الثلاثاء 25-09-2018 19:56:26 م : 15 - محرم - 1440 هـ
وضوح كعين الشمس
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 8 سنوات و 10 أشهر و 12 يوماً
الخميس 12 نوفمبر-تشرين الثاني 2009 10:01 ص
بدا المشهد اليمني هذا الاسبوع مثيراً لفضول المراقب الخارجي في حجم ونوع تناقضاته ففي اقصى شمال اليمن اجتاز حريق التمرد الحدود اليمنية السعودية ليضع نشاط الحركة المتمردة على صدارة المسرح الاقليمي وليؤكد الشكوك حول طبيعتها من انها ليست حركة مطلبية وانما حركة مذهبية ذات اهداف تتعدى اليمن ولم يتأخر الموقف الايراني مما جرى عن تأكيد الطبيعة الاقليمية للتمرد. وصار واضحا الآن ان شعار "الموت لامريكا والموت لاسرائيل" يمر اولا بالموت في محيط الحركة المتمردة ولا ندري بعد هذا كيف سيصل الى "أمريكا واسرائيل" وهو على الارجح لن يصل ابداً عن طريق هذه الفئة وعبر وسائلها فقد بينت التجارب السابقة والمماثلة في العالم العربي ان كل الذين ارادوا الموت لاسرائيل وامريكا عبر الموت لمحيطهم سقطوا في المحيط وتسببوا بالضرر لاهلهم وابناء وطنهم ولم يصلوا إلى حيث يزعمون الوصول، وان هؤلاء تسببوا من حيث يدرون او لايدرون بزيادة قوة الاعداء عبر اضعاف البيئة المناهضة لهم وشدها نحو الاسفل لتنشغل برأب الصدع ومعالجة آثار الفتن والحروب الأهلية.  لقد سقطت الصيغة الاولى للمقاومة اللبنانية جراء انخراط ابرز مكوناتها في الحرب الأهلية الطائفية، ولم تنجح الصيغة الثانية للمقاومة الا عندما صممت على حصر عملها في التصدي للمحتل وحده وقد تعرض افرادها في بعض المناسبات للقتل الجماعي العمد لكنها لم ترد حرصا على عدم الانخراط في الفتنة المنصوبة لها وللجميع. وفي العراق سقط المذهبيون من كل الفئات عندما انخرطوا في الحرب المذهبية، فيما الاحتلال من حولهم ومن فوقهم ومن تحتهم. وسقطت حركة الانشقاق الفلسطيني الاولى في فتح بعد ان انشغلت باغتيال القيادات الفلسطينية بزعم القتال ضد الصهاينة فوقع الاذى على الفلسطينيين دون عدوهم، هذا في حين كان الشيخ احمد ياسين مؤسس "حركة حماس" يقول مراراً وتكراراً لن نطلق الرصاص على الرئيس ياسر عرفات حتى لو قتلنا جميعا لاننا نعتبر ان القتال ضد اسرائيل هو أولوية الاولويات. وسقطت كل الحركات التي كانت تدعي ان الانتصار على الاعداء يبدأ بالانتصار على الاهل ولن يكون مصير المتمردين في صعدة أفضل من مصير هؤلاء جميعا. وفي صنعاء بدا المشهد اليمني مثيرا للحيرة فالمعارضة المدنية مازالت تصر على التعاطي مع احداث اقصى الشمال بوصفها من "اختراع الدولة" وتدبيرها رغم حجم الضرر الوطني الكبير الذي ينجم عن التمرد والذي اخذ يطرق ابواب الحدود التي استمرت معلقة خلال اكثر من سبعين عاما وحرمت اليمن من فرص النهوض الاقتصادي في كافة العهود ولعل المعارضة المدنية لا تحسب الوقت كما ينبغي ان يحتسب فهو ثمين لها مثلما هو ثمين لغيرها وان الانتظار يحرمها من هامش المبادرة الضروري في مثل هذه الحالات للاستمرار في اللعبة السياسية. ومن المفترض انه صار معلوما للمعارضة المدنية ان التمرد ينطوي على نقل الصراع الى الحيز الاقليمي ويخرجه بوضوح من الاطار الداخلي وبالتالي يطيح بالحسابات المبنية على القول بان ما يجري هو قضية داخلية بين السلطة والمعارضة. ربما يجدر بالمعارضة المدنية ان تستفيد من الوقت القليل المتبقي وبالتالي ان تعيد النظر في رهانها على التطورات اليمنية بوصفها حمالة لانقلاب في المعطيات الداخلية فعندما تصبح القضية اقليمية فانها تفرض بالضرورة اصطفافا بين الداخل والخارج اي بين ما هو يمني وما هو غير يمني وفي هذه الحالة سيكون اصطفاف المعارضة المدنية اصطفاف الضرورة وسيكون محدود الاثر ومتواضع النتائج وفي محافظتي مارب وشبوة بدا المشهد اليمني مختلفا تماما هذه المرة مع تصدير الغاز الى الخارج وسط احتفال رسمي كان الشك يحوم حول انعقاده فاذا التصدير يترافق مع مهرجان خطابي ووعد بزيادة المداخيل اليمنية وفرص العمل والاستثمار وهو ينطوي على رسالة واضحة بان الدولة مهيأة لكل الاحتمالات وبالتالي قادرة على العمل في مختلف الجبهات وهذا يقطع مع المشهد الاعلامي الخارجي الذي تبدو فيه شؤون اليمن وكأنها ستنقلب رأساً على عقب خلال ايام معدودة. رفاعة الطهطاوي عدت مؤخرا لكتاب " تخليص الابريز في تلخيص باريز " لرفاعة الطهطاوي حتى ارى كيف نظر شيخ عربي مصري ازهري الى العاصمة الفرنسية خلال اقامته فيها لمدة تقل عن خمس سنوات وكيف يمكن ان يراها مقيم عربي لبناني منذ اكثر من عقدين ولعل حصيلة المقارنة تدير الرأس. يلخص الطهطاوي باريس فعلا اذ يقف على كافة وجوهها بعين نقدية مقارنة فهو يرى تعدد معارف الفرنسيين الذين " لم يقف تمدنهم على حالة واحدة مثل اهل الهند والصين " و ينبهر بالعمران لكنه يلاحظ" نقص حجر الرخام" في العمائر وكان سائدا في الابنية الفخمة في الشرق. ويمتدح تحصيل الضرائب لانها" تؤخذ بكيفية لا تضر المعطي " ويؤكد على عادة القراءة عندهم فهي " انس الفرنسوية وسائر العامة يقرأون ويكتبون وكل انسان عنده خزنة كتب" في منزله. وباريس التي زارها " خالية من الحشرات فلا يسمع ان انسانا فيها لدغته عقرب" اماعقاراتها فهي " غالية الثمن والكراء"... وما زالت حتى اليوم. وينتقد الطهطاوي الرجال الفرنسيين بوصفهم" عبيد النساء سواء اكنَّ جميلات ام لا " ويعظ شعراً بقوله: "لا يكن ظنك الا سيئا بالنساء وان كنت من اهل الفطن > ما رمى الانسان في مهلكة قط الا ظنه الظن الحسن " ويرى أنهم " اقرب الى البخل من الكرم والحقيقة ان الكرم في العرب" على حد تعبيره لكنه يمتدح عند الفرنسيين" وفاء الوعد وعدم الغدر وقلة الخيانة " ويشخص وعيهم بدقة مذهلة " .. عقولهم رومانية وطباعهم يونانية " وينتقد عنصريتهم الممتدة حتى يومنا هذا " .. وعندهم السود عارون عن النظافة " ولو قدر له أن يسمع ما قاله الرئيس الفرنسي السابق «جاك شيراك» عن حي يقطنه السود وروائح طعامهم الصادمة لجيرانهم الفرنسيين لربما استنتج بأن قرنا واكثر من ثلاثة ارباع القرن لم تؤثر جوهريا في نظرتهم الى السود وربما الاجانب اجمالا.ويفتخر الطهطاوي بلغتنا العربية مقارنة بالفرنسية اذ يرى ان" لسان العرب هو اعظم اللغات وابهج " ويردد كعادته في التفضيل ابياتاً شعرية لتأكيد ما يقول " يليق الخطاب اليعربي بأهله ... فبهدى للنقص والحسن للقبح ... ومن شرف الاعراب ان محمداً ... اتى عربي الاصل من عرب فصح.. وان المثاني انزلت بلسانه... بما خصصته في الخطاب من المدح".ويقارن بين مفاهيم الفرنسيين ومفاهيم العرب" .. وما يسمونه الحرية ويرغبون فيه هو عين ما يطلق عندنا بالعدل والانصاف، فهذه البلاد حرية بقول الشاعر: وقد ملأ العدل اقطارها وفيها توالى الصفا والوفا" وكان الطهطاوي قد ارسل خادمه ذات يوم الى مذبح لشراء اللحم وعاد متهولا من طريقة الذبح عبر ضرب الثيران على رؤوسها بمطرقة حديدية ليعلق على لسان خادمه بانه" .. يحمد الله على انه ليس بقرة يذبحها الفرنسيون " ولا يخلو وصف باريس عنده من روح الدعابة فهو يروي انه كان يسير يوما في الشارع المحاذي لاقامته عندما سمع سكيرا يخاطبه " يا توركو يا توركو " نظراً لملابسه التي توحي بانه تركي وليس عربيا، ويقول انه اصطحب السكير الى دكان قريب وقال لصاحب الدكان ممازحا كم من المواد تعطيني مقابل هذا الرجل فيرد صاحب الدكان" هذا يحصل في بلادكم وليس عندنا حيث الناس لايباعون ولا يشرون "  لايكف الطهطاوي عن المقارنة بين حال الفرنسيين واحوال العرب فيستحسن بعض ما عندهم، ويمتدح بعض ما عند العرب ويتمنى الاخذ بالافضل منهم ومنحهم الافضل مما عندنا منطلقا من تفكير ندي ووعي للذات مواز لوعي الفرنسيين، وليس ادنى بل احيانا أعلى كما لاحظنا في المقارنة بين اللغتين الفرنسية والعربية.  يزعم بعض الحداثيين عندنا انهم أتوا في مجال الحداثة باعظم مما اتاه القدماء من مثقفينا، وهو زعم لا ينطبق باية حال على شيخنا المصري ذلك ان ما لخصه الطهطاوي خلال اقامته الباريسية القصيرة عن احوال التمدن والعمران في عاصمة الفرنسيين بمنهجه المقارن وبسلم الافضليات الذي اعتمده مازال صحيحا حتى يومنا هذا رغم اقتراب موعد المئوية الثانية على رحلته الباريسية. ويختلف الطهطاوي في تلخيصه الباريسي عن مثقفين مصريين كثرا، استقروا زمنا اطول في العاصمة الفرنسية ونظروا الى يسمى ب "النور الفرنسي" من موقع المغلوب واخذوا مناهج الفرنسيين وطرق تفكيرهم بوصفها منقذاً من "الضلال العربي" ولم يصيبوا في الحالتين. خلاصة القول ان احدا منا لايستطيع اليوم الافتخار بما عندنا مقابل ما عند الفرنسيين بعد ان صرنا في موقع المغلوب الذي يسير على خطى الغالب في القسم الاكبر من شؤونه ولعل هذا يعكس جوهر تخلفنا الجاثم والثابت ان لا تقدم يرتجى في احوالنا ما لم نغادر هذا الموقع انه ام المشاكل عندنا ومنه بطونها المتعددة .. شكراً رفاعة بيك رافع الطهطاوي ففي تلخيصك لباريز "قول ضباط" في عالم عربي معاصر يضج اليوم باقوال الجنود. 
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
استاذ/ عباس الديلمي
من شواهد أنهم لا يقرأون (2)
استاذ/ عباس الديلمي
مقالات
كاتب/نصر طه مصطفىالدين.. الصحابة.. السياسة 3
كاتب/نصر طه مصطفى
بروفيسور/سيف مهيوب العسليخداع الحوثية 5: ثقافة التشاؤم
بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةالرهانات الخاسرة !!
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
صحيفة 26 سبتمبرلؤلؤة اليمن
صحيفة 26 سبتمبر
كاتب/احمد ناصر الشريفهل يفعلها أبو مازن؟!
كاتب/احمد ناصر الشريف
مشاهدة المزيد