الأربعاء 14-11-2018 08:21:28 ص : 6 - ربيع الأول - 1440 هـ
من المسئول عن الدراما في اليمن؟وبأي ذنب قتلت؟ (5-6)
بقلم/ كاتب/ياسر ثامر
نشر منذ: 9 سنوات و 11 شهراً و 3 أيام
الثلاثاء 09 ديسمبر-كانون الأول 2008 11:56 م
(ميلودراما من ستة مشاهد) نمتاز عن غيرنا من المجتمعات باننا عموما مهووسون بالتقليد ومحاكاة الاخر ولدينا "فوبيا" أو رعاب من المغامرة والابتكار، وهو ما جعل موضة السلاسل الدرامية الكوميدية التي اعتدنا عليها منذ سنوات تسيطر على انتاجنا الدرامي ، ورغم ان هناك من يصف ذلك بالضعف الا أنني لا أرى ذلك عيبا منهجيا ؛ فالكاتب المتمكن من نسج حلقة قصيرة بشكل محكم قادر بلا شك على كتابة المسلسل الطويل ، لكن المأساة تكمن فيمن يستهينون بالسيناريو والحوار معتمدين على الفكرة أو القصة ، حيث لا يتوانون في صقل مواهبهم وقدرتهم على قص وترقيع المشاهد بما تجود به قرائحهم من مفردات ونكات وأمثال شعبية! ، وهو ما يصيب القاص المتميز بعاهات ذهنية وأزمات نفسية عندما تتحول قصته إلى سيناريو وحوار على يد احد هؤلاء المتطفلين على الدراما ، وبسببهم ساد الصراخ والتهريج وغابت الكوميديا الجادة في أعمالنا الرمضانية ، ومنهم من يعتقد ان كلمة "الجادة" مرتبطة فقط بالتراجيديات ، وقد سألني أحدهم عن رأيي في حلقة كتبها فكنت صريحا معه للغاية فجادلني منزعجا يحاول تبرير زلاته! ومما قاله مستنكرا وساخرا: " أيش من كوميديا جادة؟ كيف يوقع الممثل كوميدي وجاد؟ أين درست قلي؟" لكن ذلك لا يعني أن نقف على الضفة المعاكسة للتفاؤل.   اعتقد أن من حقنا أن نحلم بدراما تساعدنا على تجاوز ما نعيشه اليوم من قلق.. دراما تحكي هوية المجتمع ووجدانه ، وتتوازى مع موروثات الأمس وتطلعاتنا نحو الغد ، وتسهم في تجسيد ولائنا للمبادئ والقيم ، وتعظيم انتماءنا للمكان الذي يجمعنا.  المشهد الخامس: ركاكة السيناريو والحوار لا تعالج بالتهريج والتفاؤل مطلوب!   السلاسل الدرامية المتوالية لا شك أن تأثير "طاش ما طاش" كان له تأثير بالغ في التوجهات المحلية على تطلعات الطموحين بمحاكاة الدراما السعودية ، لذلك ظهرت أكثر من ستة أعمال يمنية على نفس المنوال الشكلي ، لكنها حاولت أن تفرض نفسها على المشاهد بشكل متعسف ، معتمدة على الأرقام المتوالية (سمسم1 ، سمسم2 ، سمسم3 ..الخ) ، في اعتقاد خاطئ بان ذلك سيضمن لها الاستمرار والتواصل الجماهيري، ويحول دون ظهور أعمال تنافسها على الخارطة الرمضانية ، غير أن معظم تلك الأعمال لم تشهد تطورا ملحوظا لا من حيث المبنى ولا من حيث المعنى ، وبعضها لم تحافظ على مستواها في أول ظهور لها ، لأن من يقفون وراء تلك الأعمال يكابرون بشكل غير لائق ، محاولين الهروب من تلك الحقيقة ؛ متجاهلين انه مثلما تتوقف الحياة إذا لم يتغير ويتجدد الهواء ، كذلك يتوقف الإبداع والإبهار إذا لم يخضع للتجديد والتغيير والتطوير ، وهي الحقيقة التي أدركها طاقم "طاش ما طاش" فتوقفوا في ما يشبه "استراحة محارب" لإعادة النظر في تقديم العمل بشكل أفضل ، لكننا في اليمن مصرين على التعريض بسوءاتنا معتقدين أن ضحك المشاهد يعبر عن تميزنا ، وعكس ذلك هو ما يدعونا لاحترام للفنان القدير يحيى السنحاني الذي حرص على أن يضل "شاهد عيان" محمودا في ذاكرة المشاهد اليمني ، رغم انه الوحيد حتى الآن الذي تعرض بشكل جريء لشخصية الوزير الوصولي والفاسد في عمله الدرامي الرصين . من جهة أخرى هناك من يرى أن تلك الحلقات القصيرة تعبر عن عجز الكاتب اليمني وعدم قدرته على كتابة قصة متكاملة في بناء درامي طويل ومستمر طوال الشهر ، لكن ذلك ليس شرطا أساسيا للحكم على قدرات الكاتب ، فالكاتب الذي ينجح في كتابة الحلقة القصيرة ، سيتمكن بالممارسة بلا شك من النجاح في كتابة المسلسل الطويل ، غير ان المعضلة انك تشاهد بعض الحلقات القصيرة اليوم – رغم بساطتها - لا تعرف لها بداية ولا وسط ولا نهاية ولا حتى قضية ، فكيف ندفع بصاحبها ليكتب ثلاثين حلقة متكاملة البناء ، قبل أن يتمكن من استخدام أدواته بشكل سليم لمدة نصف ساعة فقط! ، لاسيما وان كثير من المشاهد التي تألفت منها تلك الأعمال قد أعيت المخرجين في تمطيطها وتطويلها بشكل ممل وبلا هدف سوى تغطية فراغات الزمن كيفما اتفق . ولذلك وصف المخرج إبراهيم الأبيض بعض الكتاب بأنهم يكتبون كتابه إذاعية ، ويفتقرون إلى أدنى معلومة عن الوسائل التي يتعامل معها التلفزيون ، معللا بذلك الحشو الذي تتسم به الأعمال المحلية ، مضيفا بان كتابها يعتقدون بان الدراما عبارة عن ضم مشهد بجانب مشهد ، غير مدركين ان العمل الدرامي بناء وصراع له بداية ووسط ونهاية. وعليه فان المسألة تتوقف على مستوى الإبداع في العمل سواء قصر ذلك العمل أو طال ، فليس هناك من يقول مثلا بان ياسر العظمة في "مراياه" التي – بخلاف طاش ما طاش - تميزت بالتجديد والتطوير من عام لعام ، عاجز عن كتابة الدراما الطويلة بشكل قطعي . وفي ذات الوقت لا يعني هذا أننا لسنا بحاجة إلى وجبات متكاملة من الدراما للاستشفاء بها من تعفن بعض الأكلات الخفيفة!.  السيناريو والحوار للوهلة الأولى وأنت تتابع بعض مشاهد أي عمل درامي يمكنك أن تدرك مدى قوة وترابط السيناريو ، ومستوى اللغة المستخدمة في الحوار ، والى أي مدى تم توجيه وتوظيف الخطاب الدرامي؟ لقد حفلت كثير من أعمالنا الرمضانية بقصص ساذجة وسيناريوهات ركيكة وملفقة وغير متوازنة ، حيث لم يحتكم السيناريو لمقتضيات الفكرة أو الموضوع أو الحبكة – إن وجدت- بقدر ما احتكم لقناعات لا يمكن لأصحابها التراجع عنها ، من جهة ثانية تم استخدام لغة عادية جدا في الحوار – أرجو أن لا يعتقد البعض أنني أتحدث عن اللهجات – كما غابت الإيحاءات الذكية التي ترفع مستوى التذوق الدرامي لدى المشاهدين ، وتعاملت العديد من الحوارات مع المشاهد باعتباره متلق بليد ، وكأنه يستمع إلى مسلسل إذاعي لا علاقة له بالصورة . يضاف إلى ذلك أن عدد من الحوارات صيغت في إطار توعوي وتوجيهي وإرشادي ، فاتسمت بالمباشرة التي أفقدتها اللغة الأدبية والصفة الدرامية ، فبدت بعض الحوارات كما لو أنها افتتاحية 26سبتمبر! ، في حين ان تأثير الدراما يكمن في قدرتها على معالجة الواقع بشكل التفافي لا يشعر به المشاهد ، وبطريقة أشبه ما تكون بأقراص الدواء المغلف بطبقة من السكر ليستسيغه المريض ، وعموما لا نريد أن نسهب في تفاصيل بعض السيناريوهات والحوارات وما يعتريها من شوائب ومتناقضات لا يقع فيها حتى الكتاب المبتدئين ، كما لا يمكن أن يمررها المشاهد الفطن فما بالك بالمخرج المتخصص!. وبالمناسبة كانت إحدى القنوات اليمانية الجديدة أعلنت اعتزامها دخول المنافسة الرمضانية بعمل درامي يحمل اسم (اللقاء بعد الفراق)! والحمد لله أن ذلك لم يتم؛ لان اسم العمل على ذلك النحو لا يدعو للتفاؤل ، ولا ينم عن الإبداع حتى لو تدخل المخرج وعدل الاسم ليصبح (الفراق بعد اللقاء)!!. غياب الكوميديا الجادة يجمع صناع الدراما وكبار النقاد العالميين أن للكوميديا وجهين: الأول يمكننا من التنفيس عن القلق والألم من خلال بناء المواقف الطريفة التي تبعث على الضحك ، مع بقاء العمل جادا ، ومن علامات هذه الجدية اتفاق النظرة العالمية للكوميديا ؛ فكوميديا شكسبير مثلا تضحك الناس بنفس الطريقة سواء كانوا في أمريكا أو في أفريقيا أو حتى في شرق أسيا . أما الوجه الثاني للكوميديا فهو ذلك الذي تغلب عليه السطحية في تناول أمور الحياة اليومية ، وتتسم بالتسلية الآنية التي قد تضحك الناس لكنها لا توثر فيهم ، وعلى الرغم من أهمية هذا النوع من الكوميديا للترويح عن النفس ، إلا أن الإغراق فيها لا يمكن المجتمع من التغيير وتجاوز الألم بقدر ما يعجزه عن ذلك. وبالقياس فانك في أعمالنا المحلية قلما تجد الكوميديا الجادة ، فالبعض يعتقد أن كلمة "الجادة" مرتبطة فقط بالتراجيديات والبكاء ، لذلك غابت كوميديا الموقف باستثناء بعض المشاهد النادرة ، حتى الوجه الآخر للكوميديا خسرناه عندما حملناه أكثر من طاقته ، ففي الوقت الذي لا يعاب فيه تسطيح بعض أمور الحياة اليومية ، إلا أننا تعرضنا بسطحية لقضايا قومية هامة وبشكل جعل منها قضايا تافهة ، وبأسلوب قد يزيد من التحديات أمام الدولة والمجتمع في مواجهة تلك القضايا!. حضور الجلبة والتهريج يذكرني هذا بقصة المقالة النقدية التي كتبها الدكتور الحملي مؤلف الفجر بعنوان «الصراخ إلى مأرب» والتي انتقد بها أداء الممثلين في مسرحية "الطريق إلى مارب " للشاعر محمد الشرفي.. حيث علق الحملي بالقول:" لم يكن أمامي تمثيلاً بل كان صراخاً..!" وعلى نفس المنوال وفي مقابل غياب الكوميديا الجادة والمسلية على حد سواء ، حضر الضجيج الدرامي في رمضان وما بعد رمضان، وأصبح التهريج في أداء الممثل طريقا للنجومية وإرضاء المخرج ، ربما لاحظ بعض المخرجين أن المواقف الدرامية غير مضحكة بما فيه الكفاية ، لذلك حاولوا انتزاع ضحكات المشاهد بأي شكل من الأشكال ، فمنهم من اعتمد على حركات الممثلين وشجارهم وتساقطهم وجريهم وارتفاع أصواتهم ، ومنهم من اعتمد على توظيف الشكل (كاريكتر) فسخر النص أحيانا ليتوافق مع شكل أو حجم الممثل (س) ، ومنهم من تدخل لتطويع أشكال الممثلين بما يدعو للضحك من خلال المكياج أو الملابس أو اللهجات أو العاهات الجسدية والذهنية ..الخ ومنهم من استخدم كل ذلك بأسلوب فج وغير مبرر مهنيا ، باستثناء إضحاك الأطفال وبعض النساء والرجال ممن لم تسهم الدراما الضحلة يوما في الأخذ بأيديهم للتفريق بين الغث والسمين ! ، لا سيما وان بعض المخرجين حرصوا على دعم حركات تلك الأشكال بالمؤثرات الصوتية الغير مدروسة ، حيث اتسم احد الأعمال بالإسراف بهذه المؤثرات ، بينما بلغت هذه المؤثرات في عمل آخر حد الإسفاف والتوظيف السيئ . دعوة للتفاؤل المشاهد الأربعة السابقة رغم قسوتها إلا أنها لم تبنى ابدا على اساس اليأس والاحباط وتثبيط الهمم والقدرات ، فهناك فرق كبير بين الحاله الميئوس منها ، والحاله الحرجة ، والحالة التي تتطلب تدخلا جراحيا ، والحاله التي يمكننا بالعلاج المناسب ان نساعدها على الوقوف ، وممارسة حياتها الطبيعية ، وسيتيح لها التعليم والتدريب المستمر فرصة التميز في أداء دورها المثالي في أوساط المجتمع بشكل افضل واجمل ، واعتقد ان الحالة الاخيرة هي المطابقة لحال الدراما في اليمن ، كما هي ايضا حالة العديد من الاشياء التي يفترض ان تكون جميلة وزاهية من حولنا لولا الأمراض المزمنه التي تفتك بها وتستبد بها بشكل مخيف، ما معناه ان الامر ليس مقصور على حال الدراما في بلادنا ، كما اننا بصراحة اذا ما قارنا بعض الفلتات في اعمالنا الدرامية سنجد انها افضل بكثير من بعض الاعمال التي تظهر على الفضائيات العربية ، فمن يشاهد هزليات الفنان داوود حسين القائمة على السخرية بلا هدف سيجدها اقرب الى المسخرة من الكوميديا ، كذلك من يتابع قضايا ومشاهد المسلسل الخليجي " بيني وبينك" سيلاحظ مستوى التردي الدرامي وعدم الاهتمام بقضايا المجتمع واستهبال المشاهد العربي ، بالاضافة الى اعمال اعربية اخرى لا تحضرني اسماؤها لكنها تدعو للاستغراب واستنكار استمرار انتاج تلك الاعمال بلا رقيب ولا حسيب!، لكنها أيضا غايات الإنتاج التي تحرص على الارباح قبل كل شيء اخر ، الامر لا يتعلق بالأعمال الكوميدية فقط فهناك اعمال عربية تراجيدية لم تترك اثرها الانساني في المجتمع كأعمال توثيق سير الفنانين والزعماء والعلماء ؛ ذلك انها محكومة بابعاد وقضايا محدودة ، رغم انها جيدة من الناحية الفنية والإنتاج المحترم ، الا أنها لا ترمم أوجاع المشاهدين بقدر ما تقدم لهم معلومات جديدة يمكن قراءتها في كتاب او صحيفة ، ولا زلت اذكر الضجة التي أحدثها الفنان محمد صبحي في مسلسل (فارس بلا جواد) منذ سنوات ، حيث قامت الدنيا ولم تقعد قبل عرض المسلسل، إلا انه ومع انتهاء آخر حلقة من حلقاته استغرب الكثير من النقاد تلك الضجة التي كانت اكبر من العمل ، ولذلك تجد أناس عاديون لا يتذكرون أحداث "فارس بلاجواد" رغم حداثة عهدها ، بينما لازالت مشاهد "ليالي الحلمية" لأسامة انور عكاشة حاضرة في أذهانهم بتفاصيلها الصغيرة رغم مضي فترة كبيره على مشاهدتهم لها! ولن يدرك سبب ذلك إلا من يعي فعلا روح الدراما الحقيقية والتفريق بينها وبين الدراما النصية التي تظل بلا روح مهما بلغت الإمكانات المهولة في سبيل إنتاجها وعرضها على التلفزيون ، ولذلك قلة هي الأعمال وقليلون هم الكتاب الذين يعملون على رفع مستوى التذوق الدرامي لدى المشاهد العربي ، وعليه يجب أن لا نتأثر بكل ما هو عربي ،أو نحاول تقليده وتبرير أخطائنا من خلاله ، كما يجب ألا نعتبر هذه الدعوة للتفاؤل مدعاة للتقاعس عما يناط بنا تجاه الدراما إن كنا فعلا نجلها ونحترمها ، وبالتالي علينا أن نحول دون المحاولات والسلوكيات والسياسات التي تسعى – بقصد أو بدون قصد – غالى وأد أحلامنا المشروعة في بناء أمجاد درامية يمنية خالصة ومؤثرة ، كيف ذلك ؟ هذا ما سنختتم به موضوعنا في المشهد السادس والأخير من هذه المادة أن شاء الله.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
حميد رزق
أمريكا تدعوا لوقف الحرب وتحالف السعودية يصعّد: وجهان لعملة واحدة
حميد رزق
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
كاتب/ احمد ناصر الشريف
نافذة على الأحداث:العيب فينا وليس في سوانا
كاتب/ احمد ناصر الشريف
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
عبدالسلام التويتي
المبادرةُ الأمريكيةُ جِهَنَمِيّةُ الأهداف محفِّزةٌ على الاصطفاف
عبدالسلام التويتي
مقالات
دكتور/عبدالعزيز المقالحالعيد .. الناس .. الحدائق
دكتور/عبدالعزيز المقالح
كاتب صحفي/عبدالملك الفهيديمشترك ..أزمات مستفحلة
كاتب صحفي/عبدالملك الفهيدي
صحفي/عبدالرحمن البريهيربان السفينة
صحفي/عبدالرحمن البريهي
استاذ/عباس الديلمييوميات....
استاذ/عباس الديلمي
مشاهدة المزيد