السبت 22-09-2018 14:21:56 م : 12 - محرم - 1440 هـ
هموم اول القرن: حول الصحافة ... كمان وكمان
بقلم/ كاتب/نصر طه مصطفى
نشر منذ: 13 سنة و 3 أشهر و 12 يوماً
الخميس 09 يونيو-حزيران 2005 05:43 م
 يجدر بالمرء أحياناً ألا يتحدث بموضوعية وعقلانية في غمرة الفوران العاطفي تجاه قضية ما، لأنه يبدو وكأنه يحرق نفسه ... ولذا فالأجدر أن ينساق مع الموجة العاطفية الجامحة فيبدو بطلاً ألمعياً لا نظير له لأنه لن يجد من يفهمه بشكل صحيح !
لكن الحقيقة أن من يريد أن يصحح الخطأ يجب عليه أن يُسمع الناس صوت العقل في ذروة الطغيان العاطفي ، وهذا ما حاولت أن أفعله في مقالتي عن مجلس نقابة الصحفيين الأسبوع الماضي لا لشيء سوى الحرص على أن يتكلل عمل هذا المجلس بالنجاح الكامل باعتباره جاء نتيجة واحد من أرقى المؤتمرات النقابية ديمقراطية وشفافية ويجب أن يكون أداؤه – أي المجلس – متسقاً مع الأجواء التي ولد فيها ، وأن يكون صوت العقل في ذروة المواقف العاطفية التي تضج بها ساحتنا الصحفية .
والذين يتحدثون اليوم عن ضرورة وجود ميثاق شرف صحفي لضبط حالة الإنهيار الأخلاقي في صحافتنا أجدهم متفائلين لأن هذا الميثاق لن يساوي الحبر الذي سيكتب به عند أصحاب الضمائر الميتة ... وأما أصحاب الضمائر الحية فلا يحتاجون لمثل هذا الميثاق !
وفي محاولة لاستقراء صوت العقل والمنطق أضع هذه التساؤلات والملاحظات بين يدي زملائي وزميلاتي راجياً أن يتأملوا فيها بعيداً عن الحسابات السياسية والمكايدات الحزبية ...
* كيف قبل الفيشاني وهو الأستاذ الجامعي نشر مثل تلك المقالة الساقطة في صحيفته وماذا سيقول لطلبته وتلاميذه ؟ هل هذه هي الصحافة التي سيدرسهم كيف يمارسونها ؟
* هل سيتعلم الفيشاني وغير الفيشاني من هذا الدرس الصعب بعد أن تبرأ منه الجميع بما في ذلك من يمكن أن يكونوا قد شجعوه على نشر ذلك المقال التافه ؟!
* هل أدرك الفيشاني أنه بنشره لتلك المقالة كرد على انتقادات (رحمه) للرئيس أنه أساء للرئيس أضعافاً مضاعفة على تلك الانتقادات لانه بدا وكأن لا حجة ولا منطق لديه ؟!
* هل المطالبة بوقف صدور الصحيفة هو الموقف الصحيح أم أن الأصح هو المطالبة بتصحيح نهج الصحيفة ؟! وهل نسي المطالبون بوقفها أنهم بذلك إنما يفتحون الباب على مصراعيه أمام مثل هذه الإجراءات بينما أوجاعهم من إجراءات سابقة مماثلة لا تزال حية ؟! إن ما رفضناه بالأمس لا يصح أن نطالب به اليوم أو نقبل به ... هذا هو منطق العقل ... يجب أن نتذكر دوماً أن القانون هو مرجعنا وليس الأهواء أو الحسابات السياسية رغم استيائنا جميعاً مما نشر في تلك الصحيفة من قبح شديد ... وأتذكر أننا يوم اجتمعنا في النقابة أول مرة للتنديد بالصحيفة وما نشر فيها وكان بجواري الأستاذ عبدالباري طاهر الذي أبدى لي استياءه من مقترح إحراقها وقام وتحدث بحكمته المعهودة، أن من مصلحتنا جميعاً التمسك بالقانون واعتباره مرجعيتنا في موقف كهذا ... وهو بذلك يكرس بعد نظر محسوب له يفتقده الكثير من الشباب الذين لازالت عواطفهم تقودهم أكثر من عقولهم !
 أنا هنا لا أدافع عن (صحيفة) انتحرت من أول عدد وكفت المؤمنين شر القتال بنفسها لكني أذكّر بمبدأ أن الحل الصحيح هو تصحيح نهجها وليس دفنها !
* في الأسبوع الماضي عندما أمهل وكيل نيابة الصحافة الفيشاني أسبوعاً قامت الدنيا ولم تقعد وتحدث صحفيون كثر عن تدخل السلطة وضغوطها ...إلـخ... وفي هذا الأسبوع عندما أصدر نفس الوكيل أمراً بحبس الفيشاني أسبوعاً على ذمة التحقيق تحول وكيل النيابة إلى بطل بينما لم نعلم أين ذهبت ضغوط السلطة وتدخلاتها ... وغداً عندما يتخذ وكيل النيابة موقفاً لا يعجب البعض سيقولون عنه كل مسيء وهكذا لازالت أهواؤنا تحكمنا ولم نتعلم بعد كيف نحترم القضاء وأحكامه رغم النواقص الكثيرة والثغرات التي يعاني منها جهاز القضاء وفروعه والتي ندركها جميعاً ونفهمها إلا أن ذلك لا يعني أن نتعامل مع أحكامه بحسب أهوائنا السياسية ومواقفنا الحزبية !
* لفت نظري مطلب جارتي العزيزة الدكتورة رؤوفه حسن تطبيق حد القذف في ميدان عام على رئيس تحرير الصحيفة إياها ... وأضم صوتي لها ولكل المطالبين بذلك لأن الجريمة ثابتة في نظري ويجب أن يكون مقترفها عبرة لمن يعتبر ذلك أن أعراض الناس ليست مستباحة ... لكن ماذا لو تدخلت منظمات دولية وجهات خارجية تطالب بوقف تنفيذ الحد كما حصل في قضية شهيرة حدثت قبل أكثر من عشر سنوات واستمر الأخذ والرد فيها لعدة سنوات كما يعلم الجميع ووقف خلالها كل الزملاء مع زميليهما ضد تنفيذ الحكم ؟!
أما أنا فرأيي منذ الآن هو تنفيذ الحد إذا صدر به حكم قضائي – وهو ما نأمله – مهما كانت الضغوط ... لكن تساؤلي جاء من باب التذكير بأن معاييرنا لا تزال مهزوزة وغير بعيدة في أحيان كثيرة عن الأهواء والمكايدات !
 أعلم أن في ما سبق من حديثي ما سيتألم منه البعض وما سيتفهمه البعض الآخر لكني لا أحب المضي في قطار المزايدات ، لأنه لا أحد سيزايد على موقفي من قضية (رحمة وحافظ) وهما بالذات يعرفان مكانتهما الكبيرة في نفسي ... ولقد كان إلتفاف الأسرة الصحفية حولهما أروع ظاهرة منذ المؤتمر العام الثالث للنقابة وتبعث على الطمأنينة في نفوسنا جميعاً بإمكانية وقوف هذه الأسرة في صف كل من يتعرض لمظلمة سواء من أحد أعضائها أو من خارجها ...
  لقد أردت أن أنبه الجميع ونحن في ذروة انتصارنا (لرحمة وحافظ) ألا تغيب عنهم بعض الأمور الأساسية وألا يندفعوا في ظل سيطرة العواطف إلى المطالبة بأمور أو قبول أمور أخرى سيرفضونها غداً عندما تتصادم مع مصالح سياسية أو حزبية ... دعونا نقف مع القانون ودعونا نقف مع القضاء بلا أهواء ولن نخسر شيئاً بإذن اللـه !
nasrt@hotmail.com