الإثنين 24-09-2018 20:00:31 م : 14 - محرم - 1440 هـ
عرب الألفية الثالثة.. يوميات جندي أمريكي في جحيم العراق
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 13 سنة و 3 أشهر و 7 أيام
الخميس 16 يونيو-حزيران 2005 05:05 م
تحيط الولايات المتحدة الأمريكية الأوضاع الخاصة بوحداتها العسكرية التي تحتل العراق بحاجز كثيف من السرية والغموض فلا تذيع ولا تسمح بنشر كل ما من شأنه أن يؤثر على معنويات هذه الوحدات بما في ذلك حالة الجنود النفسية و حجم الخسائرالفعلية في المعارك و حجم الهاربين من الخدمة ودوافعهم..الخ وذلك حتى لا تؤدي مثل هذه المعلومات إلى التذكير بكوابيس حرب فيتنام من جهة والى رفع معنويات المقاتلين العراقيين ضد الاحتلال من جهة اخرى سوى أن ارتفاع عدد الممتنعين و الهاربين من الخدمة العسكرية والتصريحات التي يدلون بها خصوصاً في كندا حيث النسبة الأكبرمنهم كل ذلك بدأ يفتح كوة في الستارالحديدي الذي يضربه المحتل حول قواته.فيما يلي شهادة حية عن يوميات جندي أمريكي هارب من الخدمة في العراق نشرتها جريدة «لوموند»اليومية الفرنسية في ملحقها الأسبوعي الرقم (68) والصادر بتاريخ الرابع من حزيران ـ يونيو الجاري نقدمها للقاريء بترجمتها الحرفية وذلك من أجل تسليط الضوء على المزيد من الحقائق التي يلفها الصمت في العراق المحتل.
 يقول الجندي جوشوا كاي:"هربت من الخدمة ذات صباح من شهر ديسمبرعام 2003 لقد حشرت عائلتي في سيارة قديمة اشتريتها العشية بـ 600 دولار وهربت من القاعدة العسكرية في كولورادو سبرينغ مستفيداً من مأذونيتي العسكرية.لم أكن ارغب بالعودة إلى العراق. لم أكن ارغب في أن أكون مجدداً في هذه الحرب المبنية على الكذب.لا أريد قتل المزيد من العراقيين المدنيين لا أريد مواصلة المشاركة في هذه المذبحة. اعرف أن كثيرين من المواطنين سيعتبرونني جباناً وخائناً ولكنني لا أعبأ بذلك. لكل منا ضميره. واعرف أيضا أنني لن احصل أبدا على العفو"حيث أن العسكري لا يهرب أبدا" ولكن أتحمل مسؤولية ذلك ويمكنني العيش مع هذه كلمة "هارب" ولكن ليس مع كلمة "العراق".
 اسمي جوشوا كاي .أنا من مواليد العام 1978 في ناحية غوتري في أوكلاهوما. عائلتي كانت تعمل مربية أبقار وكانت تحصّل عيشها بصعوبة، ولكني مع ذلك كنت أحب هذه الحياة في قلب الطبيعة وسط رعاة البقر حيث انتعال الحذاء لم يكن ملزماً إلا في سن الثانية عشرة للدخول إلى المدرسة. تزوجت من بروندي بعد حصولي على الثانوية العامة، وكنا من عمر واحد وتاريخ واحد. كنت احلم في أن أصبح ملحماً أوكسيدروليكيا ولكن لم يكن عندي المال اللازم للمدرسة الصناعية لذا بحثت عن عمل آخر.أي عمل لكن العمل لم يكن ميسراً في منطقتي الخالية من المصانع والتي لا مستقبل فيها.لذا ذهبت وعائلتي إلى ويسكنسون، وعدنا لأننا لم نجد عملاً والأفق هناك كان مسدوداً أمامنا، وكان لدينا طفلان..
في هذا الوقت التقيت بالمجندين (برفع الميم و كسر النون) في الجيش كان ذلك في شباط ـ فبرايرعام 2002 لقد عرفوا كيف يخاطبوني بكل تأكيد. أوحوا لي أنني سأخرج من أوكلاهوما وأعيش مغامرة رائعة.قالوا لي أنني لن اخدم بلادي فحسب بل أنني سأجلب لعائلتي فوائد استثنائية: ضمان صحي جيد، راتب منتظم، والمال اللازم للدراسة بعد التسريح من الجيش فضلاً عن تأهيل ممتاز في بناء الجسور وأن هذا التأهيل سيكون مفيدا لي للعمل من بعد في القطاع الخاص.وبصورة خاصة ضمنوا لي بوصفي رب عائلة أن أعين في فصيلة عسكرية محلية بقولهم: لن تخدم إطلاقا خارج الولايات المتحدة.لقد التزم مجندي (رفع الميم وكسرالنون) بهذا الكلام وهو ينظر في عينيي.
في أول نيسان ـ ابريل وقعت عقدا مع الجيش لمدة ثلاث سنوات. كنت سعيدا وفخورا بالمشاركة في شيئ اكبر مني وبأنني سأضمن مستقبلا جيدا لعائلتي.
ذهبت إلى معسكرللتدريب في ميسوري وكانت زوجتي براندي حاملا في طفلنا الثالث.أصبت على الفور بخيبة أمل إذ اكتشفت أن وعود المجند (ضم الميم وكسرالنون)تتناقض تناقضا تاما مع الواقع.كنت في المعسكر ليس من اجل بناء جسور بل من اجل تدميرالجسور لأنهم فرضوا علي اختصاص الألغام.اتصلت بزوجتي براندي وقلت لها : لقد خدعوني.بعد شهور من التدريب عينوني في قلعة كارسون في كولورادو في الفرقة الـ 43 لمهندسي المعارك وجاءت براندي للعيش مع الأولاد في القاعدة. ومنذ خريف العام 2002 بدأت شائعات بغداد تتضخم لقد تم كل شيئ من اجل الصدام مع القوات في الصحراء العراقية. تمت مضاعفة التدريب على الإشتباكات و تهيئة وحدات كبيرة للرحيل إلى هناك. كانوا يقولون لنا كونوا على استعداد للانتقال في أي يوم. كنت أظن أنهم سيلتزمون بوعدهم لي. لم أكن اعتقد أنهم سيهملون هذا الوعد. كنت أود طرح السؤال على احد الضباط فقيل لي أن عليَّ أن اقفل فمي إن كنت راغبا في أن تكون عائلتي بمنأى عن الأذى. هكذا وقعت في الفخ.
لقد بدأت الحرب في 19 آذار ـ مارس كانت معداتنا في هذا الوقت قد اصبحت في القطارات المتوجهة إلى الكويت.كان الانتظار محبطاً ولكن كان الأمل في أن تكون الحرب خاطفة بما يكفي حتى لا نشارك فيها.
في الأول من ابريل.. نيسان قيل لنا:هيا يا شباب ستتحركون خلال عشرة أيام فكان الأمر بمثابة صدمة لي. ولكن كان عليَّ أن اقنع نفسي أخلاقيا بأن الحرب تتم من اجل قضية عادلة.وبان صدام رئيس نظام هوالأكثر وحشية على وجه الأرض وبأنه يملك أسلحة دمارشامل وجيشاً فائق القوة وبان تخليص العالم من منظمة القاعدة يمر بالضرورة بالعراق لقد هزتني الأخبار التي تحدثت عن ان ألمانيا وفرنسا وكندا تعارض الحرب ولا تشارك معنا ولكن الرئيس بوش كان يطلب منا الذهاب إلى الحرب وكان هذا الطلب غير قابل للنقاش.
وصلت إلى الكويت في العاشر من نيسان ـ ابريل وقد بقينا في الصحراء حتى 27 نيسان كنا في هذا الفرن مزودين بقارورتي ماء في اليوم بدلا من 6 قارورات ضرورية لإرواء عطشنا مع وجبة غذاء واحدة بدلا من ثلاث وجبات يومية. لم يكن هذا الأمر مفهوما بالنسبة إلينا كيف يمكن تفسير أن الجيش الأقوى في العالم والأكثرتجهيزا تكنولوجيا تفتقر قطاعاته إلى الماء والغذاء اللازم؟ كنا نعطش وكنا نجوع. كنا ننتظر في التلال الرملية ووسط الرمال نمضي الوقت في تنظيف سلاحنا. في 27 ابريل ـ نيسان وبعد مرورنا في بغداد لساعات اتجهنا إلى الرمادي.هناك قيل لنا بما أن الجسرالخشبي الصغيرالذي يصلنا بالمدينة التي يقطنها 300 ألف نسمة لا يتحمل ثقل الآليات العسكرية فان على فرقتنا المؤلفة من مائة رجل أن تدخل المدينة راجلة بمفردها في هذه اللحظة "تبولنا في سراويلنا" من الخوف.ما إن وصلنا حتى طلب منا تنظيم دورية. قلت في نفسي ما هذا الهذيان؟أنا مهندس قتال يقتضي دوري وضع الألغام أو نزعها في الصحراء وليس عسكريا في فرقة المشاة.لقد كنت مخطئا وبدأت الدوريات ليلا في المدينة كل رجل في الدورية يبعد ثلاثة أمتارعن الآخرالدم متجمد في العروق والرشاش في اليد. هذا الأمركان يثيرالمواطنين واعتقد أن الهدف من الدوريات هو إثارتهم.كان علينا أن نثيرهم وان نخلق فوضى حتى يطلقوا علينا النار ونطلق عليهم النار.
لقد حصل في البداية أن بعض الناس كانوا يخرجون من منازلهم ليصفقوا لنا.قيل لي أن هذه العادة كان معمول بها خلال عهد صدام حيث كان على الناس أن يخرجوا من منازلهم لتحية العسكريين تحت طائلة القتل.هكذا كانوا يفعلون معنا ولم يكونوا مخلوبين برؤيتنا كما يعتقد البعض.غالبا كانوا يبصقون علينا ويرشقوننا بالحجارة ومن ثم بدأ الرمي بالرصاص وإطلاق القذائف الصاروخية والهجوم بالقنابل وبصورة خاصة عندما صرنا في الفلوجة هنا عشنا كابوساً حقيقيا.
كان رفاقي يختفون الواحد تلو الآخر دون أن نعرف أخبارهم إن كانوا جرحى أو قتلى. ببساطة لم نعد نسمع شيئا عنهم.في إحدى الفترات كثرت الهجمات وإطلاق الصواريخ إلى حد أننا ما إن نصحو صباحا حتى نقول هل جاء اليوم دوري؟ وكنا نحلم بان نصاب بجرح للعودة إلى المنزل.كل شيء من هذا القبيل كنا نحلم به إلى حد القبول أن فقدان احد أطرافنا كان بالنسبة إلينا أفضل من البقاء في هذا الجحيم. لقد أطلق عدد من الجنود النارعلى أطرافهم وأفخاذهم من اجل ذلك. رفيق لي استخدم بندقية أل إم 16 اطلق النارعلى رجله لم اعرف أبداً ما حل به من بعد ولكن فكرة إطلاق النارعلى الأطراف كانت موجودة في تفكيرالجميع إلى حد أن القيادة نشرت مذكرة تؤكد فيها أن كل من يفاجأ بإطلاق النارعلى نفسه أو من يخترع وسيلة للعودة إلى منزله فليعرف الفاعل انه سيعاد إلى هنا لفترة تتراوح بين 12 و18 شهرا.
يتبع قسم ثان الأسبوع المقبل