الثلاثاء 25-09-2018 00:38:13 ص : 15 - محرم - 1440 هـ
أسماء وأفعال ودعابات سوداء
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 10 سنوات و أسبوعين و 5 أيام
الخميس 04 سبتمبر-أيلول 2008 11:18 ص
 
تنطوي بعض الأسماء والأفعال على تشابه قد يؤدي إلى التباسات ومفارقات مضحكة احيانا وسوداوية احيانا اخرى. وتنطوي بعض الأفعال ايضا على معان إذا ما انتزعت من أصولها او فسرت على غير معناها على مخاطر غير محمودة. في زاوية هذا الاسبوع محاولة لالقاء الضوء على هذا الجانب.

جيورجيا وجورجيا

يكاد يرتسم إجماع حول إهمال الرأي العام الامريكي للشؤون الخارجية وقد يصل الاهمال احيانا الى فئات من النخبة العليا كما هو الحال مع الرئيس جورج بوش عندما كان مرشحا للرئاسة وصادف ان سأله أحد الصحافيين في حلقة بث تلفزيوني مباشر ان يسمي رؤساء اربعة بلدان حليفة للولايات المتحدة ففشل في ذكر الاسماء قائلا أنه عندما يصبح رئيسا سيكون لديه جهاز في وزارة الخارجية والبيت الابيض يتولى هذه المهة وعندما أصر المذيع ان يسمي رئيس جمهورية باكستان وكان حينذاك برويز مشرف فقال بوش اليس جنرالا؟ وللتذكير تعتبر أمريكا باكستان حليفا استرتيجيا في شبه القارة الهندية.

 ولعل حال بوش من حال معظم مواطنيه و هذا ما تم بيانه مرة أخرى على هامش احداث القوقاز.فقد انتشرت مؤخرا في اتلانتا في الولايات المتحدة الامريكية رواية مذهلة على الانترنت مفادها أن بعض سكان جورجيا في هذه الولاية اتصلوا بمقر للشرطة وقالوا: تروي الاخبار تفاصيل عن اقتحام الروس لمدينتنا ولكننا نؤكد لكم اننا لا نجد أثرا لهم على الأرض. لا أثر للروس في الشوارع فهل يتقدمون متخفين.؟ نحن لا ثقة لنا بالروس وندرك أنهم يمكن أن يفعلوا ذلك لذا يجب ان نعرف ما هو مطلوب منا وماذا نفعل؟

وفي رواية أخرى أن بعض السكان الامريكيين تساءلوا عن السبب الذي يحمل الجيش الامريكي على عدم التحرك والرد على الاجتياح الروسي لجورجيا فهل ينتظر البنتاغون ان يصل الروس إلى البيت الابيض؟ وللعلم فأن جورجيا القوقازية تكتب بالانجليزية بطريقة مخالفة قليلا لجورجيا الامريكية الا ان اللفظ واحد تقريبا والمشكلة بالطبع لا تكمن في اللفظ والكتابة وانما في الجغرافيا فهل يعقل أن يصل الجهل إلى حد الخلط بين القوقاز واتلانتا.؟

صحيح أن الولايات المتحدة هي القوة العظمى الاهم عسكريا واقتصاديا وسياسيا في العالم لكن الصحيح أيضا أن الرأي العام الامريكي ليس عظيما في معرفته للشؤون الخارجية...للاسف الشديد له ولنا فلو كان "عظيما" لكان من الصعب على حكامه أن يخدعوه ليس فقط في العراق وانما في كل أرجاء العالم. تجدر الاشارة هنا الى أن مدونات النت الامريكية عامرة بهذه الرواية وليس على سبيل الدعابة حصرا.

الأشرفية

مفارقات الاسماء ليست محصورة بالامريكيين وحدهم فنحن العرب ايضا نقع أحيانا في تفسيرات ملتبسة لبعض الاسماء ونحملها ما لا تتحمل واليكم المثال التالي.

في بيروت حي شهير يعرف باسم "الأشرفية" يقع على تل مرتفع في شرق العاصمة. هذا الحي عرف خلال الحرب الاهلية اللبنانية بوصفه معقلا لتيار مليشياوي مناهض للعرب وللعروبة وفق تصنيفات الحرب الاهلية حينذاك وفي هذا الحي قضى الرئيس الأسبق بشيرالجميل عام 1982 بعبوة ناسفة قبل تسلمه مهامه الرئاسية. الطريف ان البعض كان يرى في ارض هذا الحي غربة عن العرب والعروبة وانتماء الى الفينيقية وتواصلا لحضارتها..الخ.

المشكلة ان حي الاشرفية اللبناني منسوب تاريخيا بحسب بعض المؤرخين المسلمين الى "الاشراف" كغيره من الاحياء التي تحمل الاسم نفسه في معظم المدن العربية. و"الاشراف" هم الفئة المتحدرة من بيت رسول الله والشائع انهم كانوا منظمين منذ العهد العباسي حتى العهد العثماني في نقابات تعرف باسم نقابات الاشراف وربما كانوا يسكنون في احياء خاصة بهم في المدن والعواصم العربية الرئيسية نسبة إليهم وتسمى "الاشرفية".

اما تغير طبيعة الحي اللبناني وهوية سكانه فلربما وقع في ظروف تحتاج الى تقص وبحث ومع تقادم الزمن استقر فيه سكان مختلفون وهوية مختلفة وسمي الحي بها دونما انتباه لاصوله.

في اليمن لفتني وجود حي يحمل اسم "الاشرفية" في مدينة تعز وهناك حي مماثل في عمان وفي الرباط وقد نجد الاسم نفسه في تونس والدار البيضاء ودمشق وبغداد وغيرها من المدن العربية العريقة. تبقى الاشارة الى ان هذه الفرضية تحتاج الى تأكيد من المؤرخين العرب أصحاب فصل المقال الحصريين في هذه القضية.

انزل بهم

في سياق الالتباس الذي يمكن أن ينجم عن بعض الأسماء والأفعال ما يصل احيانا إلى ارتكاب مجازر وسقوط ضحايا كان يمكن تفادي سقوطهم.في هذا الاطار نشير إلى حادثة تكررت في العديد من الروايات الخاصة بالحرب الفرنسية ضد المقاومة الجزائرية. الحادثة تتصل بفعل في اللغة الفرنسية يمكن ان يفسر بحسب وروده في الجملة. الفعل هو" نزل" و"انزل" وهو يعني في صيغة عادية نزل وانزل من مكان الى مكان وفي صيغة أخرى يعني فعل القتل كالقول "انزلهم" اي اقتلهم او "نزل بهم" اي قتلهم.

الروية تقول ان الجيش الفرنسي كان يعتمد سياسة الأرض المحروقة في الجزائر المحتلة وفي هذا الاطار شن حملة واسعة على قرى جبلية في شرق الجزائر واعتقل الالاف من السكان وارتكب اعمالا وحشية موصوفة كالاغتصاب وحرق القرى وخنق بعض المقاومين في المغاور... الخ.

وفي احدى الغارات على قرية جبلية اعتقل فصيل عسكري فرنسي العشرات من ابناء القرية وانتظر اوامر الجنرال المسؤول لنقلهم الى معسكر مخصص لتجميع المعتقلين في احدى ولايات شرق الجزائر بيد أن الاوامر تأخرت فكان ان اتصل قائد الفصيل بالجنرال المسؤول الذي كان منشغلا في محادثة هامة في موضوع آخر وعندما سأله الضابط عما يفعله بأهالي القرية المعتقلين قال له "انزلهم"وفي ظنه أن ياتي بهم الى المعتقل الواقع في سهل منبسط سوى ان الضابط فهم الامر بصيغة "اقتلهم" فكان ان امر جنوده برميهم بالرصاص في مجزرة مروعة وشهيرة في مرويات الحرب الجزائرية.

الواضح ان سوء الفهم اللغوي لم يكن مسؤولا عن جرائم الجزائر التي حصدت مليونا ونصف المليون من المواطنين لكن الثابت ان الالتباس اللغوي كان مسؤولا عن سقوط اهالي تلك القرية في حادثة تحظى باجماع الفرنسيين والجزائريين معا..وكل عام وانتم بالف خير.

 
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
استاذ/ عباس الديلمي
من شواهد أنهم لا يقرأون (2)
استاذ/ عباس الديلمي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
أحمد الحسني
وحق لسلطنة عمان أيضاً
أحمد الحسني
مقالات
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةأوان الاعتدال
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
استاذ/عباس الديلميخواطر فضولي.. دعابة محرجة
استاذ/عباس الديلمي
صحيفة 26 سبتمبرالاستقواء بالخارج
صحيفة 26 سبتمبر
مشاهدة المزيد