الإثنين 19-11-2018 09:50:55 ص : 11 - ربيع الأول - 1440 هـ
رؤية للتأمل.. في بيت الثقافة !
بقلم/ دكتورة/رؤوفة حسن
نشر منذ: 13 سنة و شهرين و 16 يوماً
الخميس 01 سبتمبر-أيلول 2005 10:07 م
قالت الأستاذة أمة العليم السوسوة وزيرة حقوق الإنسان في حوار هاتفي خلال المحاولات التي لم تتوفق أبداً لجعل وقتها يسمح بزيارة المعرض الذي ازدهى على مدار عشرة أيام بوجود صورتها وسيرتها ونموذج من الرداء العام شبه الرسمي الذي تميزت بارتدائه، أن كثيراً من الأحداث التي ارتبطت بهذا المعرض قد تمنحني فرصة الكتابة على مدى سنتين كمادة خصبة لا تنفد. وهو بالفعل قول صحيح فقصة هذا المعرض تفوق التصورات التي كانت في ذهني سواء عن الترتيبات له أو عن طريقة حماس البعض أو عن طريقة إهمال البعض الآخر له. لقد مثل المعرض بالنسبة لي ليس فقط تجربة للتأثير الثقافي على السائد والمعتاد من قراءات للتاريخ بل قراءة خاصة لكيف يتعامل المسؤولون والصحفيون وذوي المصالح والناس العاديين مع عمل مثل هذا. والقراءة هذه تكشف كثيراً من الجوانب التى تفسر أسباب ركود الواقع الثقافي اليوم .
هذا البيت:
تعبير بيت هو تعبير حميم فعلاً لمكان يدخله المرء فيشعر بالمحبة تجاهه. هذا ما يحدث لك إذا قضيت عشرة أيام كل صباح في هذا البيت، وعدت له في العصرية حتى الثامنة مساءً. إنه يمثل بيئة صغيرة متواضعة أشبه ببيت كبير لأسرة يمنية واسعة. ففي الصباح يأتي جمهور جديد لا يزيد عن المأتين شخص وفي المساء يأتي مثلهم.
وبعد صلاة المغرب تتجمع وجوه جديدة ومتكررة للاستماع الى فعالية المساء. وقد تردد كثير من قراء دار الكتاب على الأمسيات في البداية بتحفيز من مدير البيت كي يساعد فعالياتنا على الحصول على جمهور لملء الكراسي، وبعد ذلك صاروا من أنفسهم يحبون المشاركة والتفاعل مع النقاشات والأفكار الجديدة.
لم تكن القصة فقط معرضاً يرصد رموز هوية تكون الأمة اليمنية من بدايات رسم حروفها العصرية حتى ضجيج قوة لحظتها الراهنة، بل كان أكثر كان عبارة عن نسج علاقات إنسانية بين فئة من جيل شاب لا يرى له موقعاً أو مساحة وبين تاريخ يراه بعينه المجردة للمرة الأولى فيكتشف غرابته..هنا بذلة امرأة وهناك صورة حاكم كأنه «مهراجا» وآخر يشبه الرجل العجوز الساكن في الحارة وهو يخرج من باب الجامع.. هل هؤلاء الذين تحدثت ملامحهم وبقايا ما كان منهم هم من زمن بعيد أو قريب، وهل يمثلون قادة ما وصلنا اليه اليوم؟ هذا القرب المكاني بين الجناح الأول الذي يمثل فترة التمزق والتشرذم ووجود الكيانات الصغيرة في ظل الهيمنة والوجود البريطاني وبين الجناح الرابع الذي يمثل فترة الوحدة، يجعل القائمين بالشرح والتفسير قادرين على ضرب الأمثلة مشيرين عبر المسافات الفاصلة بين الشرفات الثلاث الى الأجنحة الأربعة دفعة واحدة.
لا أظن ان هناك بيتاً آخر يمكن أن يستضيف هذا المعرض له مثل هذه الحميمية والقدرة على تكوين الألفة والمودة، وجعل معرض تاريخي سياسي يتحول الى معرض يرغب كل من حضره أن يضيف شيئا ما إليه.
تميز هذا البيت لا ينفي وجود إشكاليات تخص تكوينه، فهو بالقرب من القصر الجمهوري ويتمتع بدرجة حماية عالية ولكنه لا يستطيع أن يسمح لعدد كبير من السيارات بالوقوف. وهو محدود المساحة بما يكفي لإقامة كل الفعاليات التي لا يزيد حاضروها عما يحتملهم استديو تلفزيوني بحيث يمكن أن يكون البث التلفزيوني أو الإذاعي هو الوسيلة الوحيدة لجعل الفعاليات التي تقام في هذا البيت أكثر انتشارا بين الناس.  
وهو مكان مريح الى حد أن أغلب مقابلات الوزير وساعات عمله المفضلة هي تلك التي تتم في هذا البيت ولهذا فقد كان وجودنا لمدة عشرة أيام داخله تضييقا على مساحة الحرية التي يحتاجها الوزير الشاعر. وقد كان حرجنا مما تسببنا له من مضايقات كبيرا لكننا نعده أننا لن نعيد الكرة. فمعرضنا القادم سيكون في المكلا، وبعده سنذهب الى عدن.
جمهور الثقافة:
أطفال ونساء أكثر من أي معرض تاريخي سابق قاموا بزيارة هذا المعرض. فكثير من الذين قاموا بالشرح في الأجنحة المختلفة كانوا من الرجال والنساء مما شجع النساء على المجيء والأطفال كانوا مصدر سعادة للجميع مما منحهم الجرأة على الدخول.
بعض المرات كان الناس يدخلون بثقة المتعود أو المدعو، وكثير من المرات كانت خطوات تردد الداخل تسمح للشرطة السياحية بتوجيه الاسئلة اليهم عن أسباب المجيء. وفي حالات كثيرة تمت إعادة بعض الناس على أعقابهم لأن مظهرهم الرث لم يكن يبعث على الاحترام فعرفنا أنهم قد ذهبوا قبل ان نستطيع التوسط لهم في حق الدخول.. أما المعاقون فقد حدقوا في الشرفات مرة بعد أخرى، ولما لم تسعفهم كراسيهم المتحركة عادوا من جوار السلالم حزانى. هب الذين كانوا بالجوار ورفعوهم الى الأعلى فشاهدوا المعرض. وشعرت بالحزن لهم ولنا وللثقافة السائدة التي تجامل فقط سليم الأطراف كاملها، وسليم المظهر، فليست وحدها الدولة التي يعكس مظهرها التعامل الدولي نحوها، بل الناس أيضا، يعكس من يواجه المعاناة منهم كيف أننا بعد لا نملك ثقافة التعامل مع الآخر المختلف.  
. raufah@hotmail.com