الإثنين 19-11-2018 16:30:54 م : 11 - ربيع الأول - 1440 هـ
مهزلة العدالة الدولية في دارفور
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 10 سنوات و 3 أشهر و 25 يوماً
الخميس 24 يوليو-تموز 2008 09:46 ص
انشغل العالم الاسبوع الماضي بقرار اتخذه السيد اوكامبو المدعي العام الاسباني المعين من طرف المحكمة الجنائية الدولية والقرار ينطوي على ادعاء بالابادة الجماعية في قضية دارفور وهو الاول من نوعه لانه يطال رئيسا لدولة ذات سيادة يمارس وظائفه ويحظى بتغطية من القانون الدولي وعلى الرغم من التحرك العاجل للجامعة العربية
 من اجل تعطيل القرار ووضع حد لتدخل المحكمة في شؤون السودان الداخلية فان هذه السابقة اعتبرت خطيرة للغاية وربما يكون لها ما بعدها لكن كيف ولماذا اندلعت هذه القضية وما هي نتائجها المتوقعة؟ الجواب عن السؤال يستدعي العودة الى تفاصيل ما وقع في الاقليم السوداني.
  يعيش اقليم دارفور منذ العام 2003 مأساة فظيعة أدت الى سقوط عشرات الالاف من القتلى والجرحى ومئات الآلاف من النازحين فضلاً عن انتشار المجاعة و ظواهر الاغتصاب والنهب وقطع الطرقات والثأر وانتهاك الحقوق. والثابت بحسب المراقبين الموضوعيين والمنصفين أن هذه الجرائم تقع في سياق حرب اهلية مفتوحة تشترك في صنعها اطراف موالية للحكومة المركزية في الخرطوم واخرى مناهضة لها و يتوزع ضحايا هذه الجرائم على كل قبائل وأثنيات الاقليم من العرب والفور والمساليت والزغاوة واذا كان حجم المتضررين في الاثنية العربية اقل من غيرهم فلان غالبية سكان الاقليم المسلمين هم من غير العرب.
والثابت بحسب المراقبين المحايدين أيضا ان اقليم دارفور كان على مر العصور مسرحاً لنزاعات بين القبائل البدوية المتجولة من رعاة القطعان والقبائل المستقرة التي تعيش على الزراعات المروية وكانت هذه النزاعات تتفاقم في مواسم الجفاف وندرة الماء حيث تضطر القبائل البدوية الى الاستقرار مع قطعانها في المناطق المروية التي تعاني هي ايضا من الجفاف وندرة الماء الامر الذي يؤدي الى تصادم من اجل البقاء. بيد ان الصدامات لم تتحول يوما إلى نزاع اهلي مفتوح كما وقع ويقع منذ العام 2003 ما يعني ان اسبابا اخرى ادت الى إيقاد الفتنة بين اهالي دارفور وبالتالي اخراج النزاع من اطاره المحلي المضبوط تمهيدا لطرحه على المسرح الدولي.
البحث عن الاسباب الطارئة على الازمة الدارفورية يقودنا بداية الى الخرطوم التي كانت قد ختمت في العام 2002 ملف الجنوب وفي نيتها التفرغ لتثبيت اركان الدولة والافادة من الموارد التي يمكن ان يحملها الاستقرار سواء عبر التوفير في موازنة الحرب او عائدات المواد الأولية وفي طليعتها النفط. في هذا الوقت كان الطلاق بين شريكي الائتلاف الحاكم قد تحول الى قطيعة ثم الى حرب مفتوحة لم يتورع خلالها خصوم البشير عن الضغط على الحكومة انطلاقاً من اقليم دارفور حيث يحتفظون بنفوذ كبير ومن الملفت ان نرى اليوم بين قادة التمرد البارزين في الاقليم وجوها بارزة من المشاركين السابقين في الحكم المركزي في الخرطوم.
بيد ان اللعبة خرجت من يد الطرفين عندما دخلت جهات خارجية على خط النزاع وبعضها انتقل من دعم التمرد الجنوبي الى دعم التمرد الدارفوري وذلك على ايقاع احداث 11 سبتمبر و الهجوم الامريكي على افغانستان والعراق والحديث المفتوح عن تغيير خرائط المنطقة ولعل هذه الاجواء اضفت على الصراع في دارفور نزعة وجودية بين مكوناته وبالتالي الى وقوع مجازر بشعة ودمار وتهجير لاسابق له الا في المناطق الكردية في شمال العراق غداة حرب الخليج الاولى.
ما من شك ان الحكومة المركزية السودانية المستجيرة بالصين و روسيا الاتحادية والمستهدفة من اللوبي الانجيلي في الادارة الامريكية لاتملك الوسائل الضرورية لحل النزاع اقتصاديا وبالتالي التعويض على المتضررين كما انها لم تعد تملك الوسائل السياسية والعسكرية للسيطرة التامة على كامل الاقليم بعد الانشقاق في الائتلاف الحاكم فكان من الطبيعي ان يخرج النزاع عن السيطرة وان يصبح الاقليم عرضة لتدخل قوى دولية كانت ومازالت ترغب في اقامة نظام فيدرالي ضعيف في السودان ومتعدد الطوائف والاثنيات على الطريقة العراقية بحيث يضم مجموعات تدين بالبقاء للطرف الخارجي الذي تسبب بوجودها.
في هذا السياق ينبغي النظر الى مأساة دارفور وفي هذا السياق يتوجب النظر الى قرار اوكامبو المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية باستدعاء الرئيس السوداني للرد على تهمة "الابادة الجماعية" لقبائل الفور والزغاوة والمساليت.ذلك أن الادعاء يطال حكومة انهكتهاحرب الجنوب وصراعات الاجنحة الداخلية والتدخلات الخارجية وتسعى لحماية نفسها عبر ربط مواردها الاولية بالقطب الصيني الامر الذي أثار ويثير حفيظة اللوبيات الغربية النازعة للهيمنة المحكمة على هذه المنطقة وسائر مناطق العالم التي تحتفظ بالطاقة والمواد الاستراتيجية الاخرى.
في ضوء ما تقدم تبدو"عدالة" المحكمة الجنائية الدولية المرفوعة في وجه عمر البشير حرية بالرثاء فهي تطال رئيس دولة يمارس وظائفه ولم يوقع على قانون المحكمة ولا تطال الرئيس الامريكي المسؤول عن ابادة مليون عراقي وتشريد اربعة ملايين وتدمير بلد مستقل لم يعلن الحرب على امريكا ولم يهاجم اراضيها ولم يدمر مصالحها ولا تطال المحكمة الدولية اسرائيل التي تحاصر اكثر من مليون فلسطيني في غزة وتهددهم بالمحرقة وتسلبهم ارضهم وتمنع عنهم الغذاء والدواء.. وثانياً لان المحكمة لم تستدعي الطرف الاخر في الحرب الاهلية في دارفور رغم ارتكابه مجازر موثقة ومعروفة وكأنها تقول ضمنا ان الطرف العربي جدير بالملاحقة بتهمة الابادة وغير العربي محمي من الملاحقة ويحق له الابادة. وثالثا لان المحكمة تسلب السودان حق مقاضاة ابنائه وفق شروطه وتنصب نفسها حكما بينهم وعليه تكون الطرف الوحيد المؤهل لادارة شؤونهم. ورابعا لانها تثير شهية المجموعات الراغبة في استدراج القضاء الدولي لمصلحتها في العالم العربي والاسلامي فاليوم في دارفور وغدا في مصر انتصارا للاقباط وبعد غد في سوريا انتصاراً للاكراد والذي يليه في شمال افريقيا انتصارا للامازيغ او في موريتانيا انتصارا للموريتانيين السود وبعد غد للتحكيم لصالح طرف ضد طرف اخر في الحرب الاهلية في الجزائر و في لبنان.. وخامسا لانها مرشحة لان تستخدم بطريقة وقائية حيثما يشتهي الغربيون وهم الطرف الاقوى في نظامها وادارتها.
 في دارفور تتحرك المحكمة الجنائية الدولية وكأنها ممثلة لقضاء عالمي مستقل في حين انها خاضعة لمجموعة من الدول تملك حق الفصل في عملها سواء في انتقاء من تريد تقديمه للمحاكمة وفي تحريك مجلس الامن الذي يغطي سلطتها ويغطي احكامها وهنا مفارقة مدهشة ذلك ان مجلس الامن الذي يفترض به ان يمثل كل دول العالم يغطي محكمة دولية وقعت على قوانينها وانتسبت اليها حوالي 80 دولة فقط أي اقل من نصف دول العالم المعروفة والممثلة في الامم المتحدة.والجانب الاخر من المفارقة ان المجلس يغطي احكام المحكمة حتى لو اتصلت بدولة ليست عضوا فيها اي انه يجعل من الامتناع عن الموافقة على قانون المحكمة وكأنه لم يكن ما يعني ان الدول التي رفضت المحكمة لم يحمها هذا الرفض من اجراءات التقاضي طالما ان مجلس الامن سيلزمها شاءت أم أبت بقرارات المحكمة.
من الواضح ان الولايات المتحدة الامريكية كانت تدرك هذه الحقيقة بعد انشاء المحكمة لذلك رفضت المحكمة ووقعت اتفاقيات خاصة مع أكثر من 80 دولة لتحمي مواطنيها من الملاحقة ولكن من غير الولايات المتحدة من دول العالم يمتلك مثل هذا النفوذ حتى يحمي مواطنيه من تعدي محكمة الجنايات الدولية عليهم؟ يبقى القول ان هذه المحكمة ستكون وهي اليوم سيفاً مسلطاً على الدول التي تضم أقليات أثنية داخل اراضيها ذلك ان هذه الاقليات ستستدرج الحكومة المركزية الى نزاع مسلح، وستدعي انها معرضة للإبادة الجماعية وستتحرك المحكمة الجنائية ضد الدولة المركزية المعنية لاخضاعها سلباً او ايجاباً.

في قضية دارفور بدا واضحا ان العدالة الدولية هي عدالة الاقوياء، وعدالة الغالبين تماما كما كان الحال سائدا في الفترة الكولونيالية مع فارق ان الاقوياء كانوا يحتلون اراضي الضعفاء مباشرةً واليوم يسيطرون عليهم ويتحكمون باحوالهم عن بعد.


  
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
أدوات المطامع الخليجية
توفيق الشرعبي
مقالات
استاذ/عباس الديلميإنه من حمى الفضيلة بالسلام
استاذ/عباس الديلمي
كاتب/خير الله خيراللههل بدأ في واشنطن عهد أوباما؟
كاتب/خير الله خيرالله
كلمة  26 سبتمبرلأجل اليمن
كلمة 26 سبتمبر
كاتب صحفي/عبدالله الصعفانيالموظف أبو وجهين
كاتب صحفي/عبدالله الصعفاني
مشاهدة المزيد