الجمعة 16-11-2018 06:47:28 ص : 8 - ربيع الأول - 1440 هـ
هموم اول القرن .. الرئيس و الصحافة والمجلس و القانون
بقلم/ كاتب/نصر طه مصطفى
نشر منذ: 13 سنة و 4 أشهر و 29 يوماً
الخميس 16 يونيو-حزيران 2005 05:02 م
حسناً فعل مجلس نقابة الصحفيين في اجتماعه- الأحدالماضي- عندما اتخد قرارات جديدة بخصوص قضايا الزملاء حافظ البكاري و رحمة حجيرة و عبد الملك الفيشاني و رشيدة القيلي ... وحسناً فعل عندما راجع نفسه مهنياً ولائحياً بعيداً عن الضغوط السياسية و العاطفية ، ولو أنه يفعل هكذا باستمرار لجنب نفسه كثيراً من الاحراجات ولما احتاج أن يتحمل مسؤولية تعريض الأسرة الصحفية لمخاطر التشتت و التمزق بانتهاجه مواقف غير مدروسة ومحكومة بالعواطف المندفعة بدون أي حسابات مهنية . لقد كان المجلس السابق –الذي كان لي شرف عضويته- محسوباً على السلطة بمقاييس بعض الزملاء العاملين في صحف المعارضة لكنه أي ذلك المجلس أثبت أن ولاءه للمهنة أولاً وأخيراً من خلال كل مواقفه على امتداد خمس سنوات (1999م-2004م) حيث كانت مواقفه مشهودة إلى جوار صحف المعارضة ، ووقف إلى جانب صحيفة الشموع عندما اعتقل رئيس تحريرها بسبب تهجم الصحيفة على رئيسي الحكومة السابق و الحالي الدكتور عبدالكريم الإرياني والأستاذ عبدالقادر باجمال ... ووقف مع مراسلي الصحف ضد صحيفة الميثاق ... لم يكن لدى المجلس السابق أي حسابات سياسية واستطاع مع ذلك أن يحافظ على علاقة احترام مع السلطة والمعارضة سواء بسواء ونجح أخيراً في تنقية العضوية وأزاح مئات من الدخلاء على المهنة ثم تمكن من تنظيم المؤتمر الثالث في العام الماضي الذي كان مضرب المثل في شفافيته وأتى بعدد من الزملاء في صحف المعارضة للمشاركة في الإعداد والتحضير لأنه كان يدرك حجم الشكوك والأوهام التي كانت تعتري أوساطهم وظل المجلس محاطاً بسوء النوايا في كل موقف من مواقفه حتى عشية المؤتمر الثالث بسبب طغيان الأوهام السياسية وذلك أسوأ ما يمكن أن يصيب أي عمل مهني ... وهنا يجب أن نقول كفى سياسة داخل نقابتنا ، وكفى أوهاماً لأن هذه الأوهام والأمراض أثرت سلباً على علاقة المجلس الحالي بأكثر من نصف أعضاء الأسرة الصحافية وهزت علاقته بالحكومة وهي السند الأساسي للنقابة في الوضع الحالي ... وشلت حركته فلا هو عدَّل نظامه الأساسي ولا هو عقد الجمعية العمومية ولا هو قدم مشروعاً بديلاً لقانون الصحافة ، ولا هو قد تعديلات على مشروع القانون ... و إذن فلا بد من ترميم كل ذلك في المرحلة المقبلة وفق رؤية واضحة وحسابات مهنية صرفة... ولا بد من مراجعة المجلس الحالي لمجمل ادائه خلال أكثر من عام وتحديد أين أصاب وأين أخطأ بكل تجرد ومسؤولية ذلك أنه معني بالحصول على ثقة كل عضو في النقابة وليست على ثقة أي أحد آخر ليس مجلس النقابة معنياً بالالتزام بنظامه الأساسي فقط ولكنه معني بالالتزام بالدستور والقوانين النافذة والاحتماء بها وحمايتها من الإنتهاك ... وقد سألت صديقي المحامي القدير الأستاذ محمد ناجي علاو نهاية الأسبوع الماضي عن توصيف إتهام الحكومة بتوريد الخمور وتوزيعها فقال ( انه قذف ) وبلغة الشرع (سب وتشهير) فهل يرضى مجلس النقابة أن تصل لغة بعض الزملاء إلى هذا الدرك  والمستوى ؟!
 طبعاً ليس المطلوب أن يتحول مجلس النقابة إلى مجلس دفاع عن الحكومة- كما سيحلو للبعض أن يفسر كلامي- ، لكن المجلس معني بحماية صحافتنا من التدني إلى مستويات هابطة في التناول بإصدار بيان على الأقل حيث أعرف جيداً أن لا سلطة له سوى السلطة المعنوية في ظل عدم وجود قانون يحدد دور النقابة في حماية المهنة وحماية أعضاء النقابة ... ولماذا لا يفكر المجلس الذي أعتز شخصياً بعلاقتي الطيبة بكل عضو من أعضائه في تبني ندوة أو حلقة نقاش يقدم خلالها ورقة عمل تتناول هذه الأمور كلها باعتباره (الممثل الشرعي والوحيد) للأسرة الصحافية ويستعيد من خلالها توازنه النفسي والمعنوي ومكانته الإعتبارية نتيجة المواقف الانفعالية المندفعة وغير المدروسة لماذا لا يقف المجلس وقفة صدق وشجاعة ومسؤولية تجاه ما يتعرض له (رئيس الجمهورية) في بعض صحف المعارضة من إساءات شخصية خرجت عن كل القيم وآداب الكلمة والحرف ؟
 كلنا يعرف أن (الرئيس) ليس شخصاً معصوماً من الخطأ وليس فوق النقد ... لكنه أيضاً رمز لهذا البلد وهو كذلك صاحب إنجازات تاريخية مشهودة وغير مسبوقة تستحق منا أن نعترف له بها ونقر بدوره الكبير في استقرار هذا البلد ورفع إسمه ومكانته... يعرف زملائي أعضاء مجلس النقابة أن نصفهم على الأقل سيسرد عشرات الصفحات في صحف المعارضة دفاعاً عن الرؤساء الراحلين جمال عبدالناصر، و إبراهيم الحمدي وعبدالفتاح إسماعيل، وعن نائب الرئيس السابق علي سالم البيض إذا تعرض أحدهم لكلمة نقد واحدة في غاية التهذيب فما بالك إذا تعرضوا لنقد شرس خارج عن الأدب والأخلاق وشرف الكلمة .. بالمقابل ألا يستحق علي عبدالله صالح منهم موقفاً نابعاً من تجسيد احترامهم لقانون الصحافة والمطبوعات الحالي الذي ينص فيه البند(12) من المادة (103) في محظورات النشر على حظر (التعرض بالنقد المباشر والشخصي لشخص رئيس الدولة إلى نهاية البند الذي يقول ... ولا تسري هذه الأحكام بالضرورة على النقد الموضوعي البناء) ، ولا ننسى أن هذا النص أُقر في عام 1990م في قمة التوازن بين المؤتمر والإشتراكي وبمشاركة ممثلي الإصلاح والوحدوي الناصري ... وهو نص واضح ومنصف ذلك أن النقد الموضوعي البناء معروف حيث لا يتضمن الإساءة الشخصية والسخرية والتجريح والقذف والإتهام ... والزملاء يعرفون أن معظم ما يُكتب ضد الرئيس إنما هو غير النقد الموضوعي البناء ... والمسألة اليوم أن ندافع عن المهنة من خلال دفاعنا عن الكلمة الشريفة المحترمة الملتزمة وليس عن الكلمة الهابطة المسفة النابعة من حاجات شخصية أو أهواء سياسية أو نعرات مناطقية وعنصرية  لقد خضنا في سنوات الفترة الإنتقالية وسنة الأزمة والحرب معارك كلمة شريفة قوية وحادة لكنها لم تهبط إلى ما نشاهده اليوم من إسفاف.. وكلنا يتذكر أقلاماً محترمة مثل محمد الزرقة، و أحمد الشرعبي، ومحمد قاسم نعمان، وناصر يحيى وسعيد ثابت، وحسن العديني، ومحمد علي سعيد، و عبد الوهاب الروحاني و عبدالله سعد، وعبد الحبيب سالم، وعبد العزيز السقاف، و عبد الباري طاهر، وأحمد طربوش وآخرون لا يسعني المجال لتذكرهم جميعاً لكنهم كانوا و مازال الأحياء منهم نموذجاً للأداء المسؤول والقلم صاحب الموقف و الرأي الموضوعي المهذب والملتزم.
 عموماً أتمنى أن تجد كلماتي هذه من القبول لدى زملائي أعضاء المجلس ما يجعلهم يقفون بمسؤولية خلال المرحلة القادمة رغم أني أعلم أنه قد لا يعجبهم بعض ما جاء فيها ... لكن الحق أحق أن نقوله ما دامت حساباتنا تكمن في وحدة النقابة والإرتقاء بدورها والحفاظ على مهنتنا من خلالها وإبعادها عن التسييس والحزبية وأعلم أن مقالي الأسبوع الماضي أعجب البعض مثلما أن مقال الأسبوع الذي قبله أعجب بعضاً آخر ... لكن الحقيقة مرة دائما وكلنا لا يعجبنا إلا أن نسمع ما نهوى ومع ذلك لا بد أن نتعلم سماع وقبول ما لا نهواه وأن نتعامل معه بحياد وصدق وموضوعية ونناقشه كذلك بقدر ما يحمل من الموضوعية والإنصاف.
nasrt@hotmail.com