السبت 17-11-2018 15:48:47 م : 9 - ربيع الأول - 1440 هـ
قضية الصراري وحلفاء الغفلة 3
بقلم/ كاتب/أحمد الحبيشي
نشر منذ: 10 سنوات و 6 أشهر و 30 يوماً
الخميس 17 إبريل-نيسان 2008 12:23 م
في ردِّنا الأول على القيادي الاشتراكي علي محمد ((الصراري))، أوضحنا مدى تهافته على حلفائه الجدد في حزب ((الإصلاح)) الذي يتبنى خطاباً سياسياً ملتبساً وغامضاً إزاء القضايا المصيرية التي تتعلق بشكل نظام الحكم وطريقة حياة المجتمع، ومصدر السلطة وآليات تداولها، والموقف من المرأة والغناء والموسيقى والفنون انطلاقاً من المنظور الفكري لتنظيم الإخوان المسلمين،
من نافل القول: إنّ ( الصراري ) حاول تسطيح مضمون وأبعاد الصراع الذي دار حول مهرجان عدن الفني الأول، من خلال زعمه بأنّ ذلك الصراع لم يكن سوى ((لغط)) نتج عن تحريف متعمد لكلام فؤاد دحابة الخطيب والنائب عن حزب ((الإصلاح)) حول ذلك المهرجان، وتحويله إلى معنى للتكفير والتهديد بالقتل، على نحو ما جاء في مقال للقيادي الاشتراكي علي محمد عبده ((الصراري)) أوضحنا في ردنا عليه طبيعة النفيرالمسعور الذي شارك فيه نواب حزب ((الإصلاح)) في البرلمان وخطباؤه في المساجد وفقهاؤهه الذين ينخرطون في عضوية هيئاته الحزبية القيادية العليا، بالتكامل مع النفير المعادي لمهرجان عدن الفني الأول الذي أصدره تنظيم ((القاعدة)) عندما هدد الفنانة ((أصالة)) بالقتل، وهدد الجمهور بمصير مشابه لمصير ضحايا التفجير الإرهابي الذي راحت ضحيته الشهيدة بنازير بوتو.
يقيناً أنّ خطباء وفقهاء ونواب حزب ((الإصلاح)) خاضوا إلى جانب إرهابيي تنظيم ((القاعدة)) معركة منسقة ضد الغناء والموسيقى على خلفية موقفهم الرافض لمهرجان عدن الفني الأول، حيث أشهر جميعهم إلى جانب التهديد بالقتل وإراقة الدماء  كل ما تحتويه كتب التراث الفقهي القديمة من آراء ووجهات نظر قابلة للخلاف والنقاش والنقد حول مسألة تحريم الغناء والموسيقى.
وبعد أن حسم الجمهور تلك المعركة بالانتصار على دعاة التحريم، ظهر (المعتدلون الوسطيون) في حزب الإصلاح، وأمطرونا بنقدهم الخائب لسلوك دعاة التحريم بسبب ما أسماه هؤلاء ((تسرع واستعجال بعض الإخوة، وعدم التزامهم بفقه الأولويات)) الذي لا يجيز التسرع والاستعجال بإظهار مثل هذا السلوك المعادي للفن والغناء والموسيقى في هذا التوقيت غير المناسب للمعتدلين الليبراليين في حزب ( الاصلاح ) ، الأمر الذي يستوجب تأجيله حتى يصبح الوقت مناسباً !!
وقد أدهشني كثيراً موقف ((محمد قحطان)) الذي درج على تقديم نفسه للسفارات والمراسلين الأجانب كأحد رموز الليبرالية والاعتدال في حزب ((الإصلاح))،عندما حاول الهروب إلى الخلف وليس إلى الأمام ، رافضاً إعلان موقف صريح وواضح من الغناء والموسيقى في حوار أجرته معه صحيفة ( المصدر) بذريعة أنه ليس من واجب الأحزاب السياسية تحديد موقف من تحريم أو إباحة الغناء والموسيقى ، في إشارة إلى أنّ حزب ((الإصلاح)) لن يسمح في حال وصوله السلطة لأي حزبٍ سياسي بتضمين برنامجه مهمات تتعلق برعاية الفنون وتطوير التراث الغنائي والموسيقى اليمني، لأنّ الحزب السياسي الذي يفعل ذلك سينطلق بالضرورة من موقف يعتبر الغناء والموسيقى عملاً حلالاً وليس محرماً، وسيخالف تبعاً لذلك آراء ووجهات نظر شيوخ وملالي حزب ((الإصلاح)) ، الذين أشهروا سلاح التحريم ضد الغناء والموسيقى و مهرجان عدن الفني الأول ، ثم دعوا بل ووجهوا الأوامر القاطعة المانعة بعدم تنظيم ذلك المهرجان إن سلماً أو حرباً !!
صحيح أنّ شيوخ وملالي حزب ((الإصلاح)) الذين يمارسون في حياته الداخلية وحياة المجتمع  بشكل عام  دور رجال الأكليروس المسيحي في محاكم التفتيش، ينطلقون في مواقفهم المناهضة للغناء والموسيقى من آراء تندرج ضمن أسوأ ما ورثناه في كتب التراث الفقهي القديمة ، وهي عبارة عن وجهات نظر لا يجوز التعامل معها كمطلقات وأحكام لا تقبل النقاش والنقد.. لكنه من الصحيح أيضاً أنّ أبرز ما يميِّز المنظور الأيديولوجي لتنظيم ((الإخوان المسلمين)) الذي يختبئ خلف واجهة حزب ((الإصلاح))، هو إضفاء القداسة الدينية على آراء ووجهات نظر بعض الفقهاء الأسلاف ، والسعي لتحويل آرائهم ووجهات نظرهم إلى مذهب رسمي للدولة والمجتمع من خلال آليات سياسية استبدادية وإقصائية تستهدف في نهاية المطاف فرض الوصاية على العقل، ومصادرة الحرية، والادعاء بامتلاك واحتكار الحقيقة ، وتكريس الإقامة الدائمة في أنفاق الماضي .
وقد أوضحنا في مقال سابق- نشرناه في هذه الصحيفة- جانباً من الأسباب التي تقف خلف كراهية ((الإخوان المسلمين)) للزعيم القومي الراحل جمال عبدالناصر، بعد أن فشلوا في محاولة خطف ثورة 23 يوليو وتوجيهها وممارسة الوصاية عليها من خلف الستار. حيث سعى الإخوان المسلمون إلى فرض منظورهم الأيديولوجي على قادة وأجندة ثورة 23 يوليو عبر المطالبة بعرض السياسات والقوانين والقرارات التي سيصدرها مجلس قيادة الثورة على قيادة تنظيم ((الإخوان المسلمين)) للحصول على المصادقة قبل إصدارها.
مما له دلالة عميقة أنّ الشيخ حسن الهضيبي المرشد العام ((للإخوان المسلمين)) أصر على مطالبة جمال عبدالناصر أثناء لقائه به عام 1953م، بإصدار مراسيم تقضي بفرض الحجاب وإقفال دور السينما والمسارح وتحريم الأغاني والموسيقى وتعميم الأناشيد السياسية والدينية بدلاً عنها، بما في ذلك إصدار مرسوم يلزم القائمين على حفلات وقاعات الأفراح باستخدام أناشيد مصحوبة بإيقاع الصاجات ((الدفوف)) فقط ، ومنع النساء من العمل، وإزالة كافة التماثيل القديمة والحديثة من القاهرة وسائر مدن وقرى مصر، وهو ما رفضه جمال عبدالناصر جملةً وتفصيلاً.
وبعد فشل ((الإخوان المسلمين)) في خطف ثورة 23 يوليو، وفرض وصاية منظورهم الأيديولوجي على قادة الثورة، اتجهوا نحو المجابهة، وحاولوا اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر أثناء إلقائه خطاباً في ميدان ((المنشية)) بالإسكندرية عام 1954م.. وفي مرحلة لاحقة حاولوا   حسب اعترافات المتورطين بمؤامرة 1965م أمام القضاء المصري  استغلال طاقات الشباب لصنع المتفجرات، وإعداد خطط الاغتيالات لعددٍ كبيرٍ من رموز الغناء والموسيقى والفنون في مصرَ . وقد أوضحت القيادية الإخوانية ((زينب الغزالي))، في كتابها ((أيام من حياتي)) أنّ عملية إعادة بناء تنظيم ((الإخوان المسلمين)) بدأت في عام 1957م بصورة سرية، على إثر فشل محاولة اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر، مشيرة الى أنّ إحدى الخلايا السرية اهتدت  بعد أن بدأ التنظيم يستعيد توازنه  بالمنهاج الدعوي ((للإخوان المسلمين))، الذي يعتبر الراديو والتلفزيون والسينما والفنون والموسيقى والنحت والتصوير أعمالاً محرمة في الإسلام، ومنافية للأخلاق، حيث تمّ وضع خطط لنسف وتدمير هذه المرافق والمؤسسات الإعلامية والثقافية، إلى جانب اغتيال نجوم الفن والغناء والموسيقى وفي مقدمتهم أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ ونجاة الصغيرة وشادية وغيرهم من مشاهير الفنانين والفنانات ، كما وضعت الخطط اغتيال عدد من مذيعات التلفزيون ومن بينهم ليلى رستم وأماني راشد !!
وبوسع كل من يُعيد قراءة التصريحات والمقالات والصراخ الذي أطلقه فقهاء حزب ونواب حزب ((الإصلاح)) ضد مهرجان عدن الفني الأول في العديد من الندوات والتصريحات التي احتفت بتغطيتها صحف ((اللقاء المشترك)) وأخواتها، أنْ يُلاحظ فقر وبؤس وديكتاتورية الخطاب الديني لذلك النفير الذي استهدف منع تنظيم ((المهرجان))، إلى حد أنّ مدرساً في جامعة الإيمان كتب مقالاً في صحيفة ((أخبار اليوم)) خاطب فيه رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء وأعضاء مجلس النواب والمحافظين والمواطنين بلغة أوامرية استعلائية ومثيرة للدهشة، حيث دعاهم إلى سرعة إيقاف المهرجان الفني وعدم الذهاب إلى عدن، لأنّهم إذا رفضوا تنفيذ أوامره ونواهيه يكونون قد أعلنوا عصيانهم لكتاب الله وسُنة رسوله الكريم ، وامتناعهم عن تطبيق الشريعة، ورفضهم لحكم الله الذي قضى بتجريم الغناء والموسيقى بحسب مزاعم هذا المدرس الخائب،.. بمعنى أنّ من يخالف رأي ووجهة نظر هذا الدعي الذي يُقدِّم نفسه بصفة مدرس علم الأصول، يكون بالضرورة مخالفاً لله ومعادياً للدين !!
على نهج مدرس علم الأصول في جامعة الإيمان سارت كل الكتابات والمقالات والملصقات وخطب الجمعة في المساجد وشرائط الدعاة الصوتية، وتصريحات نواب حزب ((الإصلاح)) في البرلمان وتهديدات تنظيم ((القاعدة))، حيث حاول كل هؤلاء الذين عارضوا مهرجان عدن الفني الأول، ودعوا إلى إيقافه تبرير موقفهم من خلال إيراد أدلة بائسة في تحريم الغناء والموسيقى .
ولا أبالغ حين أقول: إنني عندما قرأت تلك الأدلة في صحف حزب ((الإصلاح)) وحلفائه، وفي شرائط دعاته وخطب فقهائه من على منابر الجمعة ، شعرت بالغثيان  وليس بالخوف من هذا النفير الذي ينطبق عليه القول المأثور : ((تمخض الجبل فولد فأراً)) .. لأنّ جميع (الأدلة) التي ساقها أعداء الغناء والموسيقى والفرح في حزب ((الإصلاح)) وتنظيم ((القاعدة)) كانت  وبدون استثناء  مجرد عرض نقلي وترديد ببغاوي لآراء ووجهات نظر بعض الفقهاء الأسلاف إزاء الغناء والموسيقى.. وهي آراء قابلة للنقاش والنقد وليست مقدسة أو مطلقة.. ناهيك عن أنها تعرضت للنقد في زمنها قبل مئات السنين ، وعلى أيدي مشاهير الفقهاء المسلمين، ومن بينهم  على سبيل المثال لا الحصر العلامة أبو محمد بن حزم صاحب المؤلفات العظيمة في الفقه والحديث والتفسير بقوله : ((كل ما روي في أحاديث تحريم الغناء باطل أو موضوع))، ويقول العلامة أبوبكر العربي : ((لم يصح في تحريم الغناء شيء)).
وفي الاتجاه نفسه تعرضت هذه الآراء ووجهات النظر الفقهية البائسة للنقد على أيدي الفقهاء المعاصرين أمثال الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي الذي وصف الغناء في كتابه ((الحلال والحرام في الإسلام)). وبالنص الصريح : ((ومن اللهو الذي تستريح إليه النفوس وتطرب له القلوب وتنعم به الآذان الغناء، وقد أباحه الإسلام ، ما لم يشتمل على فحش أو خنا أو تحريض على إثمٍ ، ولا بأس من أن تصحبه الموسيقى غير المثيرة)). كما وصف الشيخ القرضاوي ما يسوقه مدرس علم الأصول في جامعة الايمان وأمثاله من أحاديث تحرِّم الغناء بقوله : ((كلها مثخنة بالجراح لم يسلم منها حديث من طعن عند فقهاء الحديث وعلمائه)).
وعندما تستبد بمدرس (علم الأصول) أوهام القدرة على توجيه أوامر ملزمة إلى رئيس الجمهورية والحكومة وقادة الدولة والمجتمع لتنفيذ رأيه الذي لا يعدو أن يكون سوى صدى ميت لآراء بعض الفقهاء الأسلاف بشأن تحريم الغناء والموسيقى.. فإنّ مخاطر الأوهام الصدئة والأفكار المتكلسة لهذا المدرس وأمثاله من دعاة تحريم الغناء والموسيقى ، لا تهدد فقط الوظيفة المعرفية للعقل الذي يحاول هذا المدرس وأشباهه  من حفظة وعبدة النصوص الفقهية التراثية  أن ينزعوا عنه القدرة على التفكير النقدي بما هو أداة الإبداع المعرفي، بل إن مخاطر هذه الأوهام تصل إلى أبعد من ذلك ، حين يقوم أمثال هذا المدرس الدعي بمخاطبة قادة الدولة والمجتمع والمواطنين عموماً بلغة أوامرية استعلائية على نحو ما جاء في ذلك المقال الذي نشرته صحيفة ((أخبار اليوم)) أثناء النفير المعادي لمهرجان عدن الفني الأول، بهدف إخضاع الدولة والمجتمع لسلطة رجال الدين وأتباعهم ومن هم على شاكلة مدرس ((علم الأصول)) الذين يعتقدون أنّهم يمتلكون الحقيقة المطلقة.. وأنّهم أصحاب حق في فرض سلطتهم ووصياتهم الدينية على قادة وهيئات الدولة والمجتمع، بما في ذلك حق التخاطب مع غيرهم بلغة الأوامر الملزمة وغير القابلة للنقاش، بحجة أن آراءهم ووجهات نظرهم المنقولة عن أسلافهم غير قابلة للنقاش.. فهي ببساطة أحكام إلهية ملزمة وقاطعة ومانعة .. كما أنهم ببساطة أيضاً ((حكام)) يستمدون شرعية سلطتهم الدينية الملزمة من الله، ومفوضون باسم الله بتعريف وتفسير كلامه وأحكامه، والتفتيش في عقول وقلوب وضمائر الناس.. بمعنى أنّهم وحدهم حراس الدين والأخلاق في الأرض.. وهم وحدهم الملاك الشرعيون للحقيقة المطلقة التي لا يجب أن ينازعهم فيها أحد من الذين يخالفون آراء ووجهات نظر دعاة تحريم الغناء والموسيقى من أمثال مدرس (علم الأصول) في جامعة الإيمان وكل من يسير على مناهج شيوخ وملالي حزب ((الإصلاح)) .. فهم وحدهم المعنيون والمكلفون بإصدار الأوامر ,, وهم وحدهم المفوضون باسم الله لتحديد ما يجوز وما لا يجوز.. ويبقى على الجميع  بدءًا برئيس الجمهورية ومروراً برئيس الحكومة والوزراء والمحافظين وانتهاء بالمواطنين السمع والطاعة وتنفيذ الأوامر، والامتناع عن مناقشة آراء ووجهات نظر دعاة التحريم .. وهو ما سنتناوله في المقال القادم بإذن الله ، انطلاقاً من قناعتنا الراسخة بأنّهم لا يمثلون إلا أنفسهم .. ولا يعبرِّون سوى عن آرائهم وأفكارهم ووجهات نظرهم التي لا تعطيهم حق توجيه الأوامر الملزمة إلينا، بدعوى أنهم الذين يحتكرون العلم والمعرفة، ويمتلكون سلطة منع استخدام العقل لنقد ومخالفة آراء ووجهات نظر شيوخهم وملاليهم وفقهائهم الذين يجب علينا فقط النقل عنهم بدون نقاش، والطاعة العمياء لأوامرهم ونواهيهم بلا حدود ، كما هو حال أتباعهم من حفظة وعبدة النصوص الفقهية القديمة الذين ألغوا عقولهم واتبعوا هوى الضالين بعد أن أساؤوا إلى القرآن بقولهم : ((لم يصح في فضل العقل شيء)).. فيما نرد عليهم بقوله تعالى في القرآن الكريم : ((وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير)) صدق الله العظيم . 
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
أدوات المطامع الخليجية
توفيق الشرعبي
مقالات
كاتب صحفي/امين الوائليأيُّ جـــوع ينتظـــرنـــا؟!
كاتب صحفي/امين الوائلي
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةكسب الشعب وخسر المأزومون
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
مشاهدة المزيد