي تتطلب بالضرورة توافر المؤسسات الراسخة اللازمة لضمان استمرارها والمشاركة السياسية من قبل كل ابناء الشعب بصورة مباشرة سيكون لها ايجابياتها اكثر من سلبياتها، وستؤدي الى خلق نظام سياسي مشارك، هو افضل من اي نظام آخر لا يعتمد آلية الانتخاب، واليمن التي عرفت النظام الشمولي كما عرفت النظام الثيوقراطي، باتت اكثر حرصاً على التشبث بتجربتها الديمقراطية على المستويين الشعبي والرسمي، اذا ما تجاوزنا ما تخلفه الديمقراطية من انقسامية مألوفة في الرأي، وتمسك البعض بالايديولوجيا الجامدة فإنها -كما يقال- افضل اسلوب للحكم تم اختراعه حتى الآن، وربما تكون ملائمة اذا ما تم عقلنتها للخارطة السياسية والحزبية اليمنية، التي باتت تضم من حيث الشكل كل الوان الطيف السياسي، فكل الاتجاهات الفكرية الكبرى، قد عبرت عن نفسها في شكل احزاب تمارس نشاطها على الساحة بكل حرية، ولكن المعطيات الراهنة والمؤشرات السياسية، تؤكد بأن هذه التكوينات السياسية والاحزاب ظلت مرتبطة تقليدياً بمفهوم الديمقراطية المركزية والحرص على بقاء قياداتها حتى ولو تجمد الدم في اطرافها، وهو ما يتناقض مع مبدأ العمل السياسي المفتوح الذي ينبغي ان يحتل مساحة في تفكير تلك القيادات الحزبية، ومن هذا المنظور فإن استمرار المركزية الحزبية دون ديمقراطية قد جعل بعض الاحزاب بمثابة جمعية للاستفتاء المحدود حول سياسة سكرتاريتها، التي تظل هي المؤسسة العاملة طوال الوقت وقد تنوب عن الحزب في احسن الاحوال، وهو ما ادى الى إعاقة الممارسة الديمقراطية داخلها، وانعكست سلباً على أدائها الانتخابي وأدى الى انغلاقها على نفسها وعدم انخراطها في الحوار الجدي الهادف الى تحصين التجربة الديمقراطية من اي تجاوز او اختراق على الصعيدين الاجتماعي والمؤسسي بعبارة اخرى هناك تراجع شديد فيما يتعلق بتوظيف الديمقراطية داخل هذه الاحزاب بالمقارنة مع خطابها الاعلامي والايديولوجي المتشدد، الذي يطالب بتطبيق الديمقراطية الى اوسع مدى ممكن، بما يتعلق بنظام الحكم وقيام المجتمع المدني، وهذا الانفصام الذي بات معروفاً لكل من يتابع المدركات السياسية والثقافية لهذه الاحزاب المؤدلجة يضعنا -فعلاً- أمام خطاب سياسي ملتبس ومزدوج، يقوم على الخيار الديمقراطي قولاً وفي ذات الوقت يمارس الانتقائية ويقبل بعض العناصر ويرفض عناصر رئيسية في المنظومة الديمقراطية التي لا تعرف التجزئة.. واحياناً دون إدراك ما عانته اليمن من الناحية الواقعية من جراء جلب بعض التجارب والافكار، التي اعتسفت الواقع وقولبته وفقاً لمقتضياتها الفكرية وبما يتلاءم معها، وفوق تلك المعاناة فانها قد تضررت ايضاً من الميول الانقسامية الناجمة عن العلاقات الزبائنية التي ظلت تحكم علاقات بعض الاحزاب فيما بينها، ومع فئات المجتمع بصفة عامة، وفي كل الأحوال لو ترك للآلية الديمقراطية ان تستمر وتترعرع في إطار الدستور لآتت اكلها في النهاية، بما يضمن مصالح المجتمع، التي ينبغي ان تحتل الاولوية على ما عداها من المصالح الآنية الضيقة خاصة في ظل توافر اجواء التفاؤل والأمل السائدة، والحرص على تعميق المناخات السياسية الصحية والتطور الديمقراطي المستمر والذي سيفضي في النهاية الى تنامي الشعور بأهمية النقد الذاتي داخل كل الاحزاب ودمقرطة مؤسساتها وهياكلها التنظيمية بصورة تدريجية ولو بعد حين.. هذا إذا ما ارادت فعلاً ان تثبت وجودها السياسي كقوة منظمة تعبر عن مصالح اجتماعية .. وتتجاوز عقلية القبو السياسي، الى العمل الجماهيري المفتوح الذي تتيحه التجربة الديمقراطية الراهنة للجمهورية اليمنية.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
معركة الحديدة!!
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
عقيد/ جمال محمد القيز
أوراق متساقطة في الساحل الغربي
عقيد/ جمال محمد القيز
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
كاتب/ احمد ناصر الشريف
اربعة أعوام مع ثورة 21 سبتمبر
كاتب/ احمد ناصر الشريف
مقالات
كاتب/نصر طه مصطفىفي حقوق المرأة(2-2)
كاتب/نصر طه مصطفى
صحيفة 26 سبتمبرالعرب والعراق!
صحيفة 26 سبتمبر
صحيفة 26 سبتمبرشهر كريم!
صحيفة 26 سبتمبر
مشاهدة المزيد