الثلاثاء 25-09-2018 22:35:37 م : 15 - محرم - 1440 هـ
اليمن والسعودية شريكان في الحرب على الإرهاب (8)
بقلم/ كاتب/أحمد الحبيشي
نشر منذ: 9 سنوات و 5 أشهر و 23 يوماً
الخميس 02 إبريل-نيسان 2009 08:50 ص

 

كما هو حال الكثير من كتاب ومتحزبي ودعاة الإسلام السياسي الصحوي سار الأخوان عبدالفتاح البتول ومروان الغفوري على النهج الرامي إلى الخلط بين ما يجري في فلسطين المحتلة من مقاومة وطنية وكفاح تحرري في سبيل الحرية والاستقلال وبناء الدولة الوطنية الفلسطينية، وبين ما يجري في أفغانستان من ممارسات متطرفة وأعمال إرهابية ملتبسة بالدين،
تحت مسمى "الجهاد" ضد فسطاط (الكفر) وإقامة نظام الخلافة وتطبيق الشريعة، ولاريب في أنّ محاولات الخلط بين المقاومة والإرهاب، وإظهار الجرائم الإرهابية التي يرتكبها تنظيم "القاعدة" في صورة (مقاومة وجهاد) على نحو ما قرأناه في مقالات البتول والغفوري في صحيفتي (الناس) و(المصدر)- لم تكن جديدة علينا، حتى ولو حرص الغفوري على توقيت وقائعها حين تساءل عن مغزى عرض فيلم "الرهان الخاسر" بما هو جهد ثقافي في الحرب على الإرهاب، بالتزامن مع العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة!!
صحيح أن الخطاب الإسلاموي الصحوي درج على تشبيه مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال الإسرائيلي، بما تقوم به "القاعدة" و"طالبان" في أفغانستان، وذلك بهدف الهروب من تحديد موقف واضح وصريح ضد الإرهاب، بيد أن هذا الهروب يكاد أن يكون مكروراً وسمجاً حتى في الجانب المتعلق بضبط "التزامن" بين حالة وطنية يقاوم فيها الفلسطينيون سافكي الدماء وقتلة النساء والأطفال من ساسة وجنرالات الكيان الصهيوني في الضفة الغربية وغزة منذ الانتفاضة الثانية في عامي 2001- 2002، وحتى العدوان على غزة أواخر 2008 وأوائل2009 م، مقابل حالة مماثلة تجسد مقاومة المجتمع العربي لسافكي الدماء وقتلة المدنيين العرب والأجانب من شيوخ ومنفذي الجرائم الإرهابية التي لم ولا يتردد تنظيم "القاعدة" في إعلان مسؤوليته عن الدماء التي أراقها والنفوس البريئة التي قتلها في كل من القاهرة وشرم الشيخ والرياض والدمام وجدة وعمان وصنعاء وعدن وشبام وسيئون ومأرب والدار البيضاء والجزائر ودمشق ونهر البارد في لبنان وبغداد والأنبار والفلوجة وغيرها من المدن العراقية التي درج كتاب ومتحزبو ودعاة الإسلام السياسي الصحوي على التدليس والتماهي مع صناعة الموت والارهاب في العراق، وإظهار الجرائم الإرهابية البشعة التي ارتكبها تنظيم (القاعدة) تحت مسمى (دولة العراق الإسلامية) في صورة (مقاومة وجهاد) على نحو ما سنوضحه بالنقد والتحليل في جزء لاحق من هذا المقال المطول.
من نافل القول إن جنرالات الجيش الصهيوني دأبوا على وصف حروب الإبادة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية خلال عامي 2001- 2002م، وغزة أواخر عام 2008 وأوائل عام 2009م، بأنها جزء من الحرب على الإرهاب، حيث لا فرق بين تصريحات الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش في عام 2001م حين وصف جرائم إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة أثناء انتفاضته الثانية بأنها دفاع عن النفس وبين تصريحاته أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة.. بما في ذلك مطالبته الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بوقف إرسال الانتحاريين إلى إسرائيل أثناء الحرب التي شنتها إسرائيل على الشعب الفلسطيني والأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الوطنية في الضفة الغربية وغزة خلال عامي 2001- 2002م، وصولا الى مطالبته حماس بوقف إطلاق الصواريخ على جنوب إسرائيل في العدوان الأخير على قطاع غزة أواخر 2008 وأوائل 2009م.
ثمة أقلام مسعورة برهن حملتها على إفلاسهم الأخلاقي، حيث تحولت تلك الأقلام إلى أسنة حادة تطعن في الجسد الفلسطيني المثخن بالجراح، وتؤكد التماثل بين موقفي قادة وجنرالات الكيان الصهيوني، من خلال تصوير ما يجري في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، على نحو يجعله مكملاً لما جرى ويجري في واشنطن ونيويورك وأفغانستان وواد سوات بباكستان وبعض المدن العربية من إرهاب وحرب على الإرهاب.
في الذكرى الأولى لأحداث 11 سبتمبر الإرهابية أماط أسامة بن لادن اللثام عن أول دليل يثبت مسؤولية تنظيم (القاعدة) عن تلك الأحداث التي هزت العالم، عندما قدم مداخلة لشريط فيديو يتضمن الوصية الأخيرة للإنتحاري السعودي أحمد الغامدي عشية مشاركته في تفجير أحد برجي التجارة العالمية في مانهاتن تمهيدا لإذاعة شهادات حية لثمانية عشر سعوديا ومصري واحد شاركوا في تلك التفجيرات، وبعد إذاعة وصية الغامدي كتب توماس فريد مان في صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية مقالاً حقيرا قال فيه: إنه لم يلاحظ أي فرق بين الانتحاري السعودي أحمد الغامدي الذي سجل وصيته الأخيرة، على شريط فيديو مصور وهو يعتمر الكوفية الفلسطينية قبل أن يفجر نفسه مع ركاب الطائرة التي اختطفها، في الهجوم الذي دمر أحد برجي مركز التجارة العالمي بمدينة نيويورك، وبين الطالبة الفلسطينية آيات الأخرس من كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة (فتح) التي سجلت وصيتها أيضاً على شريط فيديو مماثل وهي تعتمر الكوفية الفلسطينية قبل أن تفجر نفسها في مجمع استهلاكي كبير بوسط مدينة القدس.. لم يكتفِ فريد مان بهذه المقارنة، بل ذهب بعيدا ليقارن بين "أسامة بن لادن" الذي وصف مفجري أحداث نيويورك وواشنطن بأنهم شهداء، وياسر عرفات الذي وصف -آنذاك- المشاركين في أحداث القدس وناتانيا وحيفا بأنهم شهداء وليسوا إرهابيين.
لقد نسي فريد مان وغيره من كتاب الأعمدة في بعض الصحف الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية، ومعهم بوش وشارون وقادة وكتاب الإسلام السياسي الصحوي،أن المشهد الأفغاني يختلف عن المشهد الفلسطيني.. فقد استنكر المجتمع الدولي بأسره وبضمنه العالم العربي والإسلامي أحداث 11 سبتمبر الإرهابية، ولم تقف دولة واحدة في العالم ضد الحرب التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها على نظام "طالبان" غير المعترف به دوليا، بل أن إيران وهي دولة إسلامية كبيرة وضعها الرئيس الأميركي السابق بوش ضمن ما يسمى "محور الشر"، لعبت دوراً مسانداً للولايات المتحدة في حربها على "طالبان" وساهمت في إسقاط نظامها الكهنوتي الدموي، وكانت أول دولة أجنبية تفتح سفارة لها في العاصمة "كابول" اعترافا منها بالنظام الجديد الذي تمخض عن تلك الحرب!!
على العكس من ذلك وقفت الولايات المتحدة الأمريكية وحدها -لا شريك لها- في دعم حرب الإبادة التي شنتها حكومة إسرائيل في عام 2001 وعام 2008م على الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية ومقاومته المسلحة، فيما أصدر مجلس الأمن الدولي خمسة قرارات دولية بالإجماع لصالح الشعب الفلسطيني أثناء حربي الإبادة التي تعرض لها، وقراراً واحداً بتحفظ من الولايات المتحدة الأميركية، أحد هذه القرارات هو القرار رقم (1397) الذي أكد على حق الشعب الفلسطيني في بناء دولة وطنية مستقلة، واثنان منها وهما القرار رقم (1402) والقرار رقم (1403)، طالبا الحكومة الإسرائيلية بإيقاف عدوانها غير المسبوق على الفلسطينيين، وسحب قواتها من جميع مدن الضفة الغربية التي احتلتها.. أما القرار الرابع ورقمه (1405) فقد نص على تشكيل فريق تحقيق دولي لتقصي الحقائق حول جرائم الحرب التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في جنين. كما نص القرار رقم 1850 الصادر في عام 2008م على ضرورة إحلال سلام شامل يستند إلى الرؤية المتمثلة في وجود منطقة تعيش فيها دولتان متجاورتان وقابلتان للبقاء -إسرائيل وفلسطين- جنباً إلى جنب في سلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها، فيما أكد القرار رقم 1860 الصادر في يناير 2009م على وجوب وقف العدوان على غزة وانسحاب القوات الاسرائيلية، وتحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية، وهو ما لم يحدث أثناء الاجتياح الأمريكي لأفغانستان، حيث لم يصدر مجلس الأمن الدولي قرارا واحدا لصالح نظام "طالبان" المخلوع!!
في أفغانستان لم تواجه الولايات المتحدة الأمريكية، أية صعوبة في البحث عن حلفاء أفغان لإسقاط نظام (طالبان)، حيث وجدت قيادات سياسية وعسكرية ودينية جاهزة بقيادة مجاهدين أشاوس أمثال برهان الدين رباني وعبد رب الرسول سياف وغيرهم ممن تعاونوا مع الولايات المتحدة الاميركية واجهزتها الاستخبارية في تحقيق أهداف حربها على تنظيم (القاعدة) ونظام (طالبان) في ذلك البلد المنكوب، وهو ما سنأتي إليه بتفصيل أكثر في جزء لاحق من هذا المقال.. والأهم من ذلك كله، فقد أدت تلك الحرب إلى سقوط نظام "طالبان" الكهنوتي وتشرد مقاتلي وشيوخ تنظيم (القاعدة)، وخروج المرأة إلى ميادين العمل والتعليم وانعتاق المجتمع من القيود التي فرضتها سلطة الملالي ورجال الدين على حريته وانتمائه إلى العصر، واستعادة الناس حقهم المشروع في الفرح والغناء والاستمتاع بالفنون وأنغام الموسيقى، فيما عجزت الولايات المتحدة الأمريكية عن الحصول على شخص واحد فقط من أبناء فلسطين ليكون بديلاً عن القيادة الفلسطينية التي أفرط الرئيس السابق بوش طوال سنوات رئاسته في إضعافها والبحث عمن يحل محلها..!!
ومما له دلالة أنّ حرب إسرائيل في فلسطين وعلى العكس من حرب بوش في أفغانستان، دمرت المدارس والجامعات والبنوك والوزارات والمستشفيات والمؤسسات الاقتصادية والخدمية، وأحرقت المزارع، وحالت دون تمكين الطلاب والطالبات من الذهاب إلى مواقع العمل والمدارس والجامعات، الأمر الذي دفع بعضهم إلى مواجهة هذا العدوان الآثم على حقوق الإنسان والمرأة والطفل في فلسطين.. أما الفرق بين القائد الراحل ياسر عرفات والإرهابي المختبئ أسامة بن لادن فهو كبير في الشكل والمحتوى.. فالقائد الراحل ياسرعرفات قاد شعبه ضد الاحتلال الأجنبي، ثم وقف على رأس سلطة وطنية منتخبة يناضل من خلالها المسلمون والمسيحيون الفلسطينيون عن حقوقهم المشروعة في الحرية والاستقلال وبناء الدولة المستقلة، ويعمقون وحدتهم الوطنية بالدم، حيث تتآخى المساجد والكنائس في معارك التصدي للاحتلال، دفاعا عن المصير الوطني للشعب الفلسطيني بمختلف طوائفه الدينية وفصائله المقاومة في أروع ملحمة وطنية كفاحية، وعلى النقيض من ذاك يسعى ابن لادن إلى تغيير العالم بأسره على رأس جبهة إسلامية عالمية متعددة الجنسيات وعابرة الحدود، أعلنت في فبراير 1998م الحرب الدينية على "اليهود والنصارى وعالم الكفر" انطلاقاً من إمارة "طالبانية" كهنوتية لم يعترف نظامها السياسي بالقانون الدولي وقواعد العلاقات الدولية المعاصرة، ولم يعترف بها المجتمع الدولي، ولم تحظ بتأييد الشعب الذي قاسى في ظل ذلك النظام ويلات الإرهاب والاستبداد والإذلال والتشرد والتمييز والقهر والحرمان والهمجية، الأمر الذي لعب دورًا حاسمًا في نجاح أحد أبرز أهداف الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان وهو إسقاط نظام "طالبان" الدموي، وإقامة نظام بديل يحظى باعتراف المجتمع الدولي.
في المشهد الأفغاني وقفت المنظمات والهيئات الإسلامية والعربية الأمريكية، إلى جانب حكومتها ورئيسها في الحرب على الإرهاب الذي استهدف حياة المدنيين الأبرياء في واشنطن ونيويورك، وكذلك فعلت الجاليات العربية والإسلامية في أوروبا التي أدانت إرهاب الحادي عشر من سبتمبر، وأبدت ارتياحها لانطلاق الشعب الأفغاني، رجالاً ونساءً في مسيرة إعادة بناء أفغانستان بعد سقوط "طالبان".. أما في المشهد الفلسطيني فقد شهدت المدن الأمريكية والأوروبية وغيرها من عواصم ومدن العالم المتحضر، مسيرات ضخمة شاركت فيها مئات الآلاف من أتباع كل الأديان احتجاجاً على جرائم الحرب التي أرتكبها الجيش الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتضامناً مع صمود الشعب الفلسطيني ورئيسه المحاصر في مقاومة الاحتلال عام 2001، وفي مواجهة الحصار والعدوان على قطاع غزة عام 2008م.
وفي المشهد الأفغاني أيضاً، كان ثمة مقاتلون بلا قضية أمكن محاصرتهم وملاحقتهم بعد أن تركوا أوطانهم، وخونوا حكوماتهم وكفروا مجتمعاتهم.. ولم يهب أحد لنجدتهم ودعمهم بينما وجدنا المشهد الفلسطيني عامراً بجماهير غفيرة من المناضلين والمقاتلين من أجل الحرية والاستقلال ومقاومة الاحتلال، وإلى جانبهم المئات من أنصار السلام ونشطاء جماعات التضامن الأوروبيين والأمريكيين الذين هبوا لنجدتهم، والوقوف إلى جوارهم وتحويل أجسادهم إلى دروع بشرية لإنقاذ رئيسهم المحاصر في حرب عامي 2001- 2002م، ومن أجل وقف العدوان وفك الحصار عن غزة في حرب عامي 2008- 2009م.
ثمة حقائق ساطعة تبلورت في ساحة الكفاح المسلح الذي خاضه الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال، بيد أنّ أهمها على الإطلاق رسوخ الهوية الوطنية الفلسطينية، والتخلص من التبعية للحروب العربية الإسرائيلية التي أضاعت في حرب 1948 وحرب 1967م مدينة القدس والضفة الغربية وقطاع غزة أجزاء واسعة من صحراء النقب، وجميعها أراض حددها قرار التقسيم لعام 1947م للفلسطينيين، ويتحمل العرب مسؤولية ضياعها وحرمان أصحابها الشرعيين منها، بينما لم تكن حرب 1973م سوى حرب محدودة لاسترداد ما يمكن استرداده من أراض عربية خسرتها مصر وسوريا في هزيمة عام 1967م.. أما حرب عام 1982م في لبنان، فقد كانت امتدادا للحرب الإسرائيلية على منظمة التحرير الفلسطينية والوجود الفلسطيني المسلح خارج أرضه.. مع الأخذ بعين الاعتبار أن الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982م لم يكن معزولاً عن الحرب التي استهدفت ضرب منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان من قبل قسم من اللبنانيين الذين لم يخفوا تحالفهم مع إسرائيل، بهدف إخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان، تماماً مثلما حدث في الأردن عندما شن الجيش الأردني حرباً على المقاومة الفلسطينية في سبتمبر 1970م، انتهت بخروج المقاومة من الأردن إلى لبنان.
والثابت أن حروب إسرائيل المباشرة أو بالوكالة ضد منظمة التحرير الفلسطينية، كانت تتم فوق أراض عربية ضاقت بوجودها المسلح بعد أن أغلقت حدودها مع إسرائيل أمام المقاومة.. أما حرب إسرائيل الراهنة ضد الشعب الفلسطيني فإنها تتم اليوم فوق ترابه الوطني، بعد أن تمكنت المقاومة الفلسطينية من اجتراح طريق صعب للعودة إلى أرضها، على طريق الحرية والاستقلال وبناء الدولة الوطنية المستقلة, ويمكن القول إن الهوية الوطنية الفلسطينية تتجلى اليوم في الحرب الدائرة التي يخوضها الشعب الفلسطيني داخل أرضه، بعد رحلة عذاب طويلة ومريرة عبر الأراضي العربية تعرض الفلسطينيون خلالها لمختلف المحن والآلام التي تجسدت فيها الوحدة الوطنية للشعب الفلسطيني، بجميع طوائفه الدينية وفصائله وتياراته السياسية، حيث ينخرط في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي كل أبناء الشعب الفلسطيني من مسلمين ومسيحيين, ويشهد الدور البطولي للمساجد والكنائس على الوحدة الوطنية المعمدة بالدم، ووحدة المصير الوطني، والاستعداد للتضحية في سبيل الحرية والاستقلال وبناء الدولة المستقلة, وحين تمتزج فوق التراب الوطني الفلسطيني دماء الشهداء المسلمين مع دماء إخوانهم المسيحيين في رام الله وغزة والبيرة وبيت لحم وبيت جالا ونابلس والخليل، وفي كنيسة المهد وكنائس القيامة والعذراء والبشارة والرسولية والجثمانية وغيرها، تتعمق الهوية الوطنية الفلسطينية، وتتراجع إلى الخلف المشاريع الصهيونية الرامية الى طمس هذه الهوية وتصفيتها.
لقد تعلم الفلسطينيون في مجرى مقاومة المشروع الصهيوني أن إسرائيل وهي تخطط لطمس وتصفية الهوية الوطنية الفلسطينية، لا تفرق بين مسلم ومسيحي، فقد أغتال جهاز المخابرات الاسرائيلية "الموساد" القائد الفلسطيني المسلم وائل زعيتر في روما عام 1973م وفي العام نفسه اغتال "الموساد" أيضاً القائد المسيحي الفلسطيني كمال ناصر في بيروت مع اثنين آخرين من زملائه أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، كما اغتال "الموساد" في أوقات لاحقة نعيم خضر المسيحي في بلجيكا و"أبو جهاد" المسلم في تونس، وأبو علي مصطفى العلماني المسلم أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الضفة الغربية، والشيخ أحمد ياسين زعيم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في غزة, ولا نبالغ حين نقول إن تنامي الروح الوطنية الفلسطينية في المعارك الأخيرة، كان ثمرة نقل المقاومة المسلحة إلى داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة بفضل اتفاق أوسلو وقيام السلطة الوطنية وهيئاتها المنتخبة.. وبانتقال المقاومة إلى داخل أراضيها على نحو ما حدث في معارك الضفة الغربية عامي 2001- 2002م، ومعارك غزة عامي 2008- 2009م، تحولت المقاومة الفلسطينية إلى حرب استقلال يمتلك الفلسطينيون فيها قضية عادلة وقرارا وطنياً مستقلاً ودعماً دولياً, وهو ما لا يجوز مقارنته بما يقوم به إرهابيو تنظيم "القاعدة" وجماعة "طالبان" في أفغانستان سابقا وفي المناطق القبلية الحدودية مع باكستان التي يسيطران عليها أحياناً، بالإضافة إلى بعض المدن العراقية حيث تقوم الجماعات الإرهابية المسلحة بقتل وذبح المدنيين، وإحراق محلات التسجيلات الغنائية والموسيقية وإغلاق وإحراق مدارس البنات، وطرد النساء من أعمالهن، وإجبار الرجال على إطلاق اللحى، ومقاتلة (الأغيار) لمجرد أنّهم "أغيار" مخالفون بحسب زلة قلم الأخ مروان الغفوري في مقاله المنشور بصحيفة (المصدر)، وصولا ً الى إثارة النعرات الطائفية والمذهبية واضطهاد أتباع الأديان السماوية والمذاهب الإسلامية المخالفة للمذهب التكفيري الذي يعتنقه قادة ومقاتلو "القاعدة" و"طالبان"، وهو ما سنتناوله في الاسبوع القادم باذن الله.
 

 

عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
استاذ/ عباس الديلمي
من شواهد أنهم لا يقرأون (2)
استاذ/ عباس الديلمي
مقالات
استاذ/عباس الديلميالعيال كبرت
استاذ/عباس الديلمي
ناجي مبارك الضبيانيأجندة واحدة..!
ناجي مبارك الضبياني
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةشواهد على الاختلال العربي
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
مشاهدة المزيد