الخميس 20-09-2018 13:33:36 م : 10 - محرم - 1440 هـ
عرب الألفية الثالثة:لماذا لا يكف العرب الأغنياء عن إلحاق الأذى بفقراء الأمة؟
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 13 سنة و 4 أشهر و 28 يوماً
الخميس 21 إبريل-نيسان 2005 10:38 م
تؤكد الوقائع التاريخية أن روما القديمة كانت حاضرة راقية و تسيطر على العالم لكنها أمعنت في أذى المحيط البائس الذي يطوقها فكان أن تعرضت للدمار وزالت من الوجود عندما دمرها المحيط البائس نفسه. الدرس الروماني لم تتعظ به شعوب وحضارات أخرى بلغت درجة عالية من الحضارة و التقدم وفي ظنها أنها قادرة على حمايته إلى الأبد من الداخل فكان أن سارت على طريق الجلجلة الروماني نفسه ومن بينها حضارات في منطقتنا أصبحت أثرا بعد عين إذ يكفي التأمل في وجود بضعة آلاف من الأشوريين والكلدانيين للتأكد من أن حضارة عظيمة كانت ذات يوم ولم تعد قائمة اليوم.
وبخلاف الحضارات الزائلة يبدو أن الحضارة الغربية وبخاصة طرفها الأوروبي تهجس بالمثال الروماني وتعمل على الإفادة من دروسه إذ تفصح دعوات الاتحاد إلى ضم الدول الأوروبية الفقيرة ودمجها في السوق المشترك عن وعي تاريخي . ذلك أن أغنياء أوروبا يرون مستقبلهم في قارة غنية وقادرة على الدفاع عن ثرواتها في محيطها أولا معتبرين انه من الصعب الدفاع عن غناهم وسط محيط أوروبي بائس ومحترب.
تجدر الإشارة إلى أن هذا التوجه ليس جديدا فهو في صلب التفكير الأوروبي التأسيسي. فقد بدأ الاتحاد بست دول ثم أصبح 15 دولة وهو اليوم يضم 25 دولة وقد يصل إلى 27 و30 دولة في العقدين القادمين. وتفيد تجربة الاتحاد أن الدول الأوروبية التي كانت موصوفة بتخلفها شأن أسبانيا والبرتغال وايرلندا باتت اليوم تتمتع بنفس مستوى المعيشة المسجل في دول غنية كفرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ وذلك بفضل عشرات المليارات من الدولارات التي صرفت في سبيل إعادة بناء اقتصادها ومجتمعها.ويرى الخبراء في البناء الأوروبي أن الاستثمارات التي بذلت لإنقاذ الدول المتخلفة تعود بالنفع أيضا على الدول الغنية فعندما يرتفع مستوى الدخل في هذه الدولة أو تلك ينعكس ذلك إيجابا على السوق الأوروبية وبالتالي على المنتجين الكبار في الدول الغنية ما يعني أن الاستثمار الاندماجي مفيد للطرفين وللمشروع الأوروبي برمته.
لم تتعظ أوروبا الغنية بالمثال الروماني فحسب بل أيضا بدروس حروبها القارية حيث بينت تجربة قرون من الحروب والصراعات الإيديولوجية والدينية داخل القارة العجوز أن أحدا من دولها لم يتمكن من السيطرة الدائمة على الآخرين وان سياسة السيطرة والإلغاء تسببت بأذى للجميع وأتاحت بالتالي سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية منفردة على العالم فكان أن عقد الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول والمستشار الألماني الراحل أديناور حلفا احتفل الطرفان باربعينيته العام الماضي وقد أدى هذا الحلف إلى تثبيت دعائم العمل الأوروبي المشترك والانطلاق به نحو آفاق واسعة ومفتوحة على مستقبل زاهر ما يعني أن الانطلاقة الأوروبية احتاجت إلى عقول تتعظ بكوارث الماضي والى ظرف سياسي ملائم بعد الحرب العالمية الثانية والى رجال دولة يلتقطون اللحظة المناسبة ويحددون ساعة الصفر للانطلاق. والثابت أن الانطلاقة الأوروبية لن تتوقف في منتصف الطريق وان عثراتها الماضية هي برهان على إمكانية تجاوز العقبات عندما تنعقد المصالح على الإرادة في سياق مشروع تاريخي.
توجد أوجه شبه كثيرة بين العرب و الأوروبيين لجهة الجذر التاريخي والحضاري البارز ولجهة الاحتراب الداخلي ولجهة القيم والروابط المشتركة وان كان العرب يتميزون عن الأوروبيين بروابط اشد قوة وبتاريخ أكثر ترابطا وصراعات دينية ومذهبية اقل حدة. لكن العرب يختلفون عن الأوروبيين في غياب الوعي التاريخي لدى النخب الحاكمة أو فلنقل لدى معظم هذه النخب ويختلفون عنهم أيضا في مستويات ومواقع التقدم والحضارة المعاصرة فأوروبا تشارك في سيادة العالم فيما العرب يربضون في مواقع المغلوبين وفي هذا الاختلاف.
على النقيض من الأوروبيين يظن العرب الأغنياء أن بوسعهم حماية ثروتهم النافذة عبر إبرام اتفاقات ومعاهدات مع الدول العظمى ويعتقدون أن المخاطر المحيقة بهم تكمن في جوارهم العربي الفقير وليس في أطماع سادة العالم وهذا الظن ينضوي في سياسة مضمرة أو صريحة بحسب الحالات والظروف. هي صريحة عندما كان الأمر يتصل بالرئيس العراقي السابق صدام حسين وهي مضمرة تجاه دول عربية فقيرة أخرى لم تصل بمجابهتها لعرب الثروة إلى ما وصل إليه صدام حسين عندما قرر اجتياح الكويت في العام 1990 . وليس الظن جانيا أو ضعيفا بعرب الثروة فهم يحتفظون على أراضيهم بجيوش أجنبية ويرسمون سياساتهم الخارجية بما يتناسب مع سياسات حماتهم وليس وفق أولويات واعتبارات عربية ويقر بعضهم صراحة بذلك عبر القول إن العرب الفقراء لم يوفروا الحماية للكويت عندما اجتاحها صدام حسين وألغى وجودها من خريطة الأمم.
ما من شك أن الوعي التاريخي المحدود للعرب الأغنياء لا يساعدهم على الاتعاظ بالدرس الروماني بل على الاتعاظ بدروس التاريخ العربي نفسه والذي يفيد أن بغداد العباسية دمرت بسبب تنكرها لمحيطها وضعفها القياسي في رعاية هذا المحيط ولعل عرب الثروة يدركون ولكن بعد فوات الأوان أن الثروة لا يحميها الضعف ولا تصونها ذئاب الأجانب وإنما الأهل والأهل وحدهم وهم على مرمى حجر من الثروات المكدسة و من أصحابها القاصرين على كل صعيد..
ولكن الطامة الكبرى ليس في تنكر أغنياء العرب لفقرائهم فحسب بل في سعي الأغنياء لإلحاق الأذى بالفقراء وهم لا يفوتون مناسبة سانحة في هذا المجال ومن بينها مناسبة التمرد الأخير في صعدة اليمنية حيث انبرى إعلام الثراء العربي تهشيما باليمن واستدراج الفتاوى البائسة من مفتي الاحتلال الأمريكي في العراق وطلب التدخل الخارجي واستكتاب الأقلام "البارعة" و"القادرة" لهذا الغرض فيما الصحف والكتاب أنفسهم يصمون أذاننا منذ أكثر من عشر سنوات بقولهم إن الإرهاب المقيم في دولة عربية غنية جدا والذي يظهر كل شهر وكل أسبوع وأحيانا كل يوم في هذه الدولة هذا الإرهاب شأن داخلي عابر ولا يحتاج إلى "مبادرة عربية للإنقاذ استدراكا لتدخل دولي"!! وأن سجناء الرأي وكتم الأنفاس ومنع ذوي مذهب معين من الاندماج في الدولة نفسها لا يحتاج لفتوى مذهبية من العراق ولا تشمله حقوق الإنسان التي يبدو أنها بنظر هؤلاء الكتاب خلقت من أجل اليمن وحده ولا يجوز تطبيقها على جيرانه!!
يا حبذا لو يكف العرب الأغنياء شرهم عن فقراء الأمة العربية. يا حبذا لو ينصرفون لشؤون شعوبهم التي تعاني البطالة وتفتقر إلى حرية التعبير وتعامل معاملة(.....).يا حبذا لو يهتم أغنياء العرب بشيئ آخر غير زرع الباطون المسلح في الفيافي والصحاري وخلق ديكورات مستوردة حرفيا من الغرب خالية من الروح وممعنة في ادعاء الغنى الفاحش فيما الغنى الوحيد في هذا العصر هو غنى البشر وليس غنى الحجر. ويا حبذا لو ينصح "كتاب" العرب الأغنياء أصحابهم بالكف عن أذى فقراء الأمة والتفرغ لتحصيل الحقوق من أعدائها. وأخيرا يا حبذا لو ينصحونهم بالقول إن مصير العرب جميعا فقراء وأغنياء يكمن في تحرير الفضاء العربي من الدس والتحريض والتضليل واستدراج الفتن وفبركة الفتاوى والكف عن طلب النجاة بواسطة الاحتلال والجيوش الأجنبية.
اعتذار:
أدى خطأ مؤسف ناجم عن سوء تحكم بإرسال مقال الأسبوع الماضي بواسطة البريد الالكتروني إلى سقوط البند الثامن من سلسلة الأخطاء التي تناولها المقال وهذا البند يجد القارئ مضمونه في المقالة أعلاه.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
صحفي/ طاهر العبسي
مهما تآمرتم وصعدتم ستهزمون!!
صحفي/ طاهر العبسي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
حمير العزكي
غريفيتس و الحديدة
حمير العزكي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
استاذ/ عباس الديلمي
من شواهد أنهم لا يقرأون (2)
استاذ/ عباس الديلمي
مقالات
صحيفة 26 سبتمبراستحقاقات الحوار
صحيفة 26 سبتمبر
مشاهدة المزيد