الخميس 20-09-2018 21:42:20 م : 10 - محرم - 1440 هـ
الفضائيات العربية.. في رمضان!
بقلم/ كاتب صحفي/يحيى عبدالرقيب الجبيحي
نشر منذ: 13 سنة و 10 أشهر و 14 يوماً
الجمعة 05 نوفمبر-تشرين الثاني 2004 02:40 ص
منذ التسعينات من القرن المنصرم وحتى اليوم.. أصبحت هناك المئات من الأقمار الصناعية التي تشق عنان السماء، والتي منها على سبيل المثال وليس الحصر.. عربسات.. تلسات.. إنمارسات.. أريديوم.. وأسكاي بريدج.. وأنكو.. وجلوبال ستار.. وورلدسبيس.. ونيلسات.. وتيلديسك.. واوديسي.. وغيرها من الأقمار الصناعية الخاصة بالفضائيات التلفزيونية.. والتي هي غير الاقمار الصناعية الخاصة بالهواتف التليفونية والإنترنت والفاكسات والإتصالات المتعددة.. حتى غدا هذا العصر.. من ضمن أسمائه المرتبطة بالتطورات التكنولوجية المتعددة.. عصر السماوات المفتوحة.. إن صح هذا التعبير!
وكان تباعاً لهذه الاقمار الصناعية (المبثوثة) كان للعالم العربي نصيباً كبيراً من القنوات التليفزيونية التي باتت تتعدى المأتين تقريباً.. منها ما هو رسمي.. ومنها ما هو تجاري.. ومنها ما هو موجه (بفتح الجيم) وليس بكسرها.. ومنها ما هو مستقل أو هكذا تدعي!..
ولكن.. مع كثرة هذه الفضائيات العربية.. والكثرة هي مشكلتها الأولى!.. إلا أنها جلها تقريباً.. غثاء كغثاء السيل!
لقد جعل الإعلام اليوم العالم كله.. مجرد قرية كونية صغيرة.. كما جعل الناس كل الناس تحت دائرة الضوء.. وفتح أعينهم على مالم يحلموا به قبلاً.. كما وسع من مداركهم وقدراتهم الثقافية ووعيهم بما ومن حولهم.
لكن حسن استغلال هذه التكنولوجيا الاعلامية وهذه الوظائف الجوهرية للإعلام يختلف من مجتمع إلى آخر ومن أمة إلى أخرى.. فالمجتمع العربي ـ الذي يهمنا هنا ـ أصبح بمثابة رهينة لإعلام عربي يفتقر بمجمله إلى أهم مرتكزات الإعلام الناجح والتي تتمثل بالصدق والدقة والموضوعية.. وما ذلك إلا لأنه ـ أعني الاعلام العربي ـ بوسائله المقرؤة والمسموعة والمرئية ـ رهينة هو الآخر للمزاج السياسي المتغير في العالم العربي.. إضافة إلي أرتباطه بالأوضاع الداخلية السائدة في كل دولة عربية.. فمتى كان الوضع الداخلي قوياً وإيجابياً ومن النادر حصول هذا الوضع!.. كان الإعلام كذلك.. والعكس صحيح أيضاً.
وهكذا.. صعب على الإعلام العربي إستغلال تكنولوجيا الاتصالات فبدلاً من قيام الاعلام العربي في التحصين الفكري والثقافي النابعان من قيم وأصالة المجتمع العربي المسلم.. وتقديم النماذج المشرفة التي يزخر بها تاريخنا المجيد في الإقتداء.. وتعميق صلة الإنسان العربي المسلم بعقيدته وأصالته.. والدعوة إلى التآلف والتوافق والتوحد بين الشعوب العربية.. وخلق الواقع الاجتماعي المجرد حتى يقف المشاهد والقارئ والمستمع العربي على حقيقة واقعة الاجتماعي.. بدلاً من قيام الاعلام العربي بوسائلة المختلفة.. بمثل هذه الايجابيات واستغلال التكنولوجيا لخدمة الشعوب العربية والاسلامية.. أصبح الاعلام العربي اليوم.. بمثابة وسائل تساهم في هدم القيم والثوابت والاخلاق.. وتعمل على سلب الارادة للأمة.. وتكرار تعبيرات عقيمة لفظية.. كالرفض والإدانة والاستنكار والشجب.. وغيرها من الالفاظ والتعبيرات المملة التي تنتهي من حيث تبدأ.. والتي تؤدي إلى الخنوع والتكاسل.. وجلها تقود المشاهد والمستمع والقارئ العربي من خلال هواياته الطارئة.. وليس من خلال عقله الثابت!. وكل هذا جعل الاعلام العربي اليوم مفقود الثقة لدى الشعوب العربية التي يتحدث بإسمها إلا ما ندر.. ليصبح بنظرها مرادفاً للدعاية والتضليل.. وهو كذلك إلا اليسر.
إن هذا هو حال الاعلام العربي اليوم بوجه عام.. أما حال الفضائيات العربية ـ موضوع حديثنا هنا ـ بوجه خاص.. فإنه لا يختلف عن الحال العام.. وإن كان يتطلب ـ أعني حال الفضائيات العربية ـ المزيد من السرد والإسهاب.. نظراً لإهمية التليفزيون الذي أصبح يتواجد في كل بيت تقريباً.. ولأنه يجمع بين الصوت والصورة والحركة مما يجعله يسيطر على أهم حاستين من حواس الانسان.. السمع والنظر.. إضافة إلى تساوي المثقف والأمي في التلقي والتفاعل مع ما يشاهد.. فتأثير التليفزيون يفوق وسائل الإتصال الجماهيري الاخرى.. بل لقد أكد بعض التربويين أن دور الأسرة في تربية الطفل تراجع كثيراً أمام التليفزيون الذي بات أكثر أهمية وتأثيراً؟!
ولذا.. فإن الفضائيات العربية بمجملها.. هي مجرد خضوع وأسر لمجمل المتغيرات والأوضاع المحلية شأنها بذلك شأن بقية وسائل الاعلام الاخرى.. كما أنها لا تملك قوة ذاتية التي من شأنها تمكينها من الحركة والتفاعل دون قيود.. ولا تملك الكم الهائل من المعلومات التي تأتي من مصادر عديدة.. كما هو حال الفضائيات غير العربية.. إضافة إلى أن الفضائيات العربية هي مجرد مشاعر وتلقين دون أفكار خاصة بها.. فمعظمها تذيع بعض ما يذاع في بعض الفضائيات الغربية.. وتتم المحاكاةفي بعض البرامج وغيرها.. دون اختلاف سوى في اللغة.. مع ان الفضائيات العربية باتت تستهدف القضاء على اللغة العربية الفصحى ....... بسبب اللغات او بالاحرى اللهجات العامية في الفضائيات العربية المختلفة.
ثم .. رغم العشرات بل المئات من المحطات التليفزيونية العربية الا انه يصعب مشاهدة فوارق جوهرية ذات معنى بين معظم هذه الفضائيات.. فجلها تقتصر في معظم برامجها وتوجهاتها على التوجهات الرسمية للحكومات والانظمة العربية.. حيث تعكس بما تقدم للمشاهد اراء رسمية تسبح بانجازاتها وتعدد مزاياها حتى ان المشاهد قد لا يجد الفارق بين فضائيات عربية واخرى الا بالعلم والنشيد واللهجة العامية.. وهي فوارق في العرض وليس في الجوهر.. بجانب ان معظم هذه الفضائيات العربية ـ الرسمية ـ تسير برعب دائم وخوف مستمر خشية تجاوز احد محرريها الخطوط الحمراء؟!
وحينما ظهرت بعض الفضائيات العربية المحايدة والمستقلة.. والتجارية استبشر المشاهد العربي خيراً بها.. لكنها سرعان ما تقلصت في عددها.. اذ لم يبقى الا النذر اليسير.. وذلك.. لان بعض هذه الفضائيات التي كانت قد بدأت بتوجه اعلامي ايجابي ومحايد.. وجدت نفسها امام تهديدات مباشرة وغير مباشرة بوقف الاعلانات التجارية التي تعيش في معظم مصاريفها عليها.. ما لم تغير توجهاتها.. والبعض الاخر تتغير توجهاتها الاعلامية بمدى الدفع المادي من عدمه.. والبعض الثالث منها اضطرت لتغيير توجهاتها بسبب مشاكل حكوماتها العربية مع الحكومات العربية الاخرى! فالحرية الاعلامية (العربية) تتمثل بالتبعية المقصودة او حتى غير المقصودة ومن الصعوبة بمكان وجود فضائيات عربية تنحاز نحو الاستقلالية المهنية.. وتسليط الاضواء على المجتمعات العربية.. وكشف الانظمة الجائرة والفاسدة الا ما ندر! وهذا هو حال الفضائيات العربية في كل الاوقات! اما حالها في شهر رمضان المبارك. فإن الوضع يزداد سوأً وابتذالاً.. بينما العكس هو الذي كان يجب!
لقد اصبح شهر رمضان المبارك.. وكأنه شهراً خاصاً بالتليفزيون، وما ذلك الا لان افراد الاسرة قد لا يتواجدون معاً بوقت واحد كما هو الحال بشهر رمضان خاصة اثناء وبعد الافطار.. مما يجعل التعلق بالفضائيات هو القاسم المشترك بين الجميع مع اظهار اوجه الاختلافات والتباينات في الرغبة والذوق وفي اطار الاسرة الواحدة.. فكل واحد من افراد العائلة يرغب بمشاهدة قناته الخاصة به.. رغم ان معظم ان لم يكن كل القنوات الفضائية العربية تكاد تكون متشابهة كما هو ديدنها دوماً.. وان وجدت بعض  الاختلافات فانها تنحصر في كيفية الدعوة الى مشاهدة المسلسلات والبرامج التي تخدش الحياء والتي تثير الغرائز التي من شأنها ان تبعد الصائم عن القيم الفاضلة وعن المعاني السامية والجليلة التي يتمثل بها شهر رمضان المبارك حيث اصبحت مثل هذه البرامج هي الوجبات الرئيسية امام الصائم حتى ما يسمى بـ(الاغنيات الكليبية) مستمرة هي الاخرى في العرض خلال هذا الشهر الكريم.. مع ما تحمله مثل هذه الاغاني الماجنة من ابتذال واشاعة للمنكرات.. مع ان الطابع الجاد للعبادة والصوم لا يمنع الترويح المعقول عن النفس ولكن ليس بهذه الطريقة هذا من جهة ومن جهة اخرى استغلت بعض الفضائيات العربية الموجهه ما يمثله هذا الشهر الكريم من انتصارات رائعة واحداث اسلامية عظيمة لتقوم بنشر واذاعة ثقافة (الموت) حيث تصور الانتحار باعتباره ذروة البطولة والفداء وبان بعض العرب هم مجرد مجموعة من الذباحين.. كما تدفع الشباب الى الموت عبر اذاعة ثقافة (الاستعجال) مع غياب الوعي والادراك وكل ذلك باسم رايات غامضة وشبه مجهولة وهذا من جهة ثانية.. ليصبح المشاهد الصائم في كلا الجهتين مع الفضائيات العربية بين امرين احلاهما مر وهذا هو حال الفضائيات العربية في رمضان بكل ايجاز فحسبنا الله ونعم الوكيل.
ALjubaihi @hotmaiL.com
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
بومبيو يشهد زوراً أمام الكونغرس
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
حمير العزكي
غريفيتس و الحديدة
حمير العزكي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
استاذ/ عباس الديلمي
من شواهد أنهم لا يقرأون (2)
استاذ/ عباس الديلمي
مقالات
صحيفة 26 سبتمبرشيخ الحكمة!
صحيفة 26 سبتمبر
كاتب صحفي/يحيى السدميفنطسيه:بودي جارد !
كاتب صحفي/يحيى السدمي
صحيفة 26 سبتمبرنهج الحوار
صحيفة 26 سبتمبر
مشاهدة المزيد