الجمعة 21-09-2018 14:27:36 م : 11 - محرم - 1440 هـ
وظائف الدولة في الاقتصاد العادل!
بقلم/ بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
نشر منذ: 8 سنوات و 10 أشهر و 28 يوماً
الجمعة 23 أكتوبر-تشرين الأول 2009 01:02 ص

من المؤكد ان السلطة السياسية أي الحكم قد وجدت منذ زمن بعيد. فقد كانت التطور الطبيعي لسلطة القبيلة و سلطة الإقطاعيات. و قد أطلق عليها عدد من التسميات لعل من أهمها دولة المدينة كما هو مشهور في التاريخ اليوناني القديم ثم الممالك ثم الإمبراطوريات.

       لكن المفهوم الحديث للدولة لم يبدأ الا في القرن الخامس عشر في القارة الأوربية. و قد قام ذلك في البداية على التحديد الجغرافي لسلطتها. فالدولة الحديثة هي كيان للممارسة السلطة في نطاق جغرافي معين و بصفة دائمة أي ان هذا الكيان لا يسعى للممارسة السلطة خارج حدوده و بالتالي فانه يقبل بوجود كيانات سياسية أخرى مستقلة عنه.

       لقد أطلق على هذا النطاق الجغرافي اسم البلاد او القطر. و في القرن التاسع عشر تم تحويله الى امة او وطن و ذلك من خلال التركيز على القواسم المشتركة التي تجمع بين السكان القاطنين فيه. و عندما تعددت الأوطان أطلق على مجموعها التجمع الدولي أي مجموع الدول. و نتيجة لذلك فقد تحولات الممارسات و العادات التي نشئت بينها الى ما أطلق عليه بالقانون الدولي. و فيما بعد أطلق على ذلك المجتمع الدولي.

       لقد نظم القانون الدولي الى جانب العلاقات بين الدول طرق قيام و انحلال الدول. و على الرغم من مضي وقت طويل نسبيا على ذلك فلا زال هناك عدم اتفاق على كل القواعد المنظمة لذلك. فعلى سبيل المثال فان من شروط قيام الدولة وجود ارض تخصها و لا تتنازع عليها مع أي دولة أخرى و وجود شعب ينتمي الى هذه الأرض و غير منتمي الى ارض أخرى و وجود سلطة معترف بها من قبل هؤلاء السكان قادرة على ممارسة الحكم فيها غير ان ذلك لا يكون كافيا على الرغم من ضرورته. فلا تكسب الدولة شرعيتها الا بالاعتراف الدولي بها أي اعتراف بقية الدول بها. فإذا ما حصلت هذه الدولة على اعتراف جماعي فلا إشكال في شرعيتها و لكن اذا حصلت على اعتراف البعض فقد لا يكون ذلك كافيا. و مع ذلك فان هناك دولا قامت و استمر بحكم الامر الواقع على الرغم من عدم حصولها على اعتراف دولي او حصولها على اعتراف جزئي فقط.

       لقد مثل التحديد الجغرافي لسلطة الدولة تطورا كبيرا في مفهوم الدولة الحديثة فتح الباب واسعا امام حدوث تطورات أخرى في تحديد سلطة الدولة في داخل هذا النطاق الجغرافي. و لقد ترتب على ذلك ضرورة تحديد صلاحيات الدولة في مواجهة مواطنيها و كذلك صلاحيات مؤسسات الدولة تجاه بعضها البعض. و قد أطلق على ذلك القانون و الذي يضم الدستور و القوانين الاخرى.

       مما يلاحظ ان هذه القوانين قد اختلفت من دولة الى أخرى. و قد كان ذلك تعبيرا عن سيادة الدولة الذي يمكنها من اختيار ما ترغب به من القواعد و التي تحدد وفقا للعلاقات السائدة فيها. فالسيادة هنا تعني حق الدولة المعنية في ذلك مع التزامها بعدم نشر ذلك الى الدول الاخرى التي تتمتع بنفس الحق.

       و على الرغم من ذلك فان كل الدول تتشابه في بعض الخصائص. و لعل من أهم ذلك احتكار الدولة لحق استخدام العنف. و لذلك فانها وحدها المخولة تطبيق القوانين و التعامل مع الدول الاخرى فيما يخص القضايا المرتبطة بالسيادة.

       و نظرا لان هذه القوانين لا ترتبط بشخص معين او بوضع معين و إنما قد ستتمر لوقت طويل فقد أطلق عليها دولة. فالدولة إذن تمثل القواعد و المؤسسات التي تحكم العلاقة بين سكان إطار جغرافي معين.

       و لذلك فنهاك فرقا بين الدولة و الحكومة. فالدولة تمثل القواعد و القوانين و الإجراءات التي تم التوافق عليها لتنظيم العلاقة بين الأفراد داخل الدولة و بين الدولة و الدول الاخرى في حين ان الحكومة هي التي الجهة التي تطبيق ذلك. و في هذه الحالة فان تغير الحكومة لا يعني تغير الدولة الا اذا ترتب عليه تغير في القواعد المنظمة لذلك. فالحكومات تتغير باستمرار و الدول تبقى بدون تغير لفترات طويلة.

       تتغير الدول في تغيرها من ملكية الى جمهورية من دولة الحزب الواحد الى دولة التعددية الحزبية. أما الحكومات في الدولة الواحدة فقد تكون الحكومة ديمقراطية اذا تم انتخابها من المواطنين و قد تكون ديكتاتورية و قد تكون مدنية و قد تكون عسكرية.

       تختلف الدول بحسب وظائفها. فالدولة الدكتاتورية تحتكر كل الوظائف في المجتمع و بالتالي فانها تلغي أي دور للفرد او للأسرة او لمنظمات المجتمع المدني. في حين ان الدولة الديمقراطية تحتكر بعض الوظائف في المجتمع مع السماح للفرد او الأسرة او منظمات المجتمع المدني بممارسة بعض الوظائف. و على الرغم من ذلك فانه من الصعب تحديد الوظائف التي تحتكرها الدولة في ظل الدولة الديمقراطية و تلك التي يسمح لغيرها بممارستها و كذلك تحديد الحدود الفاصلة بين ما هو مسموح للفرد ممارسته من وظائف و ما هو من اختصاص الأسرة او منظمات المجتمع المدني. فالعلاقة بين الدولة و الفرد و الأسرة و منظمات المجتمع المدني لا زالت حتى وقتنا الحاضر متداخلة و متشابكة.

       من الناحية النظرية فان وظيفة الدولة في الدول الديمقراطية تنحصر في إنتاج و توزيع و الإشراف على السلع و الخدمات العامة. غير انه لا يوجد تعريف محدد و متفق عليه حول طبيعة السلع و الخدمات العامة. فأفضل تعريف لها هو انها السلع و الخدمات التي يحتاجها كل المواطنين و لا يوجد حافز للأفراد لإنتاجها و مثال ذلك الدفاع و الأمن و القضاء. لكن هذا التعريف لا ينطبق تمام الانطباق على سلع و خدمات مثل التعليم و الصحة و التوازن الاجتماعي و الادارة الاقتصادية.

       و لقد ترتب على ذلك اختلاف في وظائف الدولة حتى في الدول الديمقراطية. فوظائف الدولة في المجتمعات المحافظة تنحصر بالدفاع و الأمن و القضاء. في حين ان وظائفها في المجتمعات اللبرالية تمد لتشمل الى جانب الوظائف التقليدية التعليم و الصحة و الادارة الاقتصادية. أما في الدول الاشتراكية الديمقراطية فان وظائفها يمتد ليشمل بعض المجالات التي هي من اختصاص الأفراد و منظمات المجتمع المدني مثل الضمان الاجتماعي بكل إشكاله و أنواعه.

               و قد حدث تطور كبير في مفهوم الدولة في النصف الأخير من القرن العشرين. و يتمثل ذلك في تقاسم السلطة بين المركز و المحليات و كذلك في العلاقة بين الدول بسبب العولمة. فحتى في الدول البسيطة فان الدولة المركزية تفوض العديد من صلاحياتها الى منظمات محلية على اعتبار ان ذلك يعالج مشكلة البيروقراطية التي تعاني منها الدولة المركزية.

       و على الرغم من الفوائد العديد من عملية عادة هيكلية الدولة لصالح اللامركزية فان هذه العملية قد خلقت مشاكل جديدة. و لعل من أهمها التعامل مع الازدواجية في الادارة و الإشراف و الناتجة عن تقاسم الصلاحيات و المسؤوليات بين المؤسسات المركزية و المؤسسات المحلية و بين مؤسسات الرقابة و المحاسبة المركزية و الرقابة الشعبية المباشرة. و نظرا لقصر فترة هذه التجربة فانه من غير الممكن إصدار إحكاما نهائيا عن أدائها. و من المؤكد ان هذه التجربة ستعبر عن ذلك في المستقبل ان فشلا او نجاحا.

       أما على المستوى الدولي فان سيادة الدولة القطرية او القومية قد تلاشت كثيرا تحدت تأثير عولمة حقوق الإنسان الأساسية. فمن الواضح ان هناك اتجاها قويا لجعل هذه الحقوق دولية أي انها لا تخص دولة دون أخرى و امة دون أخرى و لا ثقافة دون أخرى. و على هذا الأساس فانه من المقبول السماح لأي دولة في انتهاك هذه الحقوق تحت حصانة السيادة التي تتمتع به الدول.

       و لقد عبر هذا الاتجاه عن نفسه بعدد من المنظمات و المؤسسات. فقد تم إنشاء محكمة الجنيات الدولية التي من اختصاصها محاكمة رؤساء الدول و كبار مسئوليها في حال اتهامهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية او جرائم حرب. و كذلك فان العديد من الدول قد أعطت لمؤسساتها القضائية صلاحية محاكمة المتهمين بجرائم حقوق الإنسان حتى لو كان مكان هذه الجرائم خارج إقليمها او المتهمين في ارتكابها ليسوا مواطنين او مقيمين فيها.

       ان هذه التطورات قد إعادة وظائف الدولة الى طاولة النقاش من جديد. و على وجه التحديد فان الوظائف الاقتصادية للدولة يعاد صياغتها في الكثير من الدول و على وجه الخصوص كنتيجة للازمة المالية التي تعرض لها الاقتصاد العالمي في عام 2008. و بما ان هذه الأزمة لم تنتهي بعد فان تأثيرها على الوظائف الاقتصادية للدولة لم يتضح بعد.

       و مع ذلك فانه من التوقع ان يكون لها تأثير كبير على وظيفتين أساسيتين من الوظائف الاقتصادية للدولة و هما الأمن الاقتصادي و الأمن الاجتماعي. يقصد بالأمن الاقتصاد ما ينبغي على الدولة القيام به نيابة عن المواطنين العادين في ضمان عدم تعرضهم للنهب او الاستغلال من المؤسسات الاقتصادية و على وجه الخصوص المؤسسات المالية و النقدية. فالإضافة الى مهمة الحفاظ على قيمة العملة فان عليه ان توسع إشرافها على الأسواق المالية و التعاملات المصرفية و الاستثمارية الجديدة.

       أما فيما يخص الأمن الاجتماعي فالإضافة الى مهمة الدولة في الحفاظ على الوظائف لمواطنيها و سعيها الحثيث في خلق وظائف للقادمين الى سوق العمل فان عليها ان تشارك و بشكل كبير في خلق الأدوات و الآليات المناسبة لمساعدة العاطلين عن العمل من خلال الإعانات و من خلال مساعدة رجال الأعمال المتعثرين للحفاظ على الوظائف. و كذلك فان عليها إعادة النظر في آليات مساعدة كبار السن و المتقاعدين و الأطفال و العاجزين.

       و تكمن المشكلة هنا في توزيع أعباء ذلك على المواطنين في الوقت الحاضر و على الأجيال المتعاقبة. فبعض التجارب في هذا المجال يتم توزع هذا العبء بحسب الدخل و البعض الأخر بحسب الجيل. فالأغنياء في النوع الأول هم الذين يتحملون العبء الأكبر من خلال مقدار ما يفرض عليهم من ضرائب. لكن ذلك يثير تساؤلات عن عدالة ذلك و عن تأثيره على بذل الجهد و تحمل المخاطر. فقد يترتب على ذلك ان يعاقب الجاد على جده و ان يكافئ الكسول و المتردد عن كسله و تردده.

       أما في التجارب الاخرى و التي يتم تمويل هذه النفقات من خلال الاقتراض فتكمن المشكلة فان ما يستفيد منه هذا الجيل يدفع ثمنه الجيل القادم من غير اخذ رأيه في ذلك. في هذه التجارب يتم فقط رأي الجيل المستفيد و لا شك ان هذا الجيل سوف يبالغ في تحميل الجيل القادم تكاليف الرعاية الاجتماعية له. و يضح ذلك في الدول الديمقراطية حيث يتم انتخاب الحكومات التي تغدق الوعود في تحسين الرعاية الاجتماعية بما يفوق بكثير الموارد المتاحة مما يحمل الأجيال القادمة تحمل تكاليف هذه الوعود. 

       و من الواضح ان القيام بهاتين الوظيفتين قد تعقد كثيرا في ضوء اللامركزية المحلية و الدولية. فأي تعثر في بعض مناطق الدولة سيؤثر على المناطق الاخرى بشكل مباشر او غير مباشر. و كذلك فان حدوث أزمات اقتصادية في بعض دول العالم او مناطقه سيثر على الأداء الاقتصاد لكل او غالبية دول العالم و مناطقه.

       ان ذلك يتطلب تطوير وسائل و طرق للتعامل مع ما قد يترتب على ذلك من مشاكل او عقبات. و لذلك فانه لا بد من تركيز البحث فيما يطلق عليه الحوكمة. انها تعني إعادة النظر بالمؤسسات من حيث التنظيم و القواعد و الحوافز بحيث تمكن من مواجهة ذلك بتكلفة اقل و كفاءة اكبر.

       ان ما يميز الحوكمة هو التأثير على تصرفات المشاركين في عملية من العمليات الإدارية او السياسية او الاقتصادية عن طريق الحوافز و ليس عن طريق القوة او القهر. و يتم ذلك من خلال تحديد التوقعات و التفويض بالسلطة و تحديد معاير الأداء.

       فالحوكمة تمكن إدارة العديد من المنظمات سواء تلك السياسية او الاقتصادية او التي لا تهدف الى الربح بطرق غير الطرق السياسية (القوة) او الاقتصادية (السوق). و بذلك فانه عن طريق الحوكمة التنسيق بين الأنشطة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية مما يسهل عملية الشراكة بين هذه المنظمات و المؤسسات و المكونات.

       تعمل الحوكمة على تعزيز مبدأي المسائلة و الشفافية. و لا شك ان ذلك يمكن من سماع أصوات المستفيدين و بالتالي حسن التخطيط و كذلك الرقابة الى المنفذين و بالتالي تحسين معاير الأداء. ان ذلك يعمل على زيادة كفاءة السياسات و سرعة مراجعتها و تقيمها. و ما من شك بان ذلك كله سيجفف منابع الفساد.

       ان تطبيق مفهوم الحوكمة يتطلب تغير وظائف الدول و هيكليتها و المناصب الحكومية و صلاحيتها و تنظيم المؤسسات الاقتصادية و إدارتها و شكل منظمات المجتمع المدني و اختصاصاتها. ان ذلك يتطلب إنشاء شبكة من الشراكات بين الحكومة و القطاع الخاص و منظمات المجتمع المدني و بين هذه و المواطنين و بين المواطنين و بعضهم البعض. ان ذلك سيعمل على إيجاد توازن بين المجتمعات و الدولة و القطاع الخاص و منظمات المجتمع المدني وبين الحقوق و الواجبات و بين المستفيدين و المنفذين.

       تحتوي التجربة الإسلامية على بعض أفضل الممارسات فيما يخص الحوكمة. و لا شك ان ذلك انعكاس لتشديد القران على كل من الشفافية و المسائلة. فأطول أية في القران هي أية الدين. و قد احتوت هذه الآية على تفاصيل كثيرة تخص التعاملات الاقتصادية.

       و حتى يتم مناقشة الوظائف الاقتصادية للدولة في الإسلام او في الاقتصاد العادل فانه ينبغي ان نناقش نظرة الإسلام الى المال او الثروة. فالمصادر أولية للثروة او المال هما العمل و الأرض. فالعمل مرتبط بالإنسان و من ضمن الحقوق الأساسية للإنسان انه له وحده الحق في اختيار ان يعمل او لا يعمل و ان يتحمل نتائج ذلك. و اذا اختار ان يعمل فانه هو وحده الذي يملك حق التصرف بما نتج عن عمله. و اذا رفض ان يعمل فان عليه مواجهة ما يترتب على ذلك من عدم قدرته الى تلبية حاجاته الأساسية الا اذا كان توقفه عن العمل خارج عن إرادته لصغر سنه او كبرها او لمرض او عجز او غير ذلك من الظروف.

       أما الأرض و ما يرتبط بها من موارد مثل التربة و الماء و الأحجار و المعادن فانه تملك بحسب الإحياء او الانتفاع. فمن سبق الى ارض لا مالك لها فهو أولى بها. لكن الإحياء لا بد ان يرتبط بعض مظاهر العمل و لا يقبل التملك اللفظي او ألادعائي. و ينتج عن ذلك ان الأرض و ما فيها من موارد تملك ملكية فردية و لذلك يجتمع للإنسان عنصر العمل و عنصر الأرض الامر الذي يمكنه من تلبية حاجاته الأساسية.

       و ينبغي هنا ان ننبه انه في حالات عديدة فان تملك الأرض و ما فيها من موارد بصفة فردية قد لا يكون ممكنا او مفيدا. فإذا كان ما هو متوفر منها لا يكفي لكل من يريد إحيائها او استغلالها او عندما لا يكون استغلال ما فيها ممكنا فرديا بل يتطلب توافر جهود عدد كبير من الناس او انها ضرورية لكل الناس مثل الطرق والغابات و المنتزهات و غيرها . فانه في هذه الحالة يمكن القول ان الأرض و ما فيها من موارد مملوكة ملكية جماعية لمجموع هؤلاء الأفراد. لكن من المهم ان نوضح ان هذه الملكية العامة لا تتحول بشكل تلقائي الى ملكية الدولة.

       و نفس الامر ينطبق على عنصري الإنتاج الآخرين. فحكم رأس المال نفس حكم الأرض و حكم التنظيم نفس حكم العمل. و على هذا الأساس فان مصادر الثروة في الإسلام يمكن ان تملك ملكية فردية او اجتماعية. و على هذا الأساس فان الدولة في الإسلام كشخصية اعتبارية لا تملك أي مصدر من مصادر الثروة.

تتميز الحياة الاقتصادية في المجتمعات المسلمة بظاهرة الحلال و الحرام. و لا شك ان هذه الظاهرة تؤثر على طبيعة السلع و الخدمات في هذه المجتمعات. فالتعريف التقليدي للسلع و الخدمات هو تلك الأشياء المادية او غير المادية التي يرغب بها المستهلكين. فالمعيار هنا الرغبة فقط. فالأشياء المادية و غير المادية التي لا يرعب بها أحدا لا تعد سلعا.

       أما في الثقافة الإسلامية فان السلع و الخدمات الحلال هي تلك الأشياء المادية و غير المادية التي يرغب فيها الناس و لا يترتب علي الحصول عليها ظلم للفرد المستهلك و للمجتمع الذي يعيش فيه. يقول الله في سورة البقرة " أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّبًا وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (168)". و يقول كذلك في سورة المائدة " يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5) ".

و من الجدير بالذكر ان الله قد احل كل الطيبات و حرم الخبائث. و الطيب هو ما يفيد الناس و الخبيث هو ما يضر. و من الخبيث فقط الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل به لغير الله. يقول الله تعالى في سورة المائدة إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (173)".

فالحلال هو كل شيء أَباحه الله فهو حَلال، وما حَرَّمه فهو حَرَام. وحَلَّ المُحْرِمُ من إِحرامه يَحِلُّ حِلاًّ وحَلالاً إِذا خَرج من حِرْمه.
وأَحَلَّ: خَرَج، وهو حَلال والحَلال ضد الحرام.

و على هذا الأساس فانه من حيث طبيعة السلع و الخدمات فان المفهوم الاسلامي لا يختلف كثيرا عن المفهوم التقليدي. و ان الاختلاف في كيفية الحصول على هذه السلع و الخدمات. فقد تكون السلع و الخدمات من الطيبات و لكنها محرمة لان طريقة الحصول عليها نتج عن ظلم مثل السرقات و الاغتصاب و المصادرة و الإكراه و الغش و غير ذلك من الممارسات. يقول الله في سورة الأنعام

       " وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ (136) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137) وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (138) وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاء عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (140) وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (142) ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144) قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (145) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146) فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)".

       و لهذا السب فان النظام الذي يدير عملية الحصول على السلع و الخدمات لا بد ان يكون عادلا حتى تكون السلع و الخدمات حلالا. يقول الله في سورة المائدة " سماعون للكذب الكالون للسحت فان جاءوك فاحكم بينهم او اعرض عنهم و ان تعرض عنهم فلن يضروك شيئا و ان حكمت فاحكم بينهم بالقسط ان الله يحب المقسطين (42)".

       فالسُّحْتُ والسُّحُتُ: كلُّ حرام قبيح الذِّكر؛ وقيل: هو ما خَبُثَ من المَكاسب وحَرُم فلَزِمَ عنه العارُ، وقَبيحُ الذِّكْر. والسُّحْتُ الحرامُ الذي لا يَحِلُّ كَسْبُه، لأَنه يَسْحَتُ البركةَ أَي يُذْهِبُها. وأَسْحَتَتْ تجارتُه: خَبُثَتْ وحَرُمَتْ.
وسَحَتَ في تجارته، وأَسْحَتَ: اكْتَسَبَ السُّحْتَ. وأَسْحَتَه: اسْتَأْصله وهو الإِهلاكُ والاسْتئصال. أَكَّالُون للسُّحُت، أَن الرُّشَى التي يأْكلونها. يقول الله تعالى في سورة النساء يا أيها الذين امنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض منكم و لا تقتلوا أنفسكم ان الله كان بكم رحيما (29).

فقد اعتبر الله تعالى في كتابه العزيز اموال اليتامى التي يأكلها أوليائهم بالأموال الخبيثة على الرغم من أكلها من قبل اليتامى لا يعد خبثا و لذلك فانه يأمر الأولياء بان يأتوا اليتامى أموالهم و ان لا يتبدلوا الخبيث بالطيب و ان لا يأكلون اموال اليتامى الى أموالهم فإذا فعلوا ذلك فإنهم يكونون قد ارتكبوا ظلما كبيرا. و كذلك فقد اعتبر الله ان استعادة الزوج لما أعطا زوجته من مهرا ظلما و خبثا لكن نفس المهر اذا طابت نفس الزوجة به فانه حلال و طيب.

       و لنفس الأسباب فان إعطاء الأموال للسفهاء ليلعبوا بها و يهدروها حرام لكن رزقهم وكسوتهم منها بالمعروف عمل خير و بر. و نفس الامر ينطبق على إسراف في المال فانه يتحول من عمل صالح الى عمل سيئ. و لان الأموال مهمة في الحياة فان الله تعالى قد حدد كيفية التصرف في المال بعد وفاة صاحبه. و يلاحظ ان الله قد أعطى الأقارب بقدر ما يستحقون و بحسب القرب و ما تبقى بعد ذلك فانه لم يعطيه للدولة و إنما أعطاه للفقراء في موطن المتوفى.

و لذلك فان الأسرة تلعب الدور الأساسي في هذا الاقتصاد. يقول الله تعالى في سورة النور " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاء ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58) وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59) وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء الَّلاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (60) لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون (61) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (62) لا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (64)".

ان الله لم يخاطب الحكام و لا الدول و إنما خاطب الناس و المؤمنين. يا أيها الناس اعبدوا ربكم و ان كنتم في ريب ما أنزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله و ادعوا شهدائكم من دون الله ان كنتم صادقين.

        و بشر الذين امنوا و عملوا الصالحات ان لهم جنات تجري من تحتها الأنهار. و لو أنهم امنوا و اتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون. يا أيها الذين امنوا استعينوا بالصبر و الصلاة و لا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل إحياء و لنبلونكم بشيء من الخوف و الجوع و نقص من الأموال و الثمرات و بشر الصابرين.

       يا أيها الذين امنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم إنما حرم عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل به لغير الله. ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق و المغرب و لكن البر من امن بالله و اليوم الأخر و الملائكة و الكتاب و النبيين و أتى المال على حبه ذوي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل و في الرقاب و أقام الصلاة و أتى الزكاة و الموفون بعهدهم اذا عاهدوا و الصابرين في البأساء و الضراء و حين البأس أولئك الذين صدقوا و أولئك هم المتقون.

       يا أيها الذين امنوا كتب عليكم القصاص في القتلى لان لكم في القصاص حياة. يا أيها الذين امنوا ادخلوا في السلم كافة. فهدى الله الذين امنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه. كتب عليكم القتال و هو كره لكم و عسى ان تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسى ان تحبوا شيئا و هو شر لكم.

       ان الذين امنوا و الذين هاجروا و جاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله. يا أيها الذين امنوا أنفقوا مما رزقناكم. الله ولي الذين امنوا يخرجهم من الظلمات الى النور. يا أيها الذين امنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن و الأذى. يا أيها الذين امنوا أنفقوا من طبيات ما كسبتم. يا أيها الذين امنوا اذا تداينتم بدين الى اجل مسمى فاكتبوه. و أما الذين امنوا و عملوا الصالحات فيوفهم أجورهم. يا أيها الذين امنوا ان تطيعوا فريقا من الذين أتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين. يا أيها الذين امنوا اتقوا الله حق تقاته و لا تموتن الا و انتم مسلمون و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا و اذكروا نعمة الله عليكم اذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا. لقد خاطب الله المؤمنين في هذه المواضع و في غيرها ليدل على انها و جميع اعضائها مسئولون امام الله علي ذلك.

       يا أيها الذين امنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم. و لا تهنوا و لا تحزنوا و انتم الأعلون ان كنتم مؤمنين. و ليمحص الله الذين امنوا. يا أيها الذين امنوا لا يحل لكم ان ترثوا النساء كرها و لا تعضلوهن. يا أيها الذين امنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض منكم و لا تقتلوا أنفسكم. ان الله يأمركم ان تودوا الأمانات الى أهلها و اذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل. يا أيها الذين امنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات او انفروا جميعا.

       و ما كان لمؤمن ان يقتل مؤمنا الا خطئا و ان كان من قوم بينكم و بينهم ميثاق فدية مسلمة الى أهله. يا أيها الذين امنوا اذا ضربتم في الأرض في سبيل الله فتبينوا و لا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا. يا أيها الذين امنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله و لو على أنفسكم او الوالدين و الأقربين فان يكن فقيرا او غنيا فالله أولى بهما. فأما الذين امنوا بالله و اعتصموا به.

       يا أيها الذين امنوا أوفوا بالعقود. يا أيها الذين امنوا لا تحلوا شعائر الله و لا الشهر الحرام و لا الهدي و لا القلائد و لا أمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا و اذا حللتم فاصطادوا و لا يجرمنكم شنأن قوم ان صدوكم عن المسجد الحرام ان تعتدوا و تعاونوا على البر و التقوى و لا تعاونوا على الإثم و العدوان.

       يا أيها الذين امنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط و لا يجرمنكم شنأن قوم على ان لا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى. إنما وليكم الله ورسوله و الذين امنوا الذين يقيمون الصلاة و هم راكعون. و من يتولى الله و رسوله و الذين امنوا فان حزب الله هم الغالبون.

       يا أيها الذين امنوا لا تحرموا طبيات ما احل الله لكم و لا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين و كلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا و اتقوا الله الذي انتم به مؤمنون. يا أيها الذين امنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل اذا اهتديتم. يا أيها الذين امنوا شهادة بينكم اذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم او آخران من غيركم ان انتم ضربتم في الأرض. و لو ان أهل القرى امنوا و اتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء.

       يا أيها الذين امنوا اذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار. يا أيها الذين امنوا أطيعوا الله و رسوله و لا تولوا عنه و انتم تسمعون. يا أيها الذين امنوا استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحيكم و اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة. يا أيها الذين امنوا لا تخونوا الله و رسوله و انتم تعلمون. يا أيها الذين امنوا ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا.

       يا أيها الذين امنوا لا تتخذوا إبائكم و إخوانكم أولياء ان استحبوا الكفر على الإيمان. قل ان كان إبائكم و أبنائكم و إخوانكم و أزواجكم و عشيرتكم و اموال اقترفتموها و تجارة تخشون كسادها و مساكن ترضونها أحب إليكم من الله و رسوله و جهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره.

و لتكن منكم امة يدعون الى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون. كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر. في هذه الحالة فان المسئولية تقع على الامة كلها و لكنها يمكن ان تفوض صلاحياتها لبعضها في بعض المهام الخاصة.

 

       المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و يقيمون الصلاة و يأتون الزكاة و يطيعون الله و رسوله. ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بان لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون و يقتلون. يا أيها الذين امنوا اتقوا الله و كونوا من الصادقين. يا أيها الذين امنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار.

       يثبت الله الذين امنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة. ان الله يدافع عن الذين امنوا. إذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا و ان الله على نصرهم لقدير. الذين ان مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و أتوا الزكاة و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر و لله عاقبة الأمور.

والمَعْرُوف: ضدُّ المُنْكَر. و كل ما تعارف الناس عليه ب، المَعْروفو حسن فالعُرْفُ: ضدّ النُّكْر.والمَعْروف والعارفةُ: خلاف النُّكر.
والعُرْفُ والمعروف: الجُود،المَعْروف: كالعُرْف.
والعُرْفُ والعارِفة والمَعروفُ واحد: ضد النكر، وهو كلُّ ما تَعْرِفه النفس من الخيْر وتَبْسَأُ به وتَطمئنّ إليه.

       و من المعروف ان الشرع لا ينهى عن المُحَسَّنات و إنما ينهى عن المُقَبَّحات وهو من الصفات الغالبة أَي أَمْر مَعْروف بين الناس إذا رأَوْه لا يُنكرونه. والمعروف النَّصَفةُ الشيء وهوُّحْبةِ مع الأَهل وغيرهم من الناس، والمُنكَر: ضدّ ذلك جميعه.

النَّكِرَةُ إِنكارك الشيء وهو نقيض المعرفة.والنَّكِرَةُ: خلاف المعرفة.
ونَكِرَ الأَمرَ نَكِيراً وأَنْكَرَه إِنْكاراً ونُكْراً: جهله والمُنْكَرُ من الأَمر: خلاف المعروف.

       و لان المعروف و المنكر قد يختلف بحسب الثقافة او العادات او الدين لكن هذا الاختلاف و ان كان محدودا الا انه قد يمس الحاجات الأساسية لهذه الجماعات. و هذا ما اقره القران و طبقه النبي محمد صلى الله عليه و سلم عن إقامته دول الإسلام في المدينة. يقول الله تعالى في سورة الأنفال.

"اِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)"

       و قد فسرت مانصهار كلها بصحيفة المدينة التي تحاورت عليها كل الفئات و المكونات الدينية و القبلية فيها. "هذا كتاب من محمد النبي [رسول الله]، بين المؤمنين والمسلمين من قريش و[أهل] يثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمّة واحدة مِن دون الناس. هذا نص على انصهار كل مكونات المدينة في مجتمع واحد بعض النظر عن الاختلاف في الدين و العرق و القبيلة و العشيرة. و قد مثل ذلك تجربة بارزة في انصهار مكونات متمايزة في مجتمع واحد سلما عن طريق الحوار و الاتفاق الطوعي

وأنّه لا يَنحَجِز على ثأرِ جُرحٍ، وأنه مَن فَتَك فبنفسه فتك وأهل بيته إلا من ظَلم، وأنّ الله على أبَرِّ هذا. وأنّ على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأنّ بينهم النصر على مَن حاربَ أهل هذه الصحيفة، وأنّ بينهم النصح والنصيحة والبرّ دون الإثم. .وأنه لم يأثم امرؤٌ بحليفه، وأنّ النصر للمظلوم. وأنّ اليهود يُنفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. وأنّ يَثرب حرامٌ جوفُها لأهل هذه الصحيفة. وأنّ الجار كالنفس غير مضارٍّ ولا آثِم. .وأنّه لا تُجار حرمةٌ إلا بإذن أهلها. وأنّه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفسًا.

ان ذلك ما تم الاتفاق عليه. انه يحدد الحقوق و الواجبات المشتركة بين الأطراف الموقعة على هذه الصحيفة. و هنا نلاحظ العدالة فيه بشك واضح. فالحقوق بقدر الواجبات و هي متوازنة بين كل مكونات هذا المجتمع.

المهاجرون من قريش على رَبعتهم يتعاقلون بينهم وهم يَفدُون عانِيَهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين وأنّ المؤمنين لا يتركون مُفرَحا (أي مثقلا بالدَّين وكثرة العيال) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل. .وأنْ لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه. وأن المؤمنين المتقين [أيديهم] على [كل] مَن بغى منهم، أو ابتغى دَسيعةَ (كبيرة) ظلمٍ، أو إثمًا، أو عدوانًا، أو فسادًا بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعًا، ولو كان ولدَ أحدهم .ولا يَقْتُل مؤمنٌ مؤمنًا في كافر ولا ينصر كافرًا على مؤمن. وأنّ ذمّة الله واحدة يجبر عليهم أدناهم، وأنّ المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس. أنّ سِلم المؤمنين واحدةٌ، لا يُسالِم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم. .وأنّ كل غازية غَزَت معنا يعقب بعضها بعضًا. وأن المؤمنين يُبِيء بعضهم عن بعض بما نال دماءهم في سبيل الله. وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدًى وأقومه، وأنّه لا يحل لمؤمن أقرَّ بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن يَنصر مُحدِثًا (مجرما) ولا يُؤوِيه، وأن من نصره أو آواه فإنّ عليه لعنةَ الله وغضبَه يوم القيامة، ولا يُؤخذ منه صرف ولا عدل.ولا يحول دونه على مؤمن. .وأنّه مَن اعتَبط مؤمنًا قتلا عن بيّنة فإنه قَوَدٌ به إلا أن يرضى ولي المقتول [بالعقل]، وأن المؤمنين عليه كافّةً ولا يحلُّ لهم إلا قيام عليه.

       تمثل هذه القواعد ما اتفقت عليه جماعة المؤمنين لإدارة علاقاتها فيما بينها. و ينبغي هنا ان نلاحظ ان هذه القواعد قد وافق عليه كل المنتمين للجماعة و لم تفرض فرضا عليهم. و كذلك فان هذه القواعد لا تلزم الا جماعة المؤمنين و على الرغم من قناعة هذه الجماعة بها فانها لم تفرضها على الجماعات الاخرى. و ايضا فانه ينبغي هنا ان نشير الى هذه القواعد لم تضمن أي انتهاك لحقوق الجماعات الاخرى.

.      وبنو عَوف على رَبعتهم يتعاقلون معاقلَهم الأولى، وكل طائفة تَفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 5.وبنو الحارث [بن الخزرَج] على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 6.وبنو ساعِدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تَفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 7.وبنو جُشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 8.وبنو النّجّار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 9.وبنو عَمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 10.وبنو النَّبِيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 11.وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

       تعكس هذه الوثيقة التنوع بين غير المسلمين من المشركين في المدينة و قد قبل بها المسلمون في دولتهم و لم يحالوا ان يغيروها. فكل جماعة من هذه الجماعات تظل قيادتهم (ربعتهم) على ما كانت عليه قبل الإسلام و بدون أي تغير الا اذا رغبوا هم في ذلك. و كذلك فان القواعد التي كانت تنظم عملية التكافل بينهم ظلت على ما كانت عليه (معاقلهم الأولى).

مَن تبعنا من يهود فإنّ له النصرَ والأسوةَ غير مظلومين ولا مُتناصرين عليهم.وأنّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا مُحاربين. وأنّ يهود بني عوف أُمّة مع المؤمنين، لليهود دِينهم وللمسلمين دِينهم، مَواليهم وأنفسهم إلا من ظلَم وأثم، فإنه لا يُوتِغ (أي لا يهلك) إلا نفسه وأهل بيتِه. وأنّه لا تُجار قريش ولا مَن نَصَرها. وأنّ بينهم النصر على مَن دهم يثرب. ذا دُعوا إلى صلح يُصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وأنهم إذا دَعوا إلى مثل ذلك، فإنه لهم على المؤمنين إلا مَن حاربَ في الدِّين. على كل أناس حِصَّتهم مِن جانبهم الذي قِبَلهم.

وأنّ ليهود بني النّجّار مثل ما ليهود بني عوف. وأنّ ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف. وأنّ ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف. وأنّ ليهود بني جُشَم مثل ما ليهود بني عوف. وأنّ ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف. وأنّ ليهود بني ثَعلَبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا مَن ظلم وأَثم فإنّه لا يُوتِغ إلا نفسَه وأهلَ بيته. وأنّ جَفْنَةَ بطنٌ مِن ثعلبة كأنفسهم. وأنّ لبني الشُّطَيبَة مثل ما ليهود بني عوف، وأنّ البرَّ دون الإثم. وأنّ موالي ثعلبة كأنفسهم. وأنّ يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البِرّ المحض مِن أهل هذه الصحيفة.

تمثل هذه الحقوق التي أعطيت لإتباع الديانة اليهودية. مما يلاحظ على ذلك ان الصحيفة قد اعترفت بالتنوع داخل الطائفة اليهودية و أعطت كل مكوناتها نفس الحقوق مقابل نفس الواجبات سواء كانت طوائف يهودية إسرائيلية او طوائف يهودية من أصول عربية. بل ان الصحيفة قد اعترف بالعلاقات و التحالفات التي كانت قائمة بين اليهود من جهة و المشركين العرب من جهة أخرى.

وأنّ البِرّ دون الإثم لا يَكسِب كاسب إلا على نفسه، وأنّ الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبَرِّه. .وأنه لا يحول هذا الكتابُ دون ظالمٍ أو آثم، وأنه مَن خرجَ آمِنٌ ومن قعد آمِنٌ بالمدينة، إلا مَن ظلم وأثم، وأنّ الله جارٌ لمن بَرَّ واتّقى ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأن بطانة يهود كأنفسهم. وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد[صلى الله عليه وسلم. .وأنّه ما كان بين أهل هذه الصحيفة مِن حَدث أو اشتجار يُخاف فسادُه، فإنّ مَرَدَّه إلى الله [عز و جل] وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبَرِّه. وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإنّ مردَّه إلى الله [عز و جل وإلى محمد [ صلى الله عليه وسلم.

ما ورد في هذه الفقرة يمثل صلاحية الحاكم أي النبي صلى الله عليه و سلم كحاكم. فقد أقرت كل الجماعات في المدينة بقيادة النبي صلى الله عليه و سلم و لكن بعضها لم يقر به كنبي. و ربما يمثل ما في هذه الفقرة الفرق بين مهام النبي صلى الله عليه و سلم كحاكم و بين مهامه كنبي. و الخلفاء بعده ربما يقتدون به كحاكم و ليس كنبي لأنهم ليسوا أنبياء.

       فلا يحق للدولة كمؤسسة ان تجبر الناس على السخرية أي العمل بدون مقابل او جبرا. و كذلك فانها لا تستطيع مصادرة أملاك مواطنيها او غيرهم بدون مقابل او جبرا. فقط الدولة تستطيع ان تدير بعض عناصر الإنتاج المملوكة للأفراد او للمجتمع نيابة عنهم. و حتى يكون ذلك شرعيا فانه لا بد ان تحصل الدول على تفويض من الأفراد او المجتمع يحدد صلاحياتها و مسئوليتها. و في مقابل ذلك فانه لا بد ان يتم الاتفاق على المال او الثروة التي يتنازل عنها الأفراد و المجتمع مقابل القيام بذلك. يقول الله تعالى في سورة البقرة " وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (188)".

       و بطبيعة الحال فان الأفراد و المجتمع لن يتنازل لها الا بتلك المهام التي لا يستطيعون القيام بها او تلك التي يكلفهم القيام بها اكثر بكثير مما يتنازلون عنه من ثروة او مال للدولة و مؤسساتها.

       فقد ذم الله الرهبان الذين يأكلون اموال الناس بالباطل و ذم الناس الذين يقبلون بذلك فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طبيبات أحلت لهم و أخذهم الربا و قد نهوا عنه و أكلهم اموال الناس بالباطل. و لذلك فقد قال الله قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله و لا باليوم الأخر و لا يحرمون ما حرم الله و رسوله و لا يدينون دين الحق من الذين أتوا الكتاب. يا أيها الذين امنوا لا تكونوا ككثير من الأحبار و الرهبان لا يأكلون اموال الناس بالباطل و يصدون عن سبيل الله و كالذين يكنزون الذهب و الفضة و لا ينفقونها في سبيل الله.

       عليكم أيها المؤمنون ان تأخذوا من أموالهم صدقة تطهروهم و تزكوهم بها و صلوا عليهم. فنهاك فرق كبير بين ان تكون الأموال المأخوذة غرامات و بين ان تكون زكاة. فالأولى لا تفيد أحدا و الثانية تفيد الجميع.

       و لذلك فالولاية في الإسلام تنقسم الى قسمين. ولاية الأسرة و الأقارب وولاية الجماعة. و قد حدد القران حدود ولاية الأسرة و الأقارب و أعطاها القسم الأكبر من الولاية. و ما لا تستطيع ان تقوم به الأسرة من ولاية فقد أعطها الإسلام للجماعة. أما ولاية هي والإِمارَةُ من ولاية الجماعة و لذلك فانها ليست ثابتة و إنما تتحدد بما تتنازل به الجماعة من صلاحيات للدولة و مؤسساتها. 

فالوَلْيُ: القُرْبُ، والدُّنُوّ والوَلِيُّ:المُحِبُّ، والصَّدِيقُ، والنَّصيرُ.
ووَلِيَ الشيءَ،و عليه وِلايَةً وَوَلايَةً. و الولاية هي والإِمارَةُ، والسُّلطانُ.
وأوْلَيْتُه الأمْرَ: وَلَّيْتُه إياهُ.والوَلاءُ: المِلْكُ.

والمَوْلَى: المالِكُ، والعَبْدُ، والمُعْتِقُ، والمُعْتَقُ، والصاحِبُ، والقريبُ كابنِ العَمِّ ونحوِه، والجارُ، والحَليفُ، والابنُ، والعَمُّ، والنَّزيلُ، والشَّريكُ، وابنُ الأُخْتِ، والوَلِيُّ، والرَّبُّ، والناصِرُ، والمُنْعِمُ والمُنْعَمُ عليه، والمُحِبُّ، يقال القومُ على وَلايةٍ واحدةٍ، ويُكْسَرُ، أَي: يَدٍ. وأوْلَى على اليتيمِ: أوْصَى.
ووَالَى بين الأمْرَيْنِ مُوالاةً ووِلاءً: تابَعَ. وتقول: فلان وَلِيَ ووُلِيَ عليه، كما يقال: ساسَ وسيسَ عليه. ووَلاّهُ الأمير عملَ كذا وتولى العملَ، أي تقلّد.

والوَلاءُ: المُوالونَ. يقال: هم وَلاءُ فلان. والمُوالاةُ: ضد المعاداة.
ويقال: والى بينهما وِلاءً، أي تابَعَ. وافْعَلْ هذه الأشياء على الوِلاءِ، أي متتابعةً. 

       و سواء كانت الولاية ولاية أسرة او ولاية جماعة او ولاية دولة فانها لا بد ان تخضع للمعروف و المنكر فتستخدم للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. الأَمْرُ: معروف، نقيض النَّهْيِ. أَمَرَه به وأَمَرَهُ. فالله تعالى يقول في سورة الأعراف " خذ العفو و أمر بالعرف و اعرض عن الجاهلين". و يقال ءاتمر الق" وأْتَمِرُواأي أمر بعضهم بعضا. يقول الله تعالى " وأْتَمِرُوا بينكم بمعروف" فمعناه، والله أَعلم، لِيَأْمُرْ بعضُكم بعضاً بمعروف.

ئْتِمارُ والاسْتِئْمارُ: المشاوَرَةُ،وآمَرَهُ في أَمْرِهِ ووامَرَهُ واسْتَأْمَرَهُ: شاوره. و يقال آمَرْتُه في أَمْري مُؤامَرَةً إِذا شاورته، والعامة تقول: وأَمَرْتُه.

       و من سوء الحظ ان الدولة في التاريخ الاسلامي قد حلت محل الأسرة و الجماعة في الكثير من الأمور. و لذلك فقد تراجع مقدار العدل في الاقتصاد.

فبعد وفاة النبي صلى الله عليه و سلم عادة الدولة الى الجمع بين الوظيفة السياسية و الوظيفة الاقتصادية للدولة. و لم تعد السلطة السياسية للدولة تقوم على التعاقد بين الموطنين الأحرار الذين يحددون حقوق بعضهم البعض تجاه بعضهم البعض بل تم اغتصاب ذلك منهم. ولاشك ان ذلك قد اثر كثيرا على العدالة. فإذا ما كان الحاكم طرفا في أي اتفاق فانه بكل تأكيد سيسعى لان يكون هذا الاتفاق متحيزا له و ضد المواطنين. و نتيجة لذلك فلم يعد العدل هو معيار التعاون بين المواطنين و يكون الظلم عدو الجميع و بالتالي فلم يسعوا الى محاربته في أنفسهم أولا و في محيطهم ثانيا و على مستوى الدولة ثانيا.

       و لذلك فلم تعد مهام السياسيين في هذا النموذج تنحصر فقط في مهمتين أساسيتين هما حل أي مشاكل قد تنشأ داخل هذا الكيان بأقل قدر ممكن من التكاليف و تعظيم منافع جميع المنضوين تحت هذا الكيان بأكبر قدر ممكن بل أصبحت تحقيق مصالح الحاكمين. و لذلك فقد أعطوا أنفسهم حق التدخل في شؤون المجموعات المكونة لهذا الكيان.

       و نتيجة لذلك فقد أصبح هم السياسيين البحث عن الثروة و قد كان ذلك على حساب خدمة الجماعات المنضوية تحته. و على هذا الأساس فان السياسيين لم يكتفوا بالحصول على ما يكفيهم من الأموال لسد حاجاتهم الأساسية و إنما أصبحوا ينافسون رعايتهم بالثراء و بالتالي في التجارة و احتكار عناصر الإنتاج المختلفة.

و حتى يتم العودة الى الاقتصاد العادل فانه لا للأمة من تحدد لهم ما يكفيهم من خلال أي موارد عامة تتوفر لها. فقد كان النبي صلى الله عليه و سلم يعيش على ما يتبرع له به أصحابه و لم يفرض على الجماعات غير المسلمة أي جبايات او إتاوات. فقط كان يقبل منها الهدية. و كان أصحابه الذي يساعدونه على إدارة هذا الكيان يمارسون الأنشطة الاقتصادية التي يكسبون منها قوتهم مثلهم مثل غيرهم. و عندما كان يحدث أمر غير عادي يتطلب موارد إضافية فان الرسول صلى الله عليهم و سلم يدعو المسلمين للتبرع لهذا الغرض مباشرة.

       و في مرحلة لاحقة كان يتم تمويل هذه الأمور من مورد محدد هو خمس الغنائم او الفيء. و في هذه الحالة فان الرسول صلى الله عليه و سلم كان يقترض عند الحاجة و يسدد هذه القروض عندما يحصل على أموال من خمس الغنيمة او الفيء او التبرعات.

       و لقد ترتب على ذلك ان ما ينفقه المجتمع كله على الأنشطة السياسية كان محدودا. فلم يسمح للسياسيين في المبالغة في نفقاتهم. و لذلك فانه لم يكن من ضمن الأنشطة السياسية إقامة القصور او المرافق العامة و لا القيام باحتفالات و طقوس سياسية مكلفة.

       و لذلك فانه يمكن القول بان تكاليف الأنشطة السياسية في نظام المدينة كان هو الأقل على مدى التاريخ الذي سبق قيام هذا النموذج و الذي لحقه. ان هذه التجربة تحتاج من الجميع في العالم الى الوقف عندها عند الحديث على الأنظمة السياسية في العالم.

       لقد تمتعت المدينة بحرية اقتصادية كاملة. فقد القطاع الخاص جميع الأنشطة الاقتصادية فيها من زراعة و تجارة و أعمال حرفية أخرى. فكما تشير الوثيقة فان وظيفة الدول قد اقتصرت على توفير الأمن و العدل بين الناس و منع الظلم. و لذلك فان الدفاع عن المدينة كانت مسئولية جميع سكانها. و قد تم تقسيم جهات المدينة الى أربعة أقسام بحيث يتولى الدفاع عنها كل من جهته. و في جال اشتراك الجميع في الدفاع عن المدينة و يتجمل الجميع تكاليف ذلك. و في حال القيام بأي أعمال عسكرية خارج المدينة فان تكاليف ذلك يقع على عاتق من يقوم بهذه الأعمال فقط.

       و كذلك فان الحفاظ على امن المدينة من الداخل يقع على عاتق جميع من يسكنها. و لذلك فانه لا ينبغي لأي احد ان يؤوي محدثا و لا ان يدافع عن ظالم حتى لو كان ولده او أبيه. و في مقابل ذلك فان الدولة لا يحق لها ان تفرض أي رسوم او إتاوات. و في هذه الحالة فان تمويل نفقات الحكومة كانت تأتي بشكل أساسي من خلال الأعمال التطوعية و التبرعات و الصدقات و الكفارات.

       أما الحماية الاجتماعية مثل إعانة المحتاج و عقل المستحق و غير ذلك من أعمال التكافل الاجتماعي فقد تركت لكل طائفة من الطوائف على حده. و مع ذلك فان طائفة المسلمين قد ألزمت نفسها بان تتعاون من المحتاجين منها في حال عدم كفاية التكافل الاجتماعي على مستوى الطوائف التي ينتمون إليها.

       و قد ترتب على التفاعل بين الوظيفة الاقتصادية و الوظيفة السياسية للدولة على هذا النحو تطوير آليات جديدة لتمكين الدولة الإسلامية من القيام بهاتين الوظيفتين. و مع ذلك فانه يمكن ان ملاحظة ان وظيفة الدولة الاقتصادية قد تطور بعض الشيء في أواخر عهد المدينة. و على وجه التحديد فانه من الملاحظ ظهور بعض الآليات التي كونتها الدولة في المدينة و المتمثلة في آليات تقسيم الغنائم و الفيء و الزكاة.

تتمثل الغنائم بما يحصل عليه المقاتلون من سلب بعد انتهاء المعارك و انتصارهم و عند ما يفر أعدائهم و يتركون ورائهم أموالهم و أمتعتهم و غير ذلك. و في الغالب فان معظم الغنائم تتمثل في الأموال المنقولة و لا تشمل الأراضي و المنازل.

و بما ان المقاتلين هم في الأساس متطوعون و يمولون أنفسهم بأنفسهم فان ما يحصلون عليه من مغانم هو لهم مقابل ما تحملوا من عناء مقابل ذلك. و ينبغي ان نلاحظ هنا ان الحصول على أي غنائم ليس مؤكدا. فعلى العكس ففي حال هزيمة المقاتلين من قبل أعدائهم فإنهم يخاطرون بان يسلبهم أعدائهم ما يمتلكون.

       و نتيجة لذلك فان الله تعالى قد قسم الغنائم الى خمسة أقسام أربعة أقسام تقسم بين المقاتلين بعد جمعها و انتهاء المعارك و القسم الخامس هو لله و لرسوله. و قد استخدم رسول الله هذا القسم في الإنفاق على أهل بيتهم و على تجهيزات الغزوات و على فقراء المسلمين. ان ذلك يعد أول مصدر للأموال العامة و للنفقات العامة. و لا شك ان هذا المصدر كان متذبذبا من وقت الى أخر و بالتالي فانه لم يمثل مصدرا معتبرا و بالتالي فانه لم يمثل أي أساس يذكر لتوسيع مهام الدولة في المدينة.

الفيء هو ما يحصل عليه المسلمون من أموال سواء كانت منقولة او غير منقولة بغير حرب و لا قتال و لكن فان غالبية الفيء كان من الأصول الثابتة. و من الناحية العملية فان أول فيء في الإسلام كان من الأراضي التي رحل عنها أصحابها مثل قرى عرينة و بني النظير و بني قينقاع و خيبر و غيرها. و قد حدد القران ان الفيء هو لرسول الله. و قد كان رسول الله يتصرف بذلك من خلال تقسيمه الى ثلاثة أقسام قسم ينفق منه على أهله و قسم يستخدمه في النفقات العامة مثل استقبال الوفود و إرسال الهدايا و غير ذلك و قسم أنفقه رسول الله صلى الله عليه و سلم لمساعدة فقراء المهاجرين و الأنصار.

تمثل الزكاة ما فرضه الله للفقراء من أموال الأغنياء. و بذلك فإننا نجد في هذا الأسلوب أول طريقة في العالم تعالج العلاقة بين الأغنياء و الفقراء يقوم على اعتبارات إنسانية. ان هذا الحق لا يرتبط بأي علاقة اجتماعية او سياسية او اقتصادية و إنما فقط يقوم على اعتبارات إنسانية. فالزكاة لا علاقة لها بالقرابة بل انه لا يجوز ان تدفع الزكاة لمن تجب نفتهم مثل الوالدين و الأبناء و الزوجين. و بنفس الوقت فان الزكاة لا تدفع للسياسي نالا اذا كانوا عاملين عليها و لذلك فان رسول الله كان لا يقبل الزكاة و لا يسمح لأقاربه بالحصول عليها. و من الواضح ايضا ان الزكاة لا تدفع للعامين مع دافع الزكاة حتى لا يتدخل حقهم في الحصول على إيجاره و حقهم بالحصول على الزكاة. أنها فقط من كل غني و لكل فقير بعض النظر عن أي اعتبار أخر. و قد تعددت الزكاة بتعدد الأموال و تعدد الاحتياجات بحيث تكون كافية لمعالجة الفقر في كل الظروف و في كل الأحوال.

       ان تحقيق الاقتصاد العادل يتطلب اعادة النظر بالوظائف الاقتصادية لكل من الاسرة و الدولة و القطاع الخاص و منظمات المجتمع المدني. و من المؤكد ان التجربة الاسلامية كما وردت في القران و كما طبقها النبي صلى الله عليه و سلم تمثل نقطة انطلاق في هذه المسيرة. انها مفيدة ليس فقط للعالم العربي و الاسلامي و لكنها مفيدة للعالم كله.

عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
بومبيو يشهد زوراً أمام الكونغرس
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
استاذ/ عباس الديلمي
من شواهد أنهم لا يقرأون (2)
استاذ/ عباس الديلمي
مقالات
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةحقيقة هؤلاء!!
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةمع الوطن لا عليه!!
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
مشاهدة المزيد