الأحد 18-11-2018 13:48:37 م : 10 - ربيع الأول - 1440 هـ
داريل اندرسون : رأيت الهول بعينه في بغداد
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 13 سنة و شهرين و 22 يوماً
الخميس 25 أغسطس-آب 2005 04:16 م
على الرغم من انشغال الصحافة العالمية على نطاق واسع بقضية الجنود الأمريكيين الذي رفضوا ويرفضون الخدمة في العراق و على الرغم من انكباب المحللين على معاينة أزمة الضمير التي عاشها ويعيشها هؤلاء بسبب اضطرارهم للقتال في حرب غير شرعية واعتمادهم خيار التمرد والهروب من الجيش وبالتالي العيش في المنفى على الرغم من ذلك لا تبدي الصحافة العربية اهتماما يذكر بهذه القضية علما بأن مسرحها هو أرض العراق العربية .فالحرب تدورعندنا أوعلى مقربة منا ويحصد الشعب العراقي نتائجها الكارثية على كل صعيد ومع ذلك لا نهتم بجانب خطير فيها ربما يتحكم بمصير الحرب برمتها فهل نستخدم صحافتنا للفتن الداخلية حصرا وهل نريد حرية التعبير والإعلام الحر من اجل توصيف بعضنا البعض فنتشاتم غافلين عن المخاطر الوافدة إلينا من عشرات الآلاف من الكلم.
ثمة من يقول انه من غير الجائز الحديث في مثل هذه القضايا بدافع الحرص على الصداقة مع أمريكا وهو قول ساذج ذلك أن الصحافة الأمريكية تضج بأخبار من هذا النوع وبغيره ثم هل تريد أمريكا حرية التعبير في بلداننا من أجل أن نحجب عن الرأي العام عندنا المشاكل التي تعاني منها في حربها الهمجية على العراق وهل تكون الصحافة حرة عندما تلعب لعبة سخيفة من هذا النوع؟
أواصل في هذه الزاوية ما بدأته قبل أسابيع فأعرض شهادتين مترجمتين حرفيا "لوموند ملحق 4 حزيران ـ يونيو 2005 " لجنديين أمريكيين اختارا اللجوء السياسي في كندا على الانخراط في حرب العراق إحداها للجندي الأول المتمرد على قرار الحرب والثانية لجندي قاتل ورأى الهول بعينه في بغداد ثم قال وداعا لما يسميه بـ «هذه الحرب القذرة» لكن كيف ولماذا يهرب الجنود وما هي أعدادهم ومن يحميهم وما هي مشاعرهم وما هي المخاطر التي يتعرضون لها أمام محاكم بلادهم؟
نظريا يخاطرون بحكم الإعدام لكن عمليا يمكن أن يتعرضوا للسجن من سنة إلى خمس سنوات ثم يطردون من الجيش. يهربون عادة خلال مأذونياتهم العسكرية أو عشية تلقيهم أمرالانتشار في الأراضي العراقية. ثم يختفون لبعض الوقت في زاوية مجهولة من الولايات المتحدة الأمريكية يعيشون في التخفي قلقا يوميا من أن ينكشف أمرهم خلال تفتيش عادي للشرطة. يطلبون النجدة هاتفيا من مركز حقوق أل "جي آيز"الذي يعطي نصائح ويقدم خدمات للجنود الذين يعانون صعوبات مثلهم  أنهم مستعدون لعمل أي شيء على ألا يعودوا إلى العراق: الاختباء. إطلاق النارعلى الأطراف. تعاطي المخدرات للحصول على حكم "غير صالح للخدمة"وأحيانا ينتحرون. إن أرقام الهاربين التي نشرها البنتاغون نهاية العام 2004 بلغت ستة آلاف هارب منذ بداية الحرب على العراق مقارنة مع خمسين ألف هارب في حرب فييتنام. وهذا الرقم يبدو معتدلا بالمقارنة مع الأعوام السابقة لكن منظمات قدامى المحاربين ورافضي الحرب تشكك في هذه الأرقام. بعض المتمردين أعيدوا قسرا إلى وحداتهم وذلك بسبب النقص في المجندين.
يتلقى الهاربون من جحيم العراق دعما من قدامى محاربي فييتنام الذين يساعدونهم ويتدبرون لهم المأوى ويدافعون عنهم.جيفري هاوس محام كندي يساعد الهاربين ويدافع عنهم بالقول"...حرب العراق كانت غير شرعية بالكامل في نظر القانون الدولي. كان يراد لها أن تكون حربا وقائية لم تحظ بموافقة الأمم المتحدة وبنيت على الأكاذيب ويكشف مسارها عن انتهاكات منتظمة للقوانين الإنسانية كيف لا يمكن لهذا العامل الأساسي ألا يؤثر على واجبات وحقوق الجنود؟ كيف يمكن سجن جندي يرفض المشاركة في أعمال غير شرعية. والكلام دائما لجيفري هاوس محامي الهاربين من العراق.
  رأيت في بغداد الهول بعينه
داريل أندرسون جرح في بغداد وتلقى ميدالية الشجاعة واليوم لا يعترف إلا بشجاعة واحدة هي هي أنه غادر العراق و"هذه الحرب الوسخة." على حد تعبيره فلماذا؟ وكيف؟
 يقول داريل أندرسون:"تجندت في سن الـ 22 عاما بعد أن قرحني هجوم أل 11 سبتمبر. كان من الواجب الدفاع عن بلدي ومعاقبة البلدان المسؤولة عن الهجوم.إذن كنت مستعدا للحرب ووجدت نفسي في بغداد إلا أن ما رأيته هناك كان الهول بعينه. لم نكن نقاتل جيشا في العراق ولكننا نذبح مدنيين ونساهم في نشر الإرهاب. في كل زاوية من زوايا الشوارع كان يمكن أن نتعرض للقتل ويمكن أن نقتل. لقد شاهدت موت رجال كثيرين والكثير من الوحشية والجنون. كنا نفلت من عقالنا. ارتكبت مجازر عشوائية فضلا عن ممارسة التعذيب والضرب حتى الموت. ذات ليلة تعرضنا لإطلاق نار خلال ساعات. لقد مات رجال شرطة عراقيين بجانبي وعندما هدأ إطلاق النار جاءت سيارة مدنية نحونا قال لي الضابط: أطلق النار عليها. أطلق النار. ماذا تفعل؟ لم أتمكن من ذلك لأنني لم أكن متأكدا من أنها خطرة وقد أتضح من بعد أنها تضم عائلة عراقية مع أطفالها على الرغم من ذلك أنبني المسؤول قائلا" في المرة القادمة أطلق النار". لا أستطيع أن أطلق النار على أبرياء. هذه الحرب قذرة الشباب هناك باتوا غير مؤمنين بها. إنهم يبحثون عن طرق للنجاة بجلودهم كي يعودوا سالمين إلى بيوتهم. إنهم يبكون كالأطفال عندما يعلمون أن تاريخ رجوعهم إلى بلدهم قد تأخر وعدل إلى وقت آخر. كان علي أن أندد بكل هذه الأعمال بعد أن عدت في إجازة إلى "كنتاكي" هل كان علي أن ارتكب جرائم لمجرد أنني وقعت عقدا مع الجيش؟ مستحيل. لذا فضلت الهرب. لم اعد قادرا على أن أتحمل فكرة أن أكون مرتكبا لمذبحة وللكذب. عموما لا أحد يرجع من العراق بكامل قواه العقلية.
لقد تدربت على القتل إذن أقتل
جيريمي هانزمان: أول لاجيء يتقدم بطلب لجؤ إلى كندا بحجة أن حرب العراق غير شرعية وانه لا يريد المشاركة بعمل غير شرعي. يقول:
كنت أمارس مهنة خباز في "داكوتا الجنوبية" ومارست أعمالا صغيرة ومتعددة في "بوسطن" لم يكن ذلك يكفيني. كنت ابحث عن شيء أهم يتجاوز ثقافة الاستهلاك التي نعيشها والقائمة على فعل : اشتر اشتر. اشتر. كنت مخدوعا حينذاك بفكرة أن أمريكا تتدخل في العالم دفاعا عن الحرية والديموقراطية هكذا وقعت عقدا مع الجيش في كانون الثاني ـ يناير عام 2001 . لقد سار الأمر على ما يرام في البداية. كنت أحب الحياة العسكرية وفيها التمارين الرياضية البدنية و التدرب على السلاح ومواجهة التحديات. لقد تم تعييني في الفرقة 82 الشهيرة المجوقلة ومع ذلك كنت اشعر بقلق ما من أناشيد الحرب التي كنا نرددها و التي تقول: تدربنا على القتل إذن سنقتل" هذا الخطاب يرمي إلى تجريد الخصم من إنسانيته. لقد شعرت بأن ذلك مخالف لقيمي. أحب الجيش ولكني لا أريد أن اقتل. لذا تقدمت بطلب لمنحي صفة "معترض ضمير" وكنت اقبل بان يتم نقلي إلى أي مكان آخر شرط ألا اضغط على الزناد. افهموني أن طلبي ضاع ولكني تقدمت بطلب آخر ومن ثم عينت في المطابخ قبل أن يبلغوني بان طلبي قد رفض ثم عينت مسؤولا عن مخزن أسلحة الكتيبة. إن كتيبة ككتيبتي لم يكن بوسعها أن تستوعب أن يقدم أحد جنودها طلب "معترض ضمير" لان ذلك يعد إهانة ما بعدها إهانة لقائدها.
 بعد عودتي إلى "داكوتا". تحدثت مليا إلى زوجتي فانا قررت أن لا أطلق النار على إنسان آخر. لم يكن بوسعي الذهاب إلى العراق فما العمل؟ كان علي ربما أن أقدم إلى المحكمة العسكرية وان يحكم علي بالسجن. كنت وزوجتي مستعدين لهذا الاحتمال ولكن أحدا لم يكن بوسعه القول ما إذا كنت سأبقى في السجن سنة أو خمس سنوات. في هذا الوقت فكرنا بالذهاب إلى فرنسا وقلنا بان شيراك ربما يفهمنا أو إلى السويد بسبب تاريخها المحايد أو إلى كندا بسبب رفضها إرسال جنود إلى العراق ولأنها الأسهل اتصلنا بجماعة مسالمة تقليديا وتعمل ضد الحرب. وعدونا بان يستقبلونا وفي ليلة 3 كانون الثاني يناير2003اتجهنا إلى الحدود الكندية مع طفلنا الصغير. وجدت عملا ساعي بريد على الدراجة الهوائية وآمل بالحصول على إقامة لاجيء سياسي و سأبدأ بترتيب أوضاعي هنا في "تورنتو" يمكن لحياتي أن تكون جميلة في هذا البلد الذي يبعث على الاطمئنان" .
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
أدوات المطامع الخليجية
توفيق الشرعبي
مقالات
كلمة  26 سبتمبرصنوان !
كلمة 26 سبتمبر
استاذ/عباس الديلميالديمقراطية ومشاكـل الشعوب
استاذ/عباس الديلمي
دكتورة/رؤوفة حسنرؤية للتأمل.. يمن معاصر
دكتورة/رؤوفة حسن
استاذ/عباس الديلميمكرمة رئاسية قد لاتكرر
استاذ/عباس الديلمي
مشاهدة المزيد