الأربعاء 14-11-2018 05:21:54 ص : 6 - ربيع الأول - 1440 هـ
صناعة الرأي العام بين الإعلام الحر والإعلام المقيد
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 9 سنوات و 4 أشهر و 19 يوماً
الخميس 25 يونيو-حزيران 2009 07:29 ص
لم يخطئ اولئك الذين عقدوا مقارنة بين وسائل الاتصال التي رافقت احداث ايران الكبرى معتبرين ان «الكاسيت» لعبت دوراً محورياً في بث الدعوة الخمينية لاسقاط نظام الحكم الشاهنشاهي وتأطير الانصار والمؤيدين وسائر الراغبين بالتغيير وان الشبكة العنكبوتية تلعب اليوم دوراً محورياً في بث دعاوى الاصلاحيين وسائر معارضي الرئيس المنتخب محمود احمدي نجاد. بيد ان المقارنة تقف عند هذا الحد ذلك ان الصراع في ايران بين الاصلاحيين والمحافظين يدور تحت سقف النظام السائد وينحصر في المؤسسة التنفيذية ولا ينطوي على رهانات لنقل هذا النظام من الموقع الديني الى الموقع العلماني.
والبادي أن منع وسائل الاعلام القانونية من تغطية الاحداث الايرانية لا يخدم اغراض المحافظين بل يسير على الضد من تلك الاغراض لان المنع يحمل المعنيين على استخدام الشبكة العكنبوتية على نطاق واسع ويتيح لمن يرغب من الاطراف الخارجية التدخل من اجل تضخيم المعلومات وتوجيهها في الاتجاه المناهض للحكومة ومؤيديها.
والراجح ان الجهة التي اتخذت قرار المنع لا تدرك انه غير مفيد في عالم باتت فيه وسائل الاتصال عصية على التحكم المطلق وان المنع يوحي بان الحكومة تريد للرأي العام ان لا يطلع على وقائع من حقه الاطلاع عليها وفي هذه الحالة تضعف حججها ومبرراتها الرامية الى معاقبة وسائل الاعلام بزعم انها تتولى تضخيم الاحداث وتحريفها وتوجيهها في سياق عدائي للنظام والدولة.
موجز القول ان المنع يضعف حجة السلطة بدلاً من ان يحميها ويمنح الطرف الممنوع موقع الضحية وهو الموقع الاقوى اخلاقيا ومنه يمكن توجيه التهم ضد السلطة دون الحاجة الى براهين ودون حرج فكل ممنوع يثير حشرية وفضول الرأي العام وبالتالي يجذب جمهوراً واسعاً ربما لم تكن وسيلة الاعلام الممنوعة تحلم بحجمه واهتمامه قبل منعها.
والثابت في كل حالات المنع والحجب انها تهدف الى كف مساعي الخصم عن التأثير في اتجاهات الرأي العام وتوهين عزيمته عبر التضليل وتحريف الحقائق واذا كانت مثل هذه الوسائل فعالة قبل ثورة الاتصالات فانها صارت اليوم ضئيلة التأثير بل تنم عن ضعف سرعان ما يوظفه الخصم في حملة مضادة من اجل زيادة وزن حججه ودعاويه ومضاعفة حجم مؤيديه خصوصاً ان وسائل الاتصال الحديثة عصية على الرقابة ولا تخضع لقيود أخلاقية أو قانونية وبالتالي يمكن تحويلها الى اسلحة دمار معنوي ضد الطرف المستهدف.
ولعل الدرس الذي يتوجب استخلاصه من هذه التجربة ومن تجارب مماثلة عديدة هو أن معركة صناعة الرأي العام لا يمكن كسبها الا عبر حرية القول المؤطرة بقوانين وعبر وسائل اعلام فعالة تتيح للطرف المعني كسب الرأي العام من خلال عدالة قضيته ووسائله الاخلاقية في الدفاع عنها، في هذه الحالة وفيها وحدها يمكن كشف وسائل الخصم واساليبه الديماغوجية والدعاوية وتقديمها للرأي العام بوصفها محاولات عدوانية على حقوقه ومصالحه وفي هذه الحالة وفيها وحدها يصعب ان ينتصر الباطل على الحق والظلم على العدالة.
الثأر يؤكل طبقاً بارداً
«الثأر يؤكل طبقاً بارداً» هذا المثال يستخدمه المستعمرون الاجانب للاشارة الى عزمهم على ملاحقة القضايا التي تهمهم حتى النهاية وبالتالي الثأر من هزائمهم عندما تتاح لهم ظروف الثأر، ويستخدم المثال أيضاً للتأكيد على انهم لا ينسون أبداً وان ذاكرتهم معمرة ابداً، وليس المثال المذكور مجرد قول عابر فقد طبق في منطقتنا في مناسبات عديدة لعل ابرزها ما وقع خلال الحرب العالمية الاولى.فبعد انهيار الخلافة العثمانية واحتلال بريطانيا للقدس وفرنسا لسوريا ذهب الجنرال الفرنسي غورو الى مقام صلاح الدين الايوبي واطلق عبارته الشهيرة: (ها قد عدنا يا صلاح الدين) وذلك في اشارة الى هزيمة الصليبيين في القرن الثالث عشر وطردهم من العالم العربي في حملة شهيرة قادها صلاح الدين الايوبي. وكان الجنرال البريطاني اللنبي قد ردد العبارة نفسها في القدس وفي الحالتين نحن أمام ترجمة حرفية للمثال المشار اليه: «الثأر يؤكل طبقاً بارداً».. بعد خمسة او ستة قرون.!!
وحتى لا نغوص في عمق التاريخ أكثر مما ينبغي نعود الى احتلال العراق في العام 2003م وقد لاحظنا بعد سقوط بغداد تلك الفرحة العامرة للجنود البريطانيين الذين قاتلوا بحماس الى جانب الولايات المتحدة الامريكية لتحطيم الدولة التي كانت مبنية على طرد الاستعمار البريطاني وهزيمته في ثورة العشرين في بلد تفتخر بريطانيا انها صنعت حدوده وفرضت احترام هذه الحدود وجعلت نظامه ملكياً فقرر العراقيون شيئاً آخر وقلبوا الملكية واقاموا نظاماً مختلفاً وقرورا ان حدودهم مصطنعة وان عليهم ان يحطموا ما صنعته المملكة المتحدة.
مع احتلال بغداد بحماسة بريطانية رسمية مخالفة لارادة الشعب البريطاني الذي رفض باكثريته الساحقة هذا الاحتلال كان بوسع المحتل البريطاني ان يتحدث عن "الثأر" من العراقيين الاحرار لو لم تتصد له المقاومة العراقية وتحمله على الانسحاب من البلاد بعد تكبيده خسائر مازال تشفيرها لم يكتمل بعد.

خطرت لي هذه الملاحظة اثناء التطورات اليمنية الاخيرة وذلك بعد ان طرح علي الزميل فريد باعباد بواسطة الايميل السؤال التالي: لماذا تتعاطف بريطانيا بحماس مع الانفصاليين اليمنيين؟ ولماذا تعاطفت من قبل بطريقة مشبوهة مع جيش عدن أبين؟ لم أعثر على جواب آخر غير: الثأر يؤكل طبقاً بارداً.