الإثنين 24-09-2018 02:26:59 ص : 14 - محرم - 1440 هـ
إدارة الأزمات
بقلم/ بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
نشر منذ: 10 سنوات و شهرين و 13 يوماً
الخميس 10 يوليو-تموز 2008 09:06 ص
الأزمة هي حدوث امر او شيء غير متوقع ومن الممكن ان يترتب عليه امر او شيء مكروه او غير مرغوب اي انها مفاجأة غير محبوبة والأزمات جمع ازمة وبما ان الانسان لا يعلم الغيب فانه لا يستطيع ان يتجنب المفاجأت غير المرغوبة..
صحيح ان بعض الناس قد يكون قادراً على التنبؤ ببعض مايمكن ان يحدث في المستقبل لكن تنبؤه هذا لايمكن ان يكون كامل الدقة، ولذلك فانه قد يفاجأ بحدوث شيء او امر لم يتوقعه بالكامل او لم يتوقع حجمه او لم يتوقع كل آثاره او لم يقدر على التعامل معه بالطريقة التي كان يتوقعها او يتمناها، لذلك فمن الطبيعي ان يفاجأ اي انسان بما قد يحدث له او لاسرته أو لاصدقائه او لوظيفته او لشركته او لوطنه من تغيرات لايحبذها، ان ذلك يعني ان كل الناس معرضون للازمات وبالتالي فان عليهم ان يتعلموا الطريقة المناسبة للتعامل معها.
بعض هذه الازمات حقيقية والبعض الآخر متوهم فالحياة مليئة بكلا النوعين فما من شخص الا وقد واجه في حياته ازمة او ازمات حقيقية او متوهمة، وكذلك فإنه يتوقع ان يواجه ذلك في المستقبل.. فعلى سبيل المثال ان كل من يقدم على الزواج فانه يتوقع ان ينجح زواجه ولكن قد لايحدث ذلك لبعض هؤلاء، وكذلك فان معظم من يتقدم ابناؤهم وبناتهم لامتحان الثانوية العامة يتوقعون ان ينجحوا لكن قد يفاجأ البعض برسوبهم، وما من تاجر الا يتوقع ان تربح صفقته لكنه قد يخسر في بعض الحالات قد يتوقع البعض ان يعين وزيراً في تعديل وزاري قادم لكنهم قد يفاجأون بعدم ورود اسمائهم فيه ويتوقع بعض المرشحين او الحزب ان ينجحوا في الانتخابات لكن بعضهم قد يفشل وهكذا، وقد يفاجأ الوطن بحدث جفاف او زلزال او ازمة اقتصادية اوسياسية .
وعلى الرغم من ذلك فان العديد من الناس والمنظمات والجهات والشركات يتجاهلون ذلك اما على اعتبار ان احتمال حدوثها بالنسبة لهم ضئيل او انهم لايقدرون على التنبؤ بذلك او انهم يعتقدون انهم غير قادرين على الاستعداد لها لارتفاع تكلفة ذلك او انهم لايحبون ان يفكروا بما يكرهونه، قد يكون هذا التفكير مقبولاً اذا صدر من بعض الافراد لكنه غير مقبول اذا صدر من قبل الجهات والشركات والحكومات، فنتائج بعضها عليها كارثة ومدمرة، ان ذلك يحتم عليها ضرورة ايجاد ادارة فعالة للازمات باي شكل من الأشكال فليس صحيحاً ان جميع الآثار المترتبة على اية أزمه غير مرغوبة او غير مستحبة او ضارة فقد يكون لبعضها العديد من الجوانب الايجابية، فالقول المشهور «رب ضارة نافعة» يعكس ذلك وبالتالي فان ادارة الازمات تمكن من التفرقة بين الأثرين هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فان ادارة الأزمات تمكن من التفرقة بين الازمات المتوهمة والأزمات الحقيقية، فما وقوع احزاب اللقاء المشتركة في وهم الأزمة التي يعتقدون ان اليمن فيها الا نتيجة افتقارها للقدرة على ادارة الأزمات، فعلى الرغم من عدم وجود اية مؤشرات على وجود ازمة كهذه فان خطابها ووسائل اعلامها قائم على توهم وجود ذلك فمن يعيش خارج اليمن ويداوم على متابعة ماتنشره وسائل اعلامها يتصور نتيجة لذلك ان الاوضاع في اليمن خطيرة جداً وبالتالي فانه يتخوف عليه او من زيارته لكنه يغير انطباعه هذا عند اول قدم يضعها على ارض اليمن.
ولذلك فإن ادارة الأزمات امر مهم سواء على مستوى المنظمات الكبيرة او على مستوى الدول، فقد اثبتت العديد من الدراسات والتجارب في العديد من الدول ان العائد من انشاء ادارة كهذه يفوق بكثير تكاليفها.. انها قد تمكن من تجنب بعض الأزمات قبل حدوثها اذا ماتم توقعها مسبقاً وتمت معالجة اسبابها الحقيقية بالفعالية المطلوبة، وكذلك فانها قد تمكن من تجنب جزء كبير من آثارها الضارة في حال وجود آليات مناسبة للتعامل معها وايضاً فانها قد تمكن من الاستفادة من الجوانب الايجابية التي قد توجد فيها.
ادارة الازمات هي عملية تهدف الى التنبؤ بها قبل حدوثها وبالتالي محاولة منعها من الحدوث وكذلك هي عمل الاحتياطات الممكنة للتقليل من آثارها الضارة في حال عدم التمكن من منعها، وايضاً هي السعي الى التعامل مع كل مكوناتها السلبية والايجابية، ان هذه العملية كأية عملية ادارية تتضمن ثلاث مراحل وهي التخطيط والسيطرة والتقييم.
تهدف عملية التخطيط الى جمع المعلومات حول الاسباب الحقيقية التي تقف وراءها فبدون تخطيط لايمكن الحديث عن اية ادارة فعاله لاية ازمة من الأزمات، وتكمن المشكلة في عدم القدرة على الحصول على الكم الكافي من المعلومات في تعرضها للتغير المستمر مع الزمن والفاعلين الحقيقيين المؤثرين فيها وينبع ذلك من حقيقة ان الاستخدام الفعلي لها يكون في المستقبل، هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فان عملية تحليل هذه المعلومات امر في غاية الصعوبة لنفس الاسباب، وعلى الرغم من ذلك فانه لابد من محاولة السعي للحصول على ماهو متوفر من المعلومات ولابد من الحرص على تحليلها بالقدر المستطاع.
تهدف عملية السيطرة الى تهيئة الوسائل المناسبة والفعالة التي يمكن للجهات المختصة الاختيار من بينها في حال تدخلها بهدف التأثير على سير الأحداث فلا قيمة لأي تخطيط اذا لم تكن هناك امكانية لتغير مسار الأحداث، وتكمن المشكلة في تهيئة واختيار الوسائل الفعالة بأنه لايمكن في بعض الحالات تجريبها مسبقاً لمعرفة مدى ملاءمتها وفعاليتها، فحتى تلك الوسائل التي تم تجريبها في الماضي لايمكن الجزم بنجاعتها في المستقبل لاختلاف الظروف في الحالتين، ومع ذلك فان البحث عن الوسائل امر مهم لان مالا يدرك كله لايترك جلّه.
ونظراً لصعوبة عمليتي التخطيط والسيطرة فان عملية التقييم تكتسب اهمية كبرى، ففي النجاح في عملية التقييم فان ذلك قد يعوض بعض النقص في عمليتي التخطيط والسيطرة انها قد تمكن من المقارنة بين مصادر المعلومات المتاحة لاختيار تلك المصادر الاكثر دقة وكذلك فانها قد تساعد القائمين على ادارة الازمات من اختيار طرق تحليل المعلومات الاكثر دقة.
وهكذا يتضح ان عمليات ادارة الأزمات تتميز عن العمليات الادارية الاخرى في انها تتعلق بالمستقبل بشكل كبير، وبالتالي فانها امر احتمالي سواء من حيث حدوثها او عدم حدوثها او من حيث توقيت حدوثها او من حيث حجم الآثار المترتبة على حدوثها او من حيث الظروف المرافقة لحدوثها.
ولذلك فانه لابد ان ينعكس ذلك على عمليات التخطيط والسيطرة والتقييم في ادارة الأزمات فلا بد من توفر عدد من الخصائص والميزات، فيمن يكلفون بالقيام بهذه العمليات، فأول هذه الخصائص والميزات هي القدرة على السيطرة على المشاعر وتجنب الغضب والانفعال والتسرع فقد يترتب على عدم تمتع هؤلاء بذلك، التسرع في الحكم والمبالغة في اختيار الوسائل المناسبة وسوء تقدير العواقب.. وثانيها الانفتاح على الآخرين فقد يترتب على غياب ذلك عدم الاستفادة من تجارب ومهارات ومواهب الآخرين.. فادارة الأزمات لابد ان تتم من خلال فريق وليس من خلال عدد محدود من الأفراد وفي حال عدم تحقق ذلك فقد تكون عملية التعامل مع الأزمات غير كفأة واكثر تكلفة او حتى مستحيلة.. وثالثها التمتع بالمقدرة العلمية الضرورية فاهمال ذلك قد يحد من قدرة المتعاملين مع الأزمات من الاستفادة من التقنيات المتاحة وعدم قدرتهم على التخاطب مع المتخصصين وكسب احترام العاملين معهم.
لقد أثر هذا التميز على تجارب الجهات والدول في تعاملها مع الأزمات فقد ركزت بعض التجارب على نوعية الازمات فأوكلت هذه المهمة الى عدد من الجهات بحسب تشابه الأزمات ولذلك فتتعدد الجهات تبعا لتصنيف الأزمات المتوقعة، وقد واجه هذا الاسلوب مشكلة عدم تشابه الأزمات بشكل كبير فكل ازمة لها خصوصيتها وبالتالي فان التعامل معها لابد وان يختلف تبعاً لذلك.
 وقد ركزت بعض التجارب على التعامل مع الآثار الطارئة للأزمات ولذلك فقد عمدت الى تجهيز ادارة الأزمات بالمعدات المخصصة للتعامل مع الآثار غير المتوقعة واسعة التأثير، فقد يكون هذا الأسلوب مناسباً لبعض الأزمات مثل الحريق والامراض الوبائية وغيرها لكن فمن الواضح انه قد لايناسب التعامل مع عدد كبير من الأزمات وخصوصاً تلك التي لاتحدث كثيراً والتي يتطلب التعامل معها طرقا خاصة.
اما الأسلوب الثالث للتعامل مع الأزمات هو الأسلوب الهيكلي ووفقا لذلك فانه يتم انشاء اقسام خاصة في كل جهة او شركة او مؤسسة، تتولى التعامل مع الأزمات التي ترتبط بمجال عمل هذه الجهات، ورغم وجهة هذا الأسلوب فان العديد من الأزمات قد لاتكون قريبة من عمل هذه الجهات اوقد يحدث تداخل بينها وبين جهات اخرى، مما سيؤدي الى ضعف المسؤولية وبالتالي الاهمال والتسيب.
اما الأسلوب الرابع فهو اقامة جهة واحدة او عدد قليل من الجهات تتولى التعامل مع عدد كبير من الأزمات بغض النظر عن نوعها.. لذلك فانه يتحتم على هذه الجهة او الجهات ان تتعامل مع الأزمات بطريقة ابداعية تناسب وظروف كل منها.. صحيح ان هذا الاسلوب ينسجم مع طبيعة الأزمات نفسها والمتمثل في عدم تطابقها وتنوعها، لكن الصحيح ايضاً ان الجهة الواحدة او عدد قليل من الجهات لا تستطيع التعامل مع عدد كبير من الأزمات في وقت واحد.
وهنا يمكن القول بأنه قد يكون من المناسب الجمع بين كل او بعض هذه الأساليب التي ثبت فعاليتها في العديد من الدول لكن ينبغي الانتباه انه لابد ان يترافق مع ذلك توصيف واضح لمسؤولية كل جهة بحيث لايؤدي تعدد الجهات والطرق الى تكرار المهام الواحدة في عدد من الجهات، فحدوث ذلك قد يؤدي الى زيادة التكلفة والى تواكل الجهات على بعضها البعض مما قد يؤدي الى التساهل وضعف الاداء.
فاذا كانت هذه الطرق والأساليب تناسب الجهات الكبيرة فان ذلك لايعني ان على من لايقدر على ادارة الأزمات بهذه الطريقة الاستسلام لها، فالأزمات لاتصيب الجهات الكبيرة فقط بل انها قد تصيب الجميع وكذلك فان هناك فوائد للجميع من ادارة الأزمات بالطريقة المناسبة، ولذلك فإن من المفيد ان يتعلم الجميع أسس التعامل مع الأزمات.
ولاشك ان أهم وأنجح وأسهل وأرخص وسيلة لمواجهة الأزمات بجميع انواعها هو الصبر، فالصبر يعني كبح جماح الغضب والتصرف وفقاً لما يقتضيه الموقف ويقدر عليه المتعرض للأزمة، إنه ضد الغضب والاستعجال لكنه ليس استسلاما للواقع، فعندما يفاجأ الصابر بأية أزمة فانه يبدأ أولاً بمقاومة مشاعره غير المنضبطة وبعد ذلك يبحث عن المعلومات التي تساعده على فهم ماحدث بقدر المستطاع، لاشك ان سلوكا كهذا سيمكنه من التخلص من تأثير الوهم ومن الدعاية والاشاعة، وبالتالي فانه سيكون قادراً على تحديد ماينبغي عليه عمله للتقليل من الآثار الضارة لهذه الأزمة وكذلك فانه في هذه الحالة سيتمكن من التعرف على أي جوانب ايجابية في ازمته هذه. 
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
حمير العزكي
غريفيتس و الحديدة
حمير العزكي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
أحمد الحسني
وحق لسلطنة عمان أيضاً
أحمد الحسني
مقالات
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةموقف غير مُبرَّر!!
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
استاذ/عباس الديلميالفضيلة.. قيمة بين رذيلتين
استاذ/عباس الديلمي
مشاهدة المزيد