الأحد 18-11-2018 19:38:27 م : 10 - ربيع الأول - 1440 هـ
عرب الألفية الثالثة:.. يوميات جندي أمريكي في جحيم العراق(2 - 2)
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 13 سنة و 4 أشهر و 25 يوماً
الخميس 23 يونيو-حزيران 2005 10:36 ص
 نقدم فيما يلي القسم الثاني والأخير من شهادة الجندي جوشوا كاي عن جحيم العراق وكان قد تحدث في القسم الأول الأسبوع الماضي عن ظروف انخراطه في الجيش الأمريكي إلى لحظة وصوله إلى العراق واصطدامه بالواقع العراقي المتناقض مع كل ما سمعه من رؤسائه. ونذكر مجددا أن هذه الشهادة نقدمها مترجمة عن صحيفة لوموند الفرنسية التي نشرتها في ملحقها الأسبوعي في الرابع من حزيران ـ يونيو الجاري.
 يواصل كاي شهادته بالقول:"كنا نتمركز دائما في وسط المدن بلا ماء عذب وبلا إمكانية استحمام محرومين من المنتفعات العادية.كانت ثيابنا العسكرية ملوثة بالدم وكان نحرق بأنفسنا نفاياتنا.في الرمادي كنا ننام في قصرقديم لصدام نهب وحطمت محتوياته. في أماكن أخرى كنا نتدبرإقامتنا بين أنقاض منازل مدمرة جراء القصف فنجد ملجأ فيها.
في الواقع كان ينقصنا النوم بشكل دائم واعتقد أن ذلك كان مقصودا فهو يجعلنا عصبيين وقلقين مستعدين لإطلاق النار على كل شيء يتحرك. ونبقى دائما متأهبين كالهياكل الآدمية التائهة وسط الضباب.
هناك فرق كبيربين القواعد العسكرية التي تشاهد على التلفزيون والوحدات العسكرية المتمركزة في وسط المدن كوحدتنا. إن القواعد الموجودة في المنطقة المسماة خضراء هي موجودة في اللامكان هائلة في حجمها ومجهزة بشكل رائع. الطعام فيها جيد والجنود يرتدون لباسا عسكريا جميلا وممتازا يتصلون هاتفيا بأسرهم أية ساعة يريدون ولديهم وسائل اتصال مريحة بواسطة الانترنت. إنهم سعداء لوجودهم في العراق ويظهرون ذلك من خلال ابتساماتهم أمام كاميرات التلفزة.لا خطرفي أن تصورالكاميرات المنطقة الخضراء وليس فوضى المدينة حيث الشوارع محطمة والأحياء مقصوفة ومدمرة، الكاميرات لا تقترب خصوصا منا نحن الجنود الموجودين في ما يسمى بالمنطقة الحمراء السابحين في العرق والدم، مرتدين بزات القتال التي يعود تاريخ صنعها إلى حرب فيتنام في حين وجوهنا يعلوها الرعب بينما نظراتنا تبدو وكأنها بعيدة ألف كيلوعن حالة قواعد المنطقة الخضراء هذه النظرات الثابتة الموجهة نحو مكان آخر بعيد تائه.
الغارات التي كنا نشنها هي الأكثر مدعاة للاضطراب. كانوا يخطروننا مساء قبل الغارة ويقال :أوكي أيها الشباب غدا ستقومون بمداهمتين. ونعطى صورتان لبيتين التقطت بواسطة الأقمارالاصطناعية التابعة لمخابرات السي أي إي والمختصة بالإرهابيين المفترض أن نقبض عليهم. في الساعة الرابعة صباحا كنا نداهم بشكل مفاجىء كنت أضع عبوة كبيرة ناسفة أمام باب المنزل وأتراجع قليلا إلى الوراء ثم ينفجرالباب ومن ثم نقتحم البيت بنادقنا الرشاشة مصوبة ونقوم بإخلاء كل الغرف. كان هناك الكثير من البكاء والصراخ. لم نكن نفهم شيئا مما يقولون ولكنها أقوال مدججة بعنف فظيع.في هذا الوقت يتصاعد الأدرينالين إلى رؤوسنا حتى الذروة لأنه يمكن أن نقتل أيضا في أية لحظة. كنا نختطف الرجال بأقصى سرعة ممكنة ونجرجرهم إلى الخارج ونقيد أيديهم ونضعهم في شاحنة تنطلق للتو حتى لو لم نعثرعندهم على شيء يدينهم وهو ما كان يحصل دائما.
 كانت الأوامر تقضي بان نضع الجميع على الأرض ولكن لم يكن باستطاعتي أبدا أن أرفع سلاحي بوجه طفل. كنت اشعر بتعاطف واسع تجاه الأطفال لم أكن "جو"العسكري بل المدني المحشور في ثياب عسكرية. كنت شخصا يشعرأن بلده خانه و يقول لنفسه: لماذا نفعل هذا ؟! لا يوجد في هذا البلد أسلحة دمار شامل.لا طائرات. لا آليات لا جيش.هنا فقط أناس وعائلات نرهبها ونحطم حياتها كنت أقول لرفاقي دائما : تخيل نفسك في منزلك في أمريكا. متكاسل. تشرب قدحا من البيرة ويحصل لك ما فعلناه الليلة لهؤلاء الناس. ستتحول إلى مجنون أليس كذلك؟ وستقاتل حتى الموت وستكون لديك الرغبة لقتلهم جميعا أنا على الأقل سيكون لدي رغبة لأن أفعل ألف مرة أكثر مما يفعلون.
 إننا نجعلهم يشعرون بالجنون من جراء المروحيات التي تهدر فوق رؤوسهم آلياتنا التي تحاصر المدن الاستجوابات. نقاط التفتيش. منع التجول التاسعة مساء.الاستبداد الكامل. أياً كان يمكن سجنه بلا سبب وفي أية لحظة. أية سيارة يمكن تفجيرها .كنا نطلق النار أولا ونفكر من بعد. كم عراقي قتل فقط بسبب حاجزاللغة.اذكر رجلا وابنه الطفل اللذين قتلا خلال ثانيتين لأنهما لا يعرفان معنى كلمة "ستوب" اي توقف بالإنجليزية. أصبت بتقزز من ذلك. لم يكونا مسلحين كانا بريئين. بعد هذه الحادثة رفضنا أن نطلق النار فورا وفضلنا أن ندع المارة يمرون ثم نتحقق منهم لقد كان واضحا أننا نخطىء لكن أنا لم أوقع عقدا مع الجيش حتى اقتل آباء وأمهات وأطفال. عموما لو طبقنا حرفيا تعليمات الجيش لكان العراق اليوم فارغا من سكانه. في الليل كنا نقول لبعضنا عندما نفكرأننا هنا من اجل البترول فانه من الصعب تصديق أقوال الديموقراطية ومحاربة الإرهابيين يلاحظ ذلك في مدى الانتباه والحماية المخصصة لآبار النفط في حين أننا نعاني من نقص في الرجال لحماية المدن وحيث رجالنا يموتون بصورة متواصلة.
 كنت أكتب لبراندي كل يوم.كنت أحاول على الأقل. كنت اكتب أي شيء حتى بضعة جمل. كان البريد وسيلتنا الوحيدة للاتصال بزوجاتنا.لا تلفون ولا انترنت كما هي حال جنود المنطقة الخضراء لكن المشكلة أن العراقيين فهموا بسرعة بان أفضل طريقة لجرحنا هي حرماننا من الرسائل. لقد عرفوا موعد وصولها وعندما يتمكنون كانوا ينهبونها أو يدمرونها. أنا أتفهمهم لأنني كنت سأفعل مثلهم في الظروف نفسها.
في وسط أكتوبر ـ تشرين الأول وبعد مضي ثمانية اشهرعلى وجودي في العراق أخبرت فجأة أنني سأحظى بإجازة لمدة أسبوعين اذهب خلالها إلى أمريكا لرؤية عائلتي وأعود من بعد إلى العراق .فكرت بان هذه لحظة الحظ بالنسبة لي لا أريد أبدا العودة إلى هنا. انطلقنا من الكويت إلى إيرلندا إلى أطلنطا إلى دالاس إلى كولورادو سبرينغ. في ليلة وصولي تحدثت إلى براندي. لقد عاشت في قلق دون أن تشاهد التلفزيون وتقرا الصحف. اتصلت بها هيئة الأركان ثلاث مرات لتخبرها بأنني تعرضت لقصف بالهاون وأنهم يجهلون مصيري ودون أن يكلفوا أنفسهم عناء معاودة الاتصال بها.
 اتخذنا معا قرارالهرب كان يجب أن نفعل ذلك بسرعة فائقة وألا نخبر أحداً. اشتريت سيارة قديمة من نوع" كمارو" لتحل محل سيارتي "الفان" ذات اللوحات التي يعرفها الجيش. جمعنا بعض الحاجيات وأسرعنا السير شرقا خلال النهار حتى يبدو الأمر وكأننا نتنزه. لقد تركنا خلفنا كولورادو اجتزنا كنساس وميسوري وتوقفنا في فيلادلفيا. كان علينا أن نختفي وسط مدينة كبيرة وبالا نلفت الأنظار وكان علي أن أجد عملاً وبان انتبه ألا ارتكب مخالفة سيريتم التعرف من خلالها علىَّ هويتي. لقد صرت هاربا من الخدمة ومطاردا رسميا. للـ"أف بي أي" هاتف والدتي وأعصابي كانت متوترة.
عملت ملحما مستعيناً برقم ضماني الاجتماعي وكنا نعيش متنقلين من نزل إلى آخر. كنت أخاف من أن يقتفى اثري وأخاف من أن يطرق باب منزلي وأخاف من الحديث بواسطة الهاتف. وفي النهاية كنت مقتنعا أن مصلحة الضمان الاجتماعي أو مصلحة الضرائب ستقتفي اثري. كان عليَّ أن أجد حلاً في هذه الأثناء وبينما كنت ابحث بواسطة الانترنت اكتشفت كندا واتصلت بجيفري هاوس المحامي من تورنتو الذي يسعى لإقناع حكومة بلاده باستقبال الفارين الأمريكيين من الخدمة العسكرية في هذا الوقت كانت براندي حاملاً بطفلنا الرابع انتظرنا ولادتها وبعد شهر من النقاهة والاستشفاء توجهنا إلى كندا.
في 8 مارس ـ آذار الماضي عندما اجتزت نقطة الحدود في شلالات نياغارا كان لدي انطباع أنني أغامر بحياتي. كانت رخصة القيادة قد انتهى اجلها ولم يكن لدي أوراق غير دفتري العسكري هكذا قررت بأنه لو أوقفت بواسطة الشرطة العسكرية الأمريكية ولو انني مجبر للخروج من السيارة كنت سأقفز من الجسرإلى عمق الماء فأنا لم احمل عائلتي على العيش في هذا التشرد كل ذلك الوقت حتى انتهي بأن اقبل التوقيف والسجن.
 عندما طلب مني الضابط على الحاجز أن أتوقف وان افتح النافذة كنت شديد التوتر وتحت وقع الصدمة سألني إلى أين تذهبون؟ ولكم من الوقت؟ هل هؤلاء أطفالكم؟ إقامة طيبة في كندا حتى انه لم يتحقق من أوراقنا
لقد استقبلتنا بحرارة لجنة استقبال من معارضي الحرب في تورنتو أعطونا مسكنا وقليلا من المال ولداي البالغين 6 و5 سنوات يذهبان إلى المدرسة ويتعلمان الصينية . لقد تقدم المحامي جيفري هاوس بطلب كي نحصل على اللجوء السياسي ليس الأمر سهلا ولكني اعلم أن مستقبلي ومستقبل أطفالي هو من الآن فصاعدا في كندا.
 ازور الطبيب وأعاني من اضطراب نفسي وأعاني من قلة النوم ليلا ومن كوابيس عديدة وأحيانا من هلوسات تعيدني فورا إلى العراق هذا لا يختفي أبدا. يحتاج الأمر مع الأسف إلى سنوات عديدة حتى تخرج أمريكا من تنويمها المغناطيسي وحتى تظهرالحقيقة حول الأعمال الوحشية التي تحدث في العراق أنا لست ضد الحرب بالمطلق. أعتقد أن هناك حروبا عادلة لكن ليس هذه الحرب.
عودة إلى
كلمة  26 سبتمبرالصومال
كلمة 26 سبتمبر
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةاليمن..مواقف مشرفة!!
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
56 دولة إسلامية.. ثلث العالم في صنعاء
فضل النقيب
مشاهدة المزيد