الإثنين 24-09-2018 10:42:47 ص : 14 - محرم - 1440 هـ
الهوية الوطنية والهويات الأخرى:
بقلم/ بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
نشر منذ: 10 سنوات و شهرين و 19 يوماً
الجمعة 04 يوليو-تموز 2008 09:46 ص

 
الهوية الوطنية تشجع على الحوار لحل الخلافات وتقديم التنازلات المتبادلة بهدف تحقيق العيش ا لمشترك
الهويات غير الوطنية تنطلق من معايير متطرفة تسعى للسيطرة والهيمنة على الآخرين
اليمن الذي يرعى الجميع خير من يمن يتعصب لمذهب أو فكر أو جماعة


أ.د. سيف العسلي
> الهوية الوطنية هي الهوية التي تستوعب الجميع. اما الهويات الاخرى فانها لا تستطيع ان تستوعب حتى نفسها ، والهوية الوطنية هي حصن الوطن المنيع، اما الهويات الأخرى، فانها مصدر القضاء عليه.. ولذلك فان وجود هوية وطنية سيعمل على تجفيف كل الهويات الأخرى غير الوطنية، تعني تطوير وحماية المشترك الجمعي الضروري للتعايش بين المواطنين مع السماح بظهور المختلف المفيد لديهم، كما ان الهوية الوطنية تنشأ من خلال الاتفاق الطوعي لأنها تهدف الى مصالح الجميع.
أما الهويات غير الوطنية فهي التي تبالغ في فرض خصوصيات على الاخرين وذلك ضد المشترك الجمعي وضد المختلف المفيد، فعلى الآخرين التخلي عن رؤاهم لصالح رؤاها، وتصوراتهم لصالح تصوراتها، إذ انها تحتكر حق التميز لنفسها وتنكره على الآخرين الذين عليهم فقط قبول ما يملى عليهم سواء، اقتنعوا به أم لم يقتنعوا به، وسواء كان لهم مصلحة في ذلك أم لم يكن لهم مصلحة به، ولذلك نرى أن أصحاب هذه الهويات لا يرون إلا أنفسهم، ولا يسعون الا لتحقيق مصالحهم ويتجاهلون الآخرين ومصالحهم ، وهذا النوع لايمكن ان يكون هوية وطنية لانه يعمل على فرض هويات فئوية أو مذهبية أو سلالية أو مناطقية أو شخصية ، ولا يمكن أن يقبل بقية المواطنين بذلك طوعاً، كما ان الهويات غير الوطنية تفرض بالقوة ، ولا تقبل بالديمقراطية ، ولذلك فانها لا تقبل المساواة وهي تدعي العنصرية هاماً على اساس سلالي او ديني او مذهبي او فكري او غير ذلك من المبررات، ولذلك فانها تعطي لهؤلاء حقوقاً تفوق حقوق المواطنين الآخرين. أما الهوية الوطنية فهي تعمل على حماية المشترك للجميع، أي انها تعبر عن مصالح المجموع وعن حقوق المجموع، فالمشترك الجمعي هو كذلك لانه يعبر عن توافق الجميع عليه، وعن استفادة الجميع منه، وهو ما لا يتعارض مع السماح بوجود خصوصيات يعترف بها الجميع، وتقوم على معايير طبيعية و موضوعية وملموسة ولا تفرض من قبل أصحابها، ولذلك فان السماح بوجودها لا يتعارض مع الحقوق الأساسية المكفولة للجميع، كونها تمثل المختلف المفيد والمشروع لانه يتعلق بالمصالح الخاصة التي لا تتعارض مع المصلحة العامة، ولا تكون على حساب مصالح الآخرين ، بل متاحة للجميع الذين تنطبق عليهم المعايير الموضوعية. هويات متطرفة والهويات غير الوطنية تنشأ عن الأفكار المتطرفة، وتعمل على تبرير الهويات غير الوطنية، غير المقبولة لذاتها لأنها تحتقر جزءاً من المجتمع ، ولذلك فانها هويات متطرفة لأنها تنطلق من معايير متطرفة تسعى للسيطرة والهيمنة على الآخرين بمن فيهم اصحاب الهويات الأخرى..فالأفكار المتطرفة التي تبرر السلالية والعنصرية والمناطقية والمذهبية تعمل على خلق هويات متطرفة لأنها تعمل على تغلب مصالح فئات معينة على حساب مصالح الفئات الاخرى، انها تمنح المنتمين لهذه الفئات حقوقاً تفوق حقوق الآخرين، ولذلك فهي ظالمة لأنها تُعطي من لا يستحق ما لا يستحق وتحرم من يستحق ما يستحق. والهوية الوطنية تنشأ عادة عن الافكار الوطنية، إنها وطنية لأنها تشمل جميع المواطنين ، ومعتدلة لانها تسعى لحماية حقوق الجميع، ولا تفرق بين انسان وانسان في الحقوق المشتركة، ولا تحابي مواطناً على حساب مواطن آخر .. فما يتميز به بعض المواطنين عن بعضهم البعض لا ينبع من حرمان الآخرين وانما ينبع مما يتمتع به المتميزون من مواهب خاصة، لا توجد عند غير المميز، ومن سلوك خاص لايصدر عن الآخرين ، ان هذا التميز لا يكون على حساب الآخرين. وتعمل الهوية الوطنية على تشجيع المواطنين على مساعدة بعضهم بعضاً عن طريق حثهم على التعاون فيما بينهم، وتقديم يد العون لبعضهم البعض عن رضا وتسليم، ولتحقيق ذلك فانها تسعى الى تطوير قواعد للتعامل عادلة ومنصفة وتحظى بقبولهم جميعاً، إنها تشجعهم على الحوار لحل اي اختلاف قد ينشأ بين بعضهم وتعمل على تقديم التنازلات المتبادلة بهدف تحقيق العيش المشترك. وتستند الهوية الوطنية على ثلاثة أسس هي:التاريخ المشترك والحاضر المشترك والمصير المشترك، فالتاريخ المشترك يعطي الهوية الوطنية دليلاً على فوائدها وعلى مضار سيطرة هويات أخرى ،ويمثل تلاحم الأمة في حال العسر واليسر وهو ليس فقط التفاخر على الآخرين والتغني بالماضي،ولكنه ايضاً الوسائل التي تم فيها المحافظة على القواسم المشتركة، ولذلك فعند الاختلاف في أمر ما فيما اذا كان من المشترك الضروري او المختلف المفيد فانه يمكن الرجوع الى التاريخ للاستفادة منه. التخلص من اخطاء الماضي ويعتبر الحاضر المشترك هو نقطة الفعل المحدث للتحول، فالفعل هنا وان كان يبدأ في الحاضر فان مقدماته قد تبدأ في الماضي، وقد يمتد أثره الى المستقبل، فالفعل قبل ان يكون كذلك فانه لابد ان يقيم بحسب خبرات الماضي واهداف المستقبل. ولذلك فانه لا بد ان يكون متفقاً مع المشترك الجمعي الضروري للتعايش ومع قواعد المختلف المفيد المسموح به ،ومع ذلك فانه ليس استمراراً للماضي بحذافيره، لانه لابد من التخلص من اخطاء الماضي ،وكذلك فانه لا بد من الأخذ بعين الاعتبار الظروف المستجدة في الحاضر ومتطلبات الأهداف المستقبلية ومن هنا فهو ليس فعلاً عشوائياً. ولايمكن ان تتحقق الهوية الوطنية إلاَّ اذا تضمنت التزاماً قوياً للموازنة بين المشترك الجمعي الضروري والمختلف المفيد المسموح به، فالدول التي يغيب عنها المشترك الجمعي الضروري تتعرض للتفكك، وما العراق والصومال الا امثلة حية على ذلك، وكذلك فإن الدول التي تلغي المختلف المفيد تتعرض للجمود وبالتالي التشظي ، وما كوريا الشمالية وكوبا الا امثلة حية لذلك، فاستقرار الحاضر يتطلب توازناً دقيقاً بين المشترك الضروري والمختلف المفيد. ونظراً لأن الهوية الوطنية فعلاً، فانه لا بد ان يكون لها اثار حاضرة ومستقبلية، ولذلك فانها تعني سعي الجميع للتقليل من الآثار السلبية إلى اقل قدر، وتعظيم الآثار الايجابية الى اكبر قدر، ان ذلك هو الذي يميز الأوطان عن بعضها البعض، وبالتالي فانها هي التي تميز الهويات الوطنية عن بعضها البعض، فعند الحديث عن الهوية الوطنية فانه لابد من الحديث على الأثرين معاً، فمن الظلم للوطن جحود ما يقدمه من مزايا للمواطنين والتركيز فقط على ما ينسب إليه من آثار سلبية قد لاتكون مقصودة. المصير المشترك ويمثل المصير المشترك، أي المستقبل المشترك جزءاً مهما من أية هوية وطنية ، وذلك أنه امتداد طبيعي للحاضر، ومع ذلك فانه ليس مطابقاً له نظراً لما قد يطرأ عليه من تعديل وتبديل نتيجة للخبرات المستجدة لذلك فانه حاصل جمع ما سيتم انجازه من المشترك الجمعي الضروري ومن المختلف المفيد المسموح به، وما يميزه عن الحاضر هو أنه يمكن التأثير بشكل أكبر من التأثير على الحاضر. إنه ما يمكن تحسينه من الحاضر، ومحاولة لتقليل الآثار السلبية وتعظيم للآثار الايجابية، فهو يمثل الآمال المشتركة لكل المواطنين ، ولذلك فانه ينبغي ان يكون ملحمة وطنية تتضافر فيها جهود الجميع لتحقيق احلام الجميع، ومن ثم فانه لا بد ان يسمح لكل من لديه حلم أن يسعى إلى تحقيقه في اطار الحلم العام، وهو ما يتطلب وجود حلم مشترك واحلام خاصة، الامر الذي يتطلب ضرورة صهر هذه الأحلام في بوتقة تعمل على التنسيق فيما بينها بهدف تحقيقها كلها أو الجزء الاكبر منها. والهوية الوطنية هي البوتقة التي تنسق بين احلام المواطنين بما لا يتعارض مع الحلم المشترك والاحلام الخاصة، أما الهويات الاخرى غير الوطنية لا تستطيع عمل ذلك كونها لا تسمح بالظهور الا لحلمها هي وحدها، والذي يعبر عن حلم فئة على حساب حلم الفئات الأخرى. فالهوية الوطنية اليمنية المستوحاة من التاريخ المشترك والحاضر والمصير المشترك هي الوحدة والديمقراطية والتنمية الاقتصادية ،فالتاريخ اليمني يشير بوضوح بأن تجزئة اليمن قد تسببت في فقره وتخلفه، ويشير ايضاً الى ان تجزئة اليمن كان نتيجة للتسلط والمركزية الشديدة، وأن هذا التسلط كان نتيجة السلالية والمذهبية. فعندما كان اليمن موحداً ومتنوعاً كان عظيماً ومتقدماً،وعندما تجزأ كان ضعيفاً ومتخلفاً، لقد توحد اليمن عندما نجح اليمنيون في ايجاد توازن بين المشترك الضروري والمختلف المفيد، ولذلك فقد تمكن اليمنيون عندئذ من بناء حضارة كبيرة لازالت آثارها شاهدة على عظمتها الى اليوم، وعندما تغلبت الهويات غير الوحدوية نشأت الصراعات والحروب التي أدت الى اضعاف اليمن، وبالتالي سهلت وقوعه تحت السيطرة الاجنبية. مساوئ احتكار السلطة فما حدث لليمن خلال حكم الأئمة خير شاهد على ذلك، لقد ترتب على احتكار أسرة واحدة السلطة أن ضعفت الهوية الوطنية اليمنية، وظل اليمن يعاني من التجزئة والصراعات والتخلف لمدة زادت على الف عام وعانت اليمن خلال هذه الفترة من الصراعات السياسية بين الاسرة الحاكمة وبقية، وعانت الشعب ، بل ان الصراع هذه الفترة امتد ليشمل الصراع بين افراد الأسرة الواحدة ، وفي حالات عديدة كان الصراع يقوم بين الابن وابيه والاخ وأخيه. ولقد ترتب على ذلك تجزئة اليمن وخضوع بعض اجزائه للاستعمار ولم يتم التخلص من حكم الفرد ومن حكم الاستعمار الا عندما توحد الشعور الوطني لدى اليمنيين. ومن حسن حظ اليمن أن قيادته السياسية قد نجحت في التعرف على أهم ملامح الهوية الوطنية اليمنية، ومكنها ذلك من اعادة توحيد اليمن ووضعه على الطريق الصحيح ، فلم يتم توحيد اليمن تحت مبررات حكم الأسرة ولا حكم الحزب وانما وحد في ظل الديمقراطية والتعددية، ولذلك فقد تم انجاز الجزء الأكبر من المشترك الجمعي الضروري، وتم السماح بظهور المختلف المفيد ، ونتيجة لذلك فشلت محاولات بعض شركاء الوحدة في اعادة فرض التجزئة والشمولية. ونتيجة لذلك ايضاً فإن حاضر اليمن اليوم افضل مما كان عليه ماضيه، بل انه يمكن القول بان حاضر اليمن اليوم افضل من حاضر العديد من دول المنطقة، ان ذلك نتيجة لنجاح القيادة السياسية في ابراز الهوية الوطنية اليمنية. فبفضل هذه الهوية فان وحدة اليمن قوية لا لانها تستند الى أية قوة عسكرية وانما لأنها تستند على هوية وطنية تسعى الى تحقيق مصالح مشتركة لجميع اليمنيين، إن هذه الهوية الوطنية لا تسمح لاية محاولة لاعادة تجزئته مرة ثانية، فلن يسمح اليمنيون المتسلحون بهذه الهوية الوطنية لاي عابث أو مستهتر أن يمس وحدتهم لأن ذلك سيعني اقلاق سكينتهم واضراراً بمصالحهم العامة والخاصة. مستقبل زاهر ونتيجة لهذه الهوية الوطنية فان مستقبلاً زاهراً ينتظر اليمن،فالقيادة السياسية و معها الشعب اليمني يعملان بجد على انجاح الحكم المحلي وعلى تحقيق التنمية الاقتصادية، فالحكم المحلي سيعمل على تشجيع المختلف المفيد مع الحفاظ على المشترك الضروري ،فكل محافظة من محافظات اليمن ستعطى كامل الصلاحيات لادارة شئونها الخاصة، في ظل الاتفاق على القواسم المشتركة والتي ستمنع المناطقية والتعصب والشللية.. وعندها سيختفي الترهل في ظل الحكم المحلي واسع الصلاحيات، فالمحافظات التي ستسعى لتنمية نفسها سيتحسن وضعها، وتلك التي لا تسعى الى تحقيق ذلك، وستستمر في بيع الأوهام والقاء اللوم على الآخرين ستكشف اخطاؤها ، وبالتالي فانه لن يكون امامها اي خيار سوى ان تحذو حذو المحافظات الناجحة. وسيسجل التاريخ بأحرف من نور الدورالكبير الذي لعبه فخامة الرئيس في صنع حاضر اليمن ووضع الأسس السليمة لمستقبله المشرق،لقد تحمل في سبيل ذلك العديد من المعاناة. لكن لسوء حظ اليمن ان هناك من انصار بعض الهويات غير الوطنية من يحاول اضعاف الهوية الوطنية كي تتاح الفرصة لهوياتهم هذه،فما محاولة سعي البعض لاعادة التجزئة الاَّ محاولة لاضعاف الهوية الوطنية اليمنية، وكذلك فما محاولة البعض اعادة حكم الفرد من خلال السعي لاشعال الحروب الا محاولة لاضعاف الهوية الوطنية. فإلى جانب الآثار الضارة لهذه المحاولات على حاضر ومستقبل اليمن فانها لاشك تعمل على تهيئة الظروف المناسبة لوضع اليمن تحت الاحتلال الاجنبي. ذلك أن بعض القوى الكبرى قد تسعى الى ذلك بحجة ان اليمن يشرف على مضايق بحرية مهمة وأنه قريب من منابع النفط الضرورية للاقتصاد العالمي. ولذلك فان على انصار الفكر الوطني مساعدة القيادة السياسية على تثبيت الهوية الوطنية اليمنية،التي تقوم على المساواة بين جميع المواطنين اليمنيين في الحقوق السياسية، والتي تعني ترسيخ الثوابت الوطنية مع السماح بالخصوصيات المشروعة وذلك كفيل ليفضح اصحاب الهويات غير الوطنية وبالتالي افشالها. وما من شك بأن هوية كهذه ستنتصر على أية هويات سلالية او مذهبية او مناطقية لأن هذه الهوية مفيدة للجميع ، أما الهويات الاخرى فانها تضر بالجميع. فاليمن المشترك أقوى من اللقاء المشترك ، واليمن المتسامح مع الجميع افضل من التعصب السلالي، واليمن الذي يرعى الجميع خير من يمن يتعصب لمذهب او فكر او جماعة.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
حمير العزكي
غريفيتس و الحديدة
حمير العزكي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
أحمد الحسني
وحق لسلطنة عمان أيضاً
أحمد الحسني
مقالات
بروفيسور/سيف مهيوب العسليآلا في الفتنة سقطوا!
بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةالحوار.. والبناء الديمقراطي
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
كاتب صحفي/امين الوائليميراث القبيلة نقطة على السطر
كاتب صحفي/امين الوائلي
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةيغالطون أنفسهم ليس إلاّ!!
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
استاذ/عباس الديلميالمحبة والتسامح في اليمن
استاذ/عباس الديلمي
مشاهدة المزيد