السبت 17-11-2018 15:39:50 م : 9 - ربيع الأول - 1440 هـ
مبادرة خادم الحرمين للحوار.. خطوة متأخرة لكنها جبارة!
بقلم/ بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
نشر منذ: 10 سنوات و 3 أشهر و 23 يوماً
الخميس 24 يوليو-تموز 2008 10:14 ص
 قامت الأديان السماوية كلها على مبدأ الحوار، وقد أكد الإسلام على ذلك أيما تأكيد. فقد جاءت أول آية في القرآن الكريم تأمر بالقراءة. وما ذلك إلا لأهمية الحوار، فلا قيمة للقراءة إذا لم تخدم عملية الحوار. وقد كان منهج الحوار الدعامة الأساسية التي قامت عليها الدعوة الإسلامية من أول يوم لها. إذ أن الحوار كان بداية ظهور الدعوة الإسلامية.
 ومن يتمعن في القرآن الكريم فسيجد انه مليء بالحوار مع المسلمين و مع غير المسلمين. إذن فالحوار ليس غريباً على الإسلام لأنه جزء أصيل منه. و من المؤكد انه قد مثل احد أهم تأثير الحضارة الإسلامية على الحضارات الأخرى.
وعلى هذا الأساس فانه يمكن النظر إلى مبادرة خادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز لحوار الحضارات بأنها جاءت متأخرة جداً ومع ذلك فإنها بكل تأكيد تمثل خطوة جبارة إلى الأمام بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. و تنبع أهميتها من كونها قد صدرت من الملك عبد الله بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية، الأرض التي انطلقت منها دعوة الإسلام. ولذلك فان التعامل معها سيعكس الثقل الكبير الذي يمثله الملك عبد الله في داخل المملكة و الدور الكبير الذي تتمتع به المملكة العربية السعودية على المستوى الإسلامي والدولي.
غير انه لا ينبغي التهوين من حجم المقاومة التي قد تعترضها. فمن المؤكد ان هذه المقاومة ستصدر أول ما تصدر من أرض المملكة العربية السعودية نفسها. ولا بد من اخذ ذلك بعين الاعتبار عند تصميم الاستراتيجيات الضرورية لإنجاحها. فإلى جانب العمل على حشد الجهود الدولية لدعم هذه المبادرة، فانه لا بد من العمل على حشد الجهود المحلية والإقليمية لها أيضا. وذلك يحتم على كل المعتدلين في داخل المملكة وفي خارجها توحيد جهودهم وبذل كل ما في وسعهم لدعم هذه المبادرة بكل الطرق والوسائل الممكنة.
ولذلك فانه لا بد أن ينطلق حوار داخلي حول الوسائل المتاحة لدعم المبادرة جنباً إلى جنب في عملية حوار الحضارات. ومن وجهة نظري فإن الحوار الداخلي يجب ان يتركز حول مبررات المبادرة القوية ودحض ما قد يثار حولها من شبهات. ولا بد من ان يتم البدء في هذه المهمة حالا. فمعارضو المبادرة لن يقفوا مكتوفي الأيدي، بل سيعملون ما في وسعهم لإيقافها أو إفشالها.
مبررات المبادرة
في هذا المقال سيتم مناقشة أهم المبررات الداعمة لها ودحض أهم الشبهات التي قد يثيرها معارضوها حولها. و سيتم الحديث أولاً عن المبررات، وثانياً عن الشبهات.
ففيما يخص المبررات فانه يمكن إيراد أهمها وذلك على النحو التالي.
أولاً: الحوار ضروري لأنه سنة من سنن الله في الكون لا غنى للبشر عنها. فقد حاور الله الملائكة والشيطان. إذ يقول الله تعالى في سورة الحجرات: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (33)». فقد أوضح الله تعالى لإبليس الأسباب التي جعلته يطلب من الملائكة، ومنه ان يسجدوا لآدم. وعندما لم ينصع إبليس لأمر الله كما فعلت الملائكة فان الله تعالى استمر في تحاوره معه عندما سأله عن الأسباب التي دفعته لذلك.
وسوف يحاور الله الكفار والعصاة يوم القيامة على الرغم من اعترافهم به و بملكه. إذ يقول الله تعالى في سورة النحل: «يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ(111). فلم يمنعهم الله من ان يقولوا ما يريدون.
وقد أمر الله كل رسله باتباع الحوار مع مخالفيهم مع أن مخالفيهم قد رفضوا ذلك ولجؤوا إلى القهر والإجبار بدلا منه. إذ يقول الله في سورة غافر: «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (5)». ويقول الله تعالى في سورة آل عمران: «فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21)».
ثانياً: الحوار ضروري لان القرآن قد أمر به وطبقه. فقد حاور القرآن كل الأديان والحضارات الأخرى. والأمثلة على ذلك كثيرة تكاد لا تحصى. فقد حاور اليهود والنصارى حول العديد من الموضوعات ومن أمثلة ذلك ما يلي. إذ يقول الله تعالي في سورة البقرة: «وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (112)». ويقول أيضا في سورة آل عمران: «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (65) هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (66) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)». و يقول في سورة آل عمران: «فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)».
  حوار المشركين
وقد حاور القرآن مشركي العرب في عدد من المواضع ومن أمثلة ذلك ما يلي. إذ يقول الله تعالى في سورة الأنبياء: «أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ (24). ويقول في سورة البقرة: «وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)». ويقول في سورة القصص: «قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (49) فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)». إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللّهُ وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63)». ويقول في سورة المائدة: «مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ (103) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ (104)». و يقول في سورة يونس: «بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39) وَمِنهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُم مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (40)».
ثالثا: الحوار ضرورة لأن الإسلام أوسع من الدولة الإسلامية. فقد وجد الإسلام قبل أن توجد الدولة الإسلامية واستمر بعد سقوطها وقد يوجد مسلمون في دول غير إسلامية. ان ذلك يحتم وجود حوار بين الدول الإسلامية وغير الإسلامية، وبين المسلمين وغير المسلمين في الدول غير الإسلامية، وبين غير المسلمين والمسلمين في الدولة الإسلامية. فالإسلام هو اختيار الفرد، أما الدولة فهي اتفاق الجمع أو أغلبيته. فلا يمكن إقامة دولة إسلامية في ظل دول لا يعتنق غالبيتها الإسلام. يقول الله تعالى في سورة البقرة: «لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)». فإذا كان لا إكراه في الدين فانه من باب أولى لا أكراه في الاحتكام للشريعة والتي هي في معظمها اجتهاد بشري، وبالتالي فلا إكراه في السياسية والتي هي في الغالب طاعة لمؤسسات الدولة. فإذا كان يمنع الإكراه في هذه الأمور، فان التعايش يتطلب الحوار. ويقول الله تعالى أيضا في سورة الأعراف: «وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168)» ويقول في سورة هود: «وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)» ويقول الله تعالى في سورة الأنعام: «وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ (107)». ويقول أيضا في سورة يونس: «قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (108). ويقول في سورة الزمر: «إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ (41)». و يقول في سورة الشورى: «وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَولِيَاء اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ (6)». فإذا كان رسول الله ليس عليهم بوكيل فالدولة ليست عليهم بوكيل من باب الأولى.
الدعوة والحوار
رابعاً: الحوار ضروري لان الإسلام لا يهدف إلى السيطرة على الآخرين والتحكم بهم. ولذلك فان دعوة هؤلاء يجب ان تسبق أي فتح لبلدانهم. وما الدعوة في الحقيقة إلا حوار. فالإسلام لم ولن يكون استعماراً بأي شكل من الأشكال. فإذا كان الأمر على هذا النحو فانه لا ينبغي ان يكون من بين وسائل الدعوة إلى الله إذلال الآخرين ولا تحقيرهم ولا قتلهم ولا مصادرة أموالهم وهي امر تترتب على الحروب. يقول الله تعالي في سورة الاعراف: «وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (165)، «اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ (107) وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (108) وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ(111)».
خامساً: الحوار ضروري لأنه يستحيل إقناع كل سكان الأرض بدين واحد.. ولذلك فانه لا بد ان تكون هناك وسيلة للتعايش بين هؤلاء غير القهر والقتل. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال الحوار. يقول الله تعالى في سورة الاعراف: «سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ (146)». ويقول أيضا في سورة يونس: «إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ (100)» ويقول في سورة الكهف: «وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا (29)».
احترام حقوق الاقليات
سادسا: الحوار ضروري لان هناك قواسم مشتركة بين جميع البشر حتى في داخل الدولة الإسلامية والمجتمع المسلم، ولا يمكن التعرف عليها إلا من خلال الحوار. فالدولة في الإسلام تحترم حقوق الأقليات الأمر الذي يوجب الحوار بين الطرفين. فسلطة الدولة في الإسلام ليست شاملة كما هو الحال في الدولة الحديثة، بما في ذلك الدولة الديمقراطية. ولذلك فان الدولة الإسلامية هي أكثر الدول مرونة في التاريخ كله. فعلى سبيل المثال فان الأحوال الشخصية للأقليات لا تخضع لنفس القواعد التي تنظم الأحوال الشخصية للأغلبية. صحيح انه لا بد من وجود قواعد مشتركة بين جميع مواطني الدولة الإسلامية، لكن ذلك لا يعني عدم السماح بالتمييز في بعض القضايا ذات الخصوصية. ولقد عكست وثيقة المدينة هذه الظاهرة بشكل واضح. ولا شك ان ذلك يتطلب حواراً بين الأغلبية والأقلية يتم من خلاله تحديد القواسم المشتركة و التباين المسموح به. 
وعلى الرغم من هذه المبررات القوية فان معارضي الحوار في العالم الإسلامي, والذين من المتوقع ان يعارضوا مبادرة خادم الحرمين سوف يحاولون إثارة بعض الشبهات بهدف عرقلتها. وسنحاول في هذا المقال دحض أهمها وذلك على النحو التالي.
أولا: الحوار مع غير المسلمين يعني الرضا والموافقة على ما هم عليه من كفر وباطل. لاشك ان فهماً كهذا يتعارض مع الفهم الصحيح للحوار. انه لا يقابل الفرض والرضا ولكنه يقابل الفهم والتوضيح. ومن ثم فانه لا يهدف إلى إجبار الآخرين بتبني وجهة نظر احد المتحاورين، وانما يعني محاولة التوضيح والبحث عن القواسم المشتركة والاتفاق على إدارة الاختلافات بهدف التعايش وليس بهدف إرغام احد للتخلي عن ثوابته المقتنع بها. فلا يحتم على سماع آراء الآخرين القبول بها. والأكثر أهمية من ذلك ان التحاور لا يعني الموافقة على ما يقال حتى ولو لم يتم الاعتراض عليه. ان ذلك يدحض ما يثيره معارضو الحوار من شبهة فلا يترتب بالضرورة على التحاور مع أصحاب الباطل و المنكرات إقراراً لباطلهم و لا سكوتاً على منكرهم. فالمتحاورون متفقون مسبقاً بان ما يطرحه أي محاور لا يعبر إلا عن رأيه و ليس عن رأي كل المتحاورين ما لم يتم الاتفاق على ذلك بشكل صريح. 
دليل القوة
ثانيا: القبول بالحوار ليس دليل الضعف وانما هو دليل القوة. فعلى العكس من ذلك فان الضعيف هو الذي يتهرب من الحوار. فدعوة الرسول صلى الله عليه و سلم قريشاً للحوار، وتحاوره معها في الحديبية لم يكن دليل ضعف وانما كان دليل قوة. ولذلك فان دخول المسلمين في حوار مع غيرهم لا يدل على ضعف المسلمين ولا على قوة غيرهم. فرض العرب للحوار مع اليهود لم يعمل على تحرير الأرض الفلسطينية. وليس من الضروري ان يكون الحوار بديلاً عن الاستعداد لدفع العدوان بالقوة إذا لم يؤد إلى أي نتائج مقبولة. والدليل على ذلك ان الله القوي العظيم قد حاور الشيطان الضعيف. إذ يقول الله تعالي في سورة الحجرات: «قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (37) إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38)». فانظار الله لإبليس ليس دليل ضعف و انما دليل قوة لأن الشيطان لا يستطيع ان يعمل شيئا خارج إرادة الله و مشيئته.
ثالثا: ضرورات الدولة لا ينبغي ان تتغلب على متطلبات الدعوة. إذ ان ضرورة الدولة تستلزم الحسم و عدم التهاون مع المخالفين في حالات معينة. لكن ذلك ليس إلغاءً ولا نسخاً للحوار. فالحوار متطلب أساسي للدعوة وعامل مساعد لاستقرار الدولة. فالدعوة تقوم على الإقناع الذي هو نتيجة حتمية للحوار. وبالتالي فان لجوء الدولة إلى طرق غير الحوار للتعامل مع معارضيها في بعض الأمور لا يعني عدم تقديرها للحوار ولا تخليها عنه. انما يعني فقط ان الحوار في هذه الحالات قد استنفد، وبالتالي فلم يعد مفيداً. وقد التبس ذلك على البعض فخلط بين الحالات المختلفة التي تتطلب تعاملاً مختلفاً، أي الحوار أو الحسم ليستدل على ان الإسلام لا يؤمن بالحوار. فالإسلام في مكة قبل الهجرة كان حالة خاصة وليس مرحلة تاريخية. ولذلك فقد كان الحوار هو الأنسب للدعوة حتى في ظل عدم قبول الأخر به ولجوئه للعنف بدلاً عنه. والإسلام في المدينة كان حالة خاصة ولذلك فقد تعامل مع متطلبات الدعوة من خلال الحوار و مع متطلبات الدولة من خلال الحسم والحوار. والإسلام بعد فتح مكة كان حالة خاصة أيضا ولذلك فقد تعامل مع مواطني الدولة (الجزية) بشكل مختلف عن تعامله مع الأعداء الخارجين (السيف).
ان ذلك يدل على ان الإسلام قد اهتم بمتطلبات الدعوة ( الحوار) وضرورة الدولة (الحسم) بحسب ما تقتضيه كل حالة من الحالات. لكن من الواضح ان الإسلام قد أعطى الدعوة أولوية قصوى، وإن كان لم يهمل ضرورات الدولة. إذ يقول الله تعالى في سورة التوبة: «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36). فهذه ضرورات الدولة لان المشركين لم يلتزموا بنتائج الحوار، فنكثوا عهودهم فلم تبق أية وسيلة للتعامل معهم و هي الإسلام أو السيف.
فقد أورد القرآن كذلك العديد من الآيات الدالة على أولوية الدعوة على ضرورات الدولة في كثير من الأمور. فمن هذه الأدلة ان مهمة النبي صلى الله عليه و سلم الأساسية هي النبوة و الإنذار وليس الملك. يقول الله تعالي في سورة البقرة: «إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً ولا تُسال عن أصحاب الجحيم (119)». وقد ورد معنى هذه الآية في عدد كبير من الآيات. ومما يؤكد هذه الأولوية انه لم يشر القرآن إلى الدولة بشكل مباشر. وعندما يشير إليها بشكل غير مباشر فانه لا يصورها على أنها حتمية أو أنها يجب ان تكون متلازمة مع الإسلام. يقول الله تعالى في سورة الحج: « الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)». فالتمكين، أي إقامة الدولة قد يتحقق وقد لا يتحقق لان ذلك مشروط بتوافر ظروف معينة.
رابعاً: الحوار لا يُلغى تماماً حتى في داخل الدولة الإسلامية. صحيح ان إقامة الدولة يعني تفويض مؤسساتها في استخدام القهر والإكراه في بعض الأمور لكن ذلك لا يلغي ضرورة استمرار الحوار بين الناس وبعضهم والبعض وبينهم وبين الدولة. فالشورى هي أساس شرعية الدولة في الإسلام. ولا شك ان الشورى هي نوع من الحوار، لأنه يعني ان أفراد الأمة قد تحاوروا فيما بينهم حول العديد من الأمور والقضايا السياسية واتفقوا عليها. ولذلك فان الحوار ضروري لإقامة الدولة كما هو ضروري للتعامل مع بعض القضايا التي لا يوجد تفويض للدولة بالتعامل معها.
ويدل على ذلك قول الله تعالى في آل عمران: «فِبَما رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)». وفي سورة الشورى: «وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (38). وما بيعتا العقبة الأولى والثانية إلا تطبيق لذلك.
خامساً: ليس صحيحاً ان العالم منقسم بين دار إسلام و دار حرب. لقد استخدم هذا المصطلح ليعكس الظروف الخاصة التي كانت سائدة بعد قيام الدولة الإسلامية في المدينة المنورة. فدار الإسلام كانت ترمز إلى الدولة الإسلامية التي لا تعتدي على الآخرين ولا تسمح لهم بالاعتداء عليها. أما دار الحرب فكان يرمز إلى كفار مكة الذين يمارسون الاعتداء على الآخرين بدون أي حق. لكنه لم يكن يعني تقسيم العالم كله على هذا النحو. فالحبشة لم تسلم في ذلك الوقت و ان كان نجاشيها قد اسلم و لكنها لم تصنف على أنها دار حرب. لقد تم تصنيف دولتي فارس و الروم على أنهما دار حرب بعد ان أعلنتا الحرب على الدولة الإسلامية.
ان تصنيف أية دولة على أنها دار حرب لا يعني إطلاق العنان للقتل و العنف بدون ضوابط. بل انه يجب ان يكون لرد العدوان بالقدر الكافي فقط. يقول الله تعالى في سورة البقرة: «وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193)». فقد ربط الله بين الإذن بقتال كفار مكة لأنهم المعتدون وقيده بمقدار العدوان فقط. ومن هذه الآيات فانه يمكن الاستدلال على جواز محاورة حتى المعتدين إذا كان ذلك سيردعهم عن الاعتداء والعدوان. إذ يقول الله تعالي في سورة الممتحنة: «عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (7) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(9)».
الدعوة بالحسنى
فمن لم يتعد على المسلمين فليس بدار حرب ولا دار إسلام. ولذلك فان التعامل معه مختلف. انه يقوم على أساس الدعوة بالحسنى أي بالحوار. فيقول الله تعالى في سورة النحل: «ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)». ويقول أيضا في سورة العنكبوت: «وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (47).
ولذلك فان التعامل مع غير المسلمين ليس واحداً وانما يتعدد بتعدد مسالمتهم و عدوانيتهم. يقول الله تعالى في سورة آل عمران: «لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)» و يقول تعالى في سورة المائدة: «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ (82)».
تاسعا: الانتصار لله لا يعني تغليب القتل على الحوار. فالله تعالى لا يضره كفر و لا ينفعه إيمان. إذ يقول الله تعالى في سورة آل عمران: «وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئًا وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177)». و يقول أيضا في سورة هود «فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57)».
ان عملية الحوار مهمة لكن العقبات أمامها كبيرة. و ما من شك بان مبادرة خادم الحرمين الشريفين ستطلق عملية الحوار من عقالها. و لذلك فهي خطوة جبارة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
 
  
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
أدوات المطامع الخليجية
توفيق الشرعبي
مقالات
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةالوطن.. القاسم المشترك!!
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةقتلة لا غير
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
استاذ/عباس الديلميإنه من حمى الفضيلة بالسلام
استاذ/عباس الديلمي
مشاهدة المزيد