السبت 15-12-2018 09:39:08 ص : 7 - ربيع الثاني - 1440 هـ
رؤية للتأمل:.. صرت أحلى ألف مرة
بقلم/ دكتورة/رؤوفة حسن
نشر منذ: 13 سنة و 6 أشهر و 18 يوماً
الخميس 26 مايو 2005 07:08 م
يتردد في ذهني صوت الشاعر الكبير المرحوم نزار قباني هذه الأيام على نحو لم أعد أملك معه الا ان أخرج هذا الصوت من رأسي وأصبه على الورق. فكلما أشار أحدهم الى بلوغ الوحدة اليمنية خمسة عشرة عاماً كلما عادت قصيدة نزار تغرد دون توقف. إنها تلك القصيدة التي يقول مطلعها صار عمري خمسة عشرعاماً، صرت أحلى ألف مرة.
والصبية التي استدارت وزاد جمالها ببلوغ هذا العمرهي تلك التي تتجلى لي عن اليمن الموحدة اليوم. فهي حسناء يانعة، لا تبالي أن تصرع عينيها الفاتنتين كل عشاقها من صبيان الحارة وعجائزها. وهي تمعن في تدللها بانانية لن يخففها سوى الزمان وانتظار وصولها سن الرشد.
صارت اليمن اليوم بنت خمس عشرة، تمزق الغيرة قلوب بعض عشاقها، وتنتشى في أوصال بعضهم الآخر فرحة طاغية لبسمتها الغامضة التي رمتها على أرواحهم غير قاصدة بينما كانت تحدق في السحب المتسارعة نحو حجب الشمس عن جبهتها الملتهبة.
في عيد ميلادها الخامس عشر اشتري عقدا من الفل وأنثره في طريقها، وأضع في زاوية غرفتي حزمة الكاذي لأحتفل مع حديقة السبعين في صنعاء بأول لقاء يحضره جمع غفير يناقش للمرة الأولى منذ زمن طويل كيف يمكن إقامة مهرجان للحدائق والبستنة والزهور.
ولأنه عيد الوحدة اليانعة المراهقة فسوف أحتفل واتناسى الاّ ماء يكفي لمهرجانات الزهور لأن الوحدة الحسناء منذ ولادتها لم يكن لها أن تهتم أو ترى الذين كانوا يسفكون المياه بئراً بعد أخرى كي يزرعوا القات ويغسلوه، ويشربوا في مجالسه انخاب عينيها، حتى لم تعد في الأرض سوى قطرات قليلة متبقية، تستقي منه وتغتسل في عيدها الخامس عشر.
- عودة العطر الى المدينة:
دعاني الأستاذ عبد الله سنبل للمشاركة في اللقاء التشاوري الأول الذي يقيمه برنامج تنمية وحماية البيئة في حديقة السبعين لإحياء التفكير حول إعادة ثقافة الزهورالى سلوكيات سكان العاصمة صنعاء وربما فيما بعد الى سكان كل البلاد. وكان اللقاء في المسرح المفتوح بحديقة السبعين. وقد تحول اللقاء الى مهرجان خطابي تحدث فيه كل من لا يخشى الحديث في الميكرفون.
وبالطبع لم اتمكن من مقاومة دعوتهم لي للحديث. فقد مضى زمن طويل على اليوم الذي كانت فيه ذاكرة طفولتي مشبعة بروائح الورد البلدي الذي كانت تزدان به البيوت الكبيرة في صنعاء القديمة وفي ما يعرف اليوم بالتحرير وحتى القاع.
وكانت أغلب المزارع في باب شعوب تمتد حتى الروضة والملكة وكل المنطقة المحيطة اليوم بالمدينة الرياضية، عبارة عن بساتين تملكها عائلات بها الرياحين والزهور المختلفة ومنها الورد البلدي شديد العطرية الذي يغمر بأريجه المكان وما حوله.
عاد كل ذلك الى ذاكرتي بمجرد ما بدأت مخاطبة الجمهور المهتم بالتشجير وتطوير مناطق الخضرة والجمال في اليمن. وقلت لهم أخيرا في عيد الوحدة الخامس عشر بعد ان اكتمل توحيد كل المشاكل ها نحن قد بدأنا في التفكير في الحلول.
- صنعاء تنعم بعيد هادئ
لطيف كل هذا الاستثمار الذي ينصب على حضرموت. وكل هذا الزخرف الذي ينبعث من مهرجان الاحتفال بالعيد الخامس عشر لوحدتنا الحسناء في مدينة المكلا. لكن الأجمل في رأينا -نحن سكان العاصمة صنعاء- هو نعيم الهدوء الذي سنستمتع به خلال فترة غياب كل المسؤولين عن البلاد واستغراقهم في صنع الضجيج داخل المكلا.
صارت الشوارع في صنعاء أشبه بعيد الأضحى الكبير، حيث يتجه كثير من المتواجدين في المدينة الى قراهم. هذه المرة عدد كبير من رجال هذه الدولة، وعدد قليل جدا من نسائها تجمعوا كلهم في المكلا، وبقينا نحن الأغلبية التي لا تسير سياراتنا بسرعة خارقة فوق رؤوس السيارات الأخرى ولا تمرق بجوارنا سيارات مرافقين واتباعهم يخسفون الارض بمن حولهم على اليسار وعلى اليمين.
بقي في المدينة هؤلاء مثلي الذين يحبون السير مشياً على الاقدام، ويمكن لهم ان يتذكروا، عطرا قديما غافيا باب حديقة، أو شجرة عطرية تضمخ حولها الناس بنسمة مودة، وتقول لهم كل عيد وحدة وانتم بخير، وفي المرة القادمة حاولوا أن تكون احتفالاتكم الكبرى في مدينة أخرى.
طبعاً ستحلم كثيراً مدينة الحديدة بأن يكون العيد فيها، فتعود اليها الاستثمارات ويتركز حولها الاهتمام، وستحلم مدينة إب أن يأخذها الناس بجدية فيختاروها للعيد القادم ويعملوا كي تصبح فعلا عاصمة للسياحة. وستحلم تعز قبل أن ينتهي بها المطاف الى قرية كبيرة. وسيراود الحلم المستعصي، مدن كمارب، والحزم في الجوف، والجبين في ريمة، لكن الحلم لهذه المدن سيظل أضغاثاً حتى عقود من الزمان قد تأتي، كما صادف السعد المكلا بعد شقاء طويل. نحن في صنعاء نكتفي أن تتحقق أحلام كل المدن كي ننعم في الاعياد ببعض الهدوء.
.raufah@hotmail.com