السبت 17-11-2018 02:10:10 ص : 9 - ربيع الأول - 1440 هـ
العراق.. هل تهرب واشنطن الى الامام أم الى الوراء
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 13 سنة و شهرين و 13 يوماً
الخميس 01 سبتمبر-أيلول 2005 10:10 م
 حجبت مأساة جسر الائمة التي تمثلت بسقوط مئات القتلى والجرحى ـ حجبت مؤقتاً ـ قضية الدستور العراقي والمشاكل العويصة التي يثيرها ليس فقط داخل العراق ولكن ايضا على الصعيد الامريكي نفسه ذلك أن الوثيقة الدستورية التي تزعم حل المشكلة العراقية تطرح مشاكل خطيرة يؤدي تفاقمها الى تهديد وحدة العراق وتفكيكه والتسبب بحرب أهلية عرقية دائمة داخل أراضيه كما أنها قد تطيل أمد وجود القوات الامريكية في العراق بدلا من ان تقصره وبالتالي تجعل واشنطن تغرق أكثر فأكثر في الرمال العراقية المتحركة.
والظاهر أن مديح الرئيس جورج بوش للدستور العراقي واعتباره زهرة دساتير الشرق الاوسط والعالم الاسلامي لايتناسب مع نظرة العراقيين انفسهم لهذا الدستور. إذ يلاحظ لجهة الفدرالية التي ينص عليها أن الكرد هم الطرف الوحيد الذي صفق للدستور لانه يقر وضعاً استقلالياً كردياً مستمراً منذ حرب الخليج الاولى ويصل الى حد السماح لهم باقامة سفارات في الخارج مستقلة عن التمثيل الرسمي العراقي ويمنحهم موارد نفطية كانت حتى الآن ملكاً لكل العراقيين ومن الطبيعي أن يدفع الكرد باتجاه حصول الشيعة في جنوب العراق على فدرالية شبيهة بفدراليتهم فيصبح تقسيم هذا البلد وتفتيته ليس فعلا كردياً حصرياً وانما ايضاً فعلاً عربياً شيعياً بحجة الحرمان والتخلف الموروث زعماً عن النظام السابق. والحقيقة ان الدستور المقترح ينطوي على خطر نشوء "شيعستان" مستقلة على وزن "كردستان" وفرض "سنستان " قسراً على مثلث الانبار الامر الذي يحيل وحدة العراق التي التزم المحتل بالحفاظ عليها الى خبر كان.
من جهة ثانية لا يلقى الدستور ترحيباً من العرب لانه في احدى مواده يؤكد فقط على ان الشعب العربي في العراق هو جزء من الامة العربية فيما العراق دولة مؤسسة لجامعة الدول العربية وهذه المادة لا تحظى ايضاً بتأييد غالبية العراقيين من غير الكرد.
ومن جهة ثالثة لم يتردد الرئيس بوش في إثارة مخاوف العراقيين مجدداً عندما اكد غداة يوم من اقرار نص الدستور الجديد ان بلاده قد تحتل آبار النفط العراقية بشكل دائم خوفا من سقوطها بيد الارهابيين على حد زعمه الامر الذي يعزز مخاوف العراقيين العرب من شبهة كانت قائمة منذ احتلال هذا البلد وتفيد ان واشنطن شنت الحرب من اجل السيطرة على النفط العراقي ثاني اكبر احتياطي عالمي وليس من اجل البحث عن اسلحة الدمار الشامل.
عندما يؤكد الرئيس بوش أن الدستور العراقي هو افضل دستور في العالم الاسلامي لا يلقى كلامه هذا صدى ايجابيا في اي مكان خارج المناطق الكردية ما يعني انه ربما يكون مفصلا من اجلها ومن اجل خلق عراق على صورتها وما يعني ايضا ان عراقيين كثر سيحاولون اسقاط هذا الدستور بكافة الوسائل المتاحة لهم.
الوسيلة الأولى الماثلة في الافق هي الاستفتاء المزمع اجراؤه للمصادقة على الدستور في منتصف تشرين الاول ـ اكتوبر القادم ذلك أن قانون الدولة المؤقتة ينص على أن الدستور يكون باطلا اذا ما رفضته غالبية المصوتين في ثلاث محافظات عراقية على الاقل والظاهر ان العرب السنة والسيد مقتدى الصدر والسيد الخالصي واية الله البغدادي وآخرين ينوون تشكيل جبهة عراقية قادرة على اسقاط الدستور خلال الاستفتاء وبالتالي اعادة الامور الى نقطة الصفر بالنسبة للادارة الامريكية التي سيكون عليها الخضوع لارادة الاستفتاء ان كانت صادقة وبالتالي السماح للعراقيين باختيار دستور غير فدرالي وغير فئوي وفي ذلك مخاطرة باغضاب الكرد حلفاء واشنطن الموثوقين في العراق.
الوسيلة الثانية في مكافحة الدستور هي تشديد المقاومة العراقية والراجح ان هذه المقاومة قد تستقطب من الآن فصاعدا فئات جديدة خارج المثلث السني وقد تتكثف في المناطق الشيعية والتركمانية فهل تغضب واشنطن الكرد وتسترضي الاخرين للحؤول دون انتفاضة عراقية مسلحة شبه شاملة؟
اغلب الظن أنها لن تفعل لأن سياسة بوش تستند بثبات الى الكرد و تقضي بالاسراع في اختيار دستور للبلاد من اجل توفير انسحاب تدريجي او كلي للقوات الامريكية ما يعني ان الرئيس الامريكي يراهن على الوقت لتحقيق هذا الغرض وفي حال رفض الدستور سيكون بوش قد خسر الوقت الذي يطلبه وخسر ايضا الوثيقة الوحيدة التي امكن تحصيلها حتى الآن في هذا البلد والتي تسمح له بالخروج منه بماء الوجه ولايتضح ذلك الا اذا عاينا الوضع الداخلي الامريكي الذي يتفاقم ازاء الحرب على العراق.
هذا التفاقم لا يختصر بظاهرة السيدة سيندي شيهان والدة احد قتلى المارينز في العراق و ثباتها في المكوث امام مزرعة بوش ومطالبته بسحب الجنود الامريكيين من العراق بل بالتأثير السلبي المتواصل للحرب في اوساط الرأي العام الامريكي فقد بينت استطلاعات الرأي ان اكثر من 56 بالمئة من الامريكيين يطالبون بسحب القوات الامريكية من العراق وان شعبية الرئيس المتدنية بسبب الحرب لم يبلغها رئيس امريكي آخر خلال بداية ولايته الثانية غير الرئيس الامريكي السابق ريتشارد نيكسون الذي تورط هو الاخر في حرب فيتنام ويتضح ايضا ان امريكيين كثراً باتوا يشبهون العراق بفيتنام ما يعني ان على بوش ان يسرع باخراج جنوده من هذا البلد تحت تغطية "الدستور الافضل في العالم الاسلامي" لكن العراقيين السنة وبعض الشيعة يبدو انهم سيحرمونه في الاستفتاء المنتظر من هذه الورقة وسيحرمونه ايضا من الوقت الذي يطلبه وكلما طال بقاؤه في العراق كلما اصبح احتمال خروج قواته باتفاق متعذرا وبالتالي صار الغرق اكثر فاكثر في المستنقع العراقي قائما واستنزاف القوة الاكبر في العالم مرجحاً مع ما يعنيه ذلك من مخاطر تتجاوز بكثير قضية العراق.
يضاف الى ذلك ان القوات المتحالفة مع بوش باتت هي الاخرى تضيق ذرعا بالبقاء في العراق وقد تنسحب مبكرا وتجعل القوات الامريكية وحيدة في هذا البلد. يبقى ان الحز ب الديموقراطي الامريكي لن يتاخر في انتقاد موافقته على حرب العراق ودعمها وفي هذه الحالة قد يجد الرئيس الامريكي نفسه في وضعية لا يحسد عليها وقد تصبح فيتنام ذكرى ماضية بالقياس الى الجحيم العراقي الذي يتحدث عنه الجنود الهاربون من الحرب باوصاف جهنمية.
هكذا يتضح ان على بوش ان يختار في العراق شيئا اخر غير "الدستور الافضل في الشرق الاوسط" لم يعد لديه الا الاختيار بين الهروب الى الامام او الى الوراء والخياران احلاهما مر.